ومن هنا برز دور العتبة العباسية المقدسة بوصفها أنموذجًا رائدًا يسعى إلى توفير الفرص للأجيال القادمة عبر مشاريع تربوية وتعليمية رائدة.
وقد وقع الجزء الأكبر من هذا الجهد على عاتق هيئة التربية والتعليم العالي، إلى جانب مؤسسات تربوية وعقائدية وتدريبية أخرى تابعة لأقسام مختلفة في العتبة المقدسة، لتتكامل أدوارها جميعًا في رسم لوحةٍ متكاملة للتربية والتعليم بمختلف اتجاهاتهما ومساراتهما.
اقتباس
يؤكّد المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أنّ التربية والتعليم من المهام عظيمة الأثر في بناء الإنسان وإخراجه من الظلمات الى النور، وهي من مهام الأنبياء على مرّ الزمن، ولو أردنا تقييمًا لجهد مؤديها، فهي مهام لا تُثمّن بثمن، لأنّها تبني الأنسان وتخرجه من الضلالة إلى الهدى، ومن الجهل إلى العلم، وكل من يقوم بها مسؤول أمام الله بما يوصله من معلومات لعقول مستمعيه، سواء كانوا تلاميذًا أو طلابًا أو جمهورًا يستمع لمحاضرة".
كما بين سماحته حرص العتبة العباسية المقدسة على تطوير التعليم والإفادة من التجارب العالمية وتوفير أفضل بيئة تعليمية، وتطوير مناهجها بشكل علمي، وأيضًا تطوير الملاكات العاملة في القطاع التعليمي من خلال زجّهم في برامج عالمية ودورات تخصصية وأن التطوير هدفا أساسيا.
المنظومة هي الأساس
بهدف تطوير منظومة التعليم بما ينسجم مع رؤيتها في تعزيز القيم الدينية والأخلاقية إلى جانب تحقيق التميز العلمي، والنهوض بالواقع التربوي والتعليمي، أُسّست هيأةُ التربية والتعليم العالي التابعة للعتبة العباسية المقدسة عام 2016، وسعت إلى ترجمة رؤية العتبة المقدسة في تقديم أنموذج تعليمي حديث يُحتذى به، من خلال إنشاء عدد من المجموعات التعليمية، ومنها ثلاثة مجمعات تربوية وعلمية في كربلاء المقدسة.
وتتولّى الهيأة إدارة المؤسّسات التربوية والتعليمية بمختلف مراحلها، بدءًا من دور الحضانة والمدارس الابتدائية والثانوية، وصولًا إلى المعاهد والجامعات، فضلًا عن اهتمامها بالبحث العلمي عبر إنشاء المراكز البحثية، ودعم التطوير الأكاديمي والإداري والمؤسّسات الدينية والنسوية التعليمية التي ترتبط بمكتب المتولّي الشرعي للشؤون النسوية.
رياض الأطفال كانت البداية
تُعدّ رياض الأطفال اللبنة الأولى في المسيرة التربوية والتعليمية، لذا انطلقت العتبة العباسية المقدسة في مشروعها التربوي والتعليمي من مرحلة الرياض، إيمانًا منها بأنّ هذه المرحلة تمثّل اللبنة الأساسية في بناء شخصية الطفل وتكوين هيكله التربوي والتعليمي، فالسنوات الأولى من عمر الطفل تعد الأساس في تنمية قدراته العقلية والسلوكية والاجتماعية، وغرس القيم والمبادئ التي تسهم في إعداد جيلٍ واعٍ ومتميّز.
إذ افتتحت الهيأة أولى رياضها المتمثلة برياض العميد، ومع النجاح الكبير والإقبال المتزايد، توسّع المشروع ليشمل عددًا من الروضات الأخرى، منها روضة الساقي، فضلًا عن روضة نور العباس (عليه السلام) وروضة درر العميد وروضة جود العميد.
ومن هذا المنطلق، يواصل الأطفال ممارسة أنشطتهم التربوية والتعليمية في أجواءٍ آمنة وملهمة، تتفتح فيها عقولهم على المعرفة، وتتشكّل فيها أولى خطوات التعلّم بثقةٍ ووعي، من خلال برامج تعليمية وأنشطة تفاعلية تراعي احتياجاتهم العمرية، وتسهم في دعم نموهم المتكامل.
ويأتي هذا الاهتمام انطلاقًا من أهمية هذه المرحلة في حياة الطفل، إذ تتكوّن فيها مهاراته الأساسية، وتتبلور قدرته على التواصل والتفاعل والتعلّم، كما تؤدّي البيئة التربوية السليمة دورًا مهمًا في تعزيز ثقته بنفسه، وتنمية روح الإبداع والاستكشاف لديه، وإعداده للانتقال إلى المراحل الدراسية اللاحقة بصورةٍ متوازنة ورصينة.
المدرسة حجر الزاوية
حظيت عملية إنشاء المدارس في العتبة العباسية المقدسة على أهمية كبيرة بوصفها حاجةً ملحّة، بسبب تزايد المتطلبات الأهلية الداعية إلى تأسيس مجاميع تعليمية رائدة تسهم في إعداد جيلٍ واعٍ يحافظ على التراث العلمي والأخلاقي. وانطلقت هذه الجهود من خلال تأسيس مجموعة من المدارس التربوية والتعليمية التي اتخذت مسارين رئيسين.
تمثّل الاتجاه الأوّل بالجانب التربوي والتعليمي، إذ شمل تأسيس مجموعة العميد التربوية التي تغطي المراحل الدراسية من رياض الأطفال حتى المرحلة الإعدادية، إذ بدأت هذه المسيرة بمدرسة العميد الابتدائية للبنين، وتفرعت عنها مدارس عدّة، منها ابتدائية أبي طالب للبنين، وابتدائية نور العميد للبنين، وابتدائية نور العباس للبنين، وابتدائية الساقي للبنين، وابتدائية العميد للبنين في بابل، فضلًا عن ابتدائية نور العميد للبنين والساقي الابتدائية للبنين.
كما شملت مدارس البنات مدرسة العميد الابتدائية للبنات، ومدارس العميد الابتدائية للبنات، وابتدائية العميد للبنات، وابتدائية القمر للبنات، وابتدائية نور العباس للبنات، وابتدائية جود العميد للبنات، وابتدائية العميد للبنات في بابل.
أمّا المدارس الثانوية فقد ضمت مدارس العميد الثانوية للبنين، وثانوية نور العباس للبنين، وثانوية سيد الماء للبنين، إلى جانب مدارس العميد الثانوية للبنات، وثانوية نور العباس للبنات، وثانوية العميد للبنات.
أمّا الاتجاه الثاني فقد عُني بالجانب العقائدي والديني، إذ أسّست العتبة العباسية المقدسة مجموعة من المدارس الدينية النسوية التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية، من أبرزها مدارس الكفيل الدينية النسوية، التي يبلغ عددها خمس عشرة مدرسة موزّعة في محافظة كربلاء المقدسة وعدد من المحافظات العراقية الأخرى، فضلًا عن مدرسة فخر المخدرات في النجف الاشرف.
المعاهد.. مسيرة تكامل
لم يَعُد التعليم مقتصرًا على الجانب التربوي فحسب، بل برزت الحاجة إلى توسيع دوره ليشمل الأبعاد الاجتماعية والثقافية والتنموية، من خلال تعزيز دور المعاهد الدينية والإدارية في ترسيخ القيم الأخلاقية والفكرية، وبناء الوعي المجتمعي، بما يسهم في تطوير المهارات والقدرات لدى مختلف فئات المجتمع.
وقد انبثقت عن هذه الرؤية أقسام متعددة، كان أبرزها المعاهد المؤسّساتية التي تُعنى بتنمية القدرات والمهارات التخصصية ومنها، المعهد العالي للتراث، ومعهد الكفيل لتقنية المعلومات وتطوير المهارات، وأكاديمية التطوير الإداري، إذ تؤدّي هذه المؤسّسات دورًا مهمًّا في إعداد الكفاءات وتأهيلها بما يواكب متطلبات العصر.
أمّا في الجانب العقائدي والديني، فقد كان للعتبة العباسية المقدسة دور بارز في الاهتمام بالجانب الفكري والديني لما له من أثر كبير في تعزيز استقرار المجتمع العراقي وترسيخ هويته الثقافية الفكرية، ومنها: معهد أمّ البنين (عليها السلام) النسوي الإلكتروني، ومعهد الكفيل للنطق والتأهيل المدرسي، ومعهد تراث الأنبياء للدراسات الحوزوية الإلكترونية، التي أسهمت في نشر الثقافة الدينية والعلمية، وتقديم برامج تعليمية وتوعوية تخدم مختلف شرائح المجتمع.
الجامعات.. البوابة الأهم نحو المجتمع
بعد تضافر جهود الكفاءات العلمية العراقية ضمن عملٍ مؤسّساتي أكاديمي ينسجم مع العمق التراثي والحضاري للمجتمع العراقي، وتنظيم النشاطات الثقافية مثل الندوات وورش العمل والمؤتمرات العلمية المحلية والدولية، اتجهت العتبة العباسية المقدسة إلى تأسيس جامعات علمية رصينة ذات جاهزية أكاديمية عالية، من أبرزها جامعة الكفيل التي تضم حاليًا ست كليات، هي: كلية الطب، وكلية طب الأسنان، وكلية الصيدلة، وكلية التقنيات الطبية والصحية، وكلية الهندسة التقنية، وكلية القانون.
كما أسّست جامعة العميد التي تضم عددًا من الكليات، منها: كلية الطب، وكلية طب الأسنان، وكلية الصيدلة، وكلية التمريض، وكلية التربية الأساسية للبنات، فضلًا عن كلية التقنيات الصحية والطبية التي تشمل قسم تقنيات عناية القلب وقسم تقنيات طب الطوارئ.
وفي مجال التعليم الإلكتروني والدراسات الدينية، أُطلقت جامعة أمّ البنين الإلكترونية النسوية في النجف الأشرف، بوصفها مشروعًا علميًّا وتعليميًّا يهدف إلى توفير بيئة دراسية للنساء الراغبات في دراسة العلوم الإسلامية عن بُعد، وتتيح الجامعة الالتحاق ببرامجها من مختلف البلدان عبر المنصات الإلكترونية من دون الحاجة إلى الحضور المباشر، وتضم قسمين رئيسين: قسم الدراسات التبليغية، وقسم الدراسات القرآنية.
مراكز التعلم... نوافذ أخرى
عملت العتبة العباسية المقدسة على انشاء عدد من المراكز الخدمية ومنها مراكز رقمية؛ تهدف إلى رقمنة النتاج العلمي والمعرفي في البلاد ومنها (مركز المعلومات الرقمية Digital Information Center) الذي يُعنى بتدعيم النافذة الرقمية لمكتبة العتبة العباسية المقدسة بالمصادر والخدمات الرقمية المتنوعة، إضافةً إلى (المستودع الرقمي العراقي للأطاريح والرسائل الجامعية) هو موقع إلكتروني خدمي غير ربحي يهدف إلى جمع وتنظيم الأطاريح والرسائل الجامعية العراقية منذ بداية برامج الدراسات العليا في العراق.
وأخرى مراكز علمية تهدف إلى إضافة نتاج معرفي وتعليمي للكبار المتمثل (بمركز "نتعلم لنحيا" لمحو الأمية وتعليم الكبار) هو مركز ثقافي وتعليمي يختص بمحو الأمية وتعليم الكبار في محافظة كربلاء المقدسة.
مسار التميز في منظومة العميد التعليمية
في إطار رؤية تربوية متكاملة تتبناها العتبة العباسية المقدسة، سجّلت هيأة التربية والتعليم العالي سلسلة من المنجزات النوعية التي شملت مراحل التعليم كافّة، من رياض الأطفال وصولًا إلى الجامعات، في نموذج تعليمي يجمع بين البناء القيمي والتفوق الأكاديمي.
ففي مرحلة رياض الأطفال (الروضات)، تميّز العمل بتطبيق برنامج “الخبرات التربوية” الذي يعتمد مناهج رقمية وتربوية حديثة، تهدف إلى بناء القيم السلوكية والدينية إلى جانب تنمية المهارات الذهنية للأطفال، مع توفير قاعات تعليمية مجهزة بأحدث الوسائل التفاعلية والترفيهية، بما ينسجم مع الخصائص العمرية لهذه الفئة.
أما على مستوى مدارس مجموعة العميد التربوية، فقد حقّقت المؤسسة إنجازًا لافتًا تمثل في تسجيل نسب نجاح كاملة (100%) في الامتحانات الوزارية لعدة أعوام متتالية: 2021-2022، 2022-2023، 2023-2024، 2024-2025، واستمرار هذا التميز في العام الدراسي الحالي 2025-2026 لمرحلتي الابتدائية والمتوسطة في محافظة كربلاء.
كما عززت المدارس منظومتها التعليمية بإضافة مناهج إثرائية بنسبة 20% فوق المنهج الوزاري، ركزت على تطوير مهارات اللغة والرياضيات، إلى جانب تعزيز الجوانب الأخلاقية والعقائدية، مع إخضاع الكوادر التدريسية لدورات تأهيلية دورية بهدف رفع كفاءة الأداء وترصين العملية التعليمية.
وفي الجانب الجامعي، حققت جامعتا العميد والكفيل إنجازات مهمّة تمثلت في نيل الاعتراف الحكومي الكامل، واستيفاء متطلبات ضمان الجودة والبرامج الأكاديمية، إلى جانب دخولها في تصنيفات واعتمادات دولية، فضلًا عن احتضانها لسلسلة من المؤتمرات الطبية والعلمية العالمية، وتطوير البنى التحتية من خلال القاعات الذكية والمكتبات الرقمية الداعمة للبحث العلمي.
وعملت العتبة العباسية المقدسة على تطوير الملاكات التربوية من خلال برنامج تربوي وتعليمي يعتمد على ثلاث بوابات رئيسة، تتمثل في بوابة الفريق التعليمي الكفوء القابل للتأهيل المستمر، وبوابة المنهج التعليمي المتخصص القابل للتطوير والترقية بشكل دائم، وبوابة الطالب ذي الدافعية والرغبة في النمو المستمر.
ويهدف هذا التوجه إلى إعداد ملاكات تربوية قادرة على مواكبة متطلبات العملية التعليمية الحديثة، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء التربوي وتحقيق جودة في المخرجات التعليمية.
وبهذا المسار المتكامل، تتجسد رؤية العتبة العباسية المقدسة في بناء منظومة تعليمية تبدأ من الطفولة المبكرة وتنتهي بالبحث العلمي المتقدم، في مشروع يهدف إلى صناعة جيل متوازن علميًا وأخلاقيًا، قادر على مواكبة متطلبات العصر بثقة وكفاءة.
إشعاع معرفي وأثر مجتمعي متجدد
للمؤسسات التعليمية الاثر البارز في تعزيز القيم الأخلاقية ورفع كفاءة المستوى التعليمي في البلاد من خلال بناء المنظومات التعليمية والمراكز البحثية، إضافة إلى البرامج التعليمية المجانية التي تدعم الجانب الإنساني، وتنمية الوعي المجتمعي من خلال تنظم دورات وورش عمل في مجالات متعددة (ثقافية، تربوية، مهنية)، تسهم في نشر الوعي حول قضايا مهمة مثل التطرف، التسامح، والعمل التطوعي.
كذلك أسهمت في تعزيز الهوية والانتماء من خلال ربط التعليم بالقيم الدينية والتراث الثقافي، تعزز العتبة الشعور بالهوية والانتماء لدى الشباب، ما يدعم الاستقرار المجتمعي، فضلًا عن كونه مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا يهدف إلى بناء الإنسان والمجتمع معًا.
الاستمرارية وتحديات المستقبل
يبقى التعليم في العتبة العباسية المقدسة مشروعًا مستمرًا يسعى إلى تلبية الاحتياجات العلمية التي ترتقي بطموحات الفرد العراقي، فقد عملت العتبة على تطوير واقعها التربوي ليشمل مختلف المراحل التعليمية، من رياض الأطفال إلى الجامعات، مرورًا بالمراكز البحثية والمنصات الرقمية.
ومع ما يشهده العالم من تحولات متسارعة في عملية التربية والتعليم، تتزايد الحاجة إلى تطوير هذا النموذج التعليمي بما يواكب المستجدات العلمية والتقنية، وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مهم حول مدى قدرة المؤسّسات الخاصة على الإفادة من النموذج الأكاديمي والتطور التقني الذي تقدمه العتبة العباسية المقدسة، بما يسهم في رفع جودة التعليم وتعزيز قدراته المستقبلية.