واليوم، تقف جامعة العميد أمام مرحلة جديدة لا تقيس نجاحها بعدد الأعوام التي مضت، وإنما بما تستطيع أن تضيفه إلى مسيرة التعليم العالي العراقي؛ فالمسألة لم تعد مجرد تخريج طالب يحمل شهادة جامعية، بل إعداد خريج يمتلك المعرفة والمهارة والقيم والقدرة على تحويل ما تعلمه إلى أثر حقيقي في المجتمع.
وبين تاريخ التأسيس في 2017 وأفق 2030، تمتد حكاية جامعة العميد بوصفها مساراً متدرجاً من التأسيس إلى التوسع، ومن التعليم إلى البحث، ومن المعرفة إلى خدمة المجتمع؛ مسار تسعى الجامعة من خلاله إلى أن تجعل من سنواتها الأولى قاعدةً لمرحلة أطول عنوانها الجودة، والاعتماد، والاستدامة، والريادة العلمية.
التأسيس لمشروعٍ أكاديمي واعد
في 19 أيلول 2017، بدأت الحكاية رسميًا؛ ففي ذلك اليوم صدر أمر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المرقم 6519 بتأسيس جامعة العميد في كربلاء المقدسة، وفق قانون تأسيس الكليات والجامعات الأهلية رقم 13 لسنة 1996 المعدل، لتدخل الجامعة منذ عامها الأول مسارًا أكاديميًا يرتكز على التخصصات الطبية والصحية، ويستجيب لحاجة المجتمع العراقي إلى ملاكات علمية ومهنية مؤهلة.
ومع انطلاق العام الدراسي 2017–2018، اتخذت الجامعة من التعليم الطبي والصحي نقطة ارتكاز لبناء هويتها الأكاديمية؛ فكانت كلية طب الأسنان من تشكيلاتها المبكرة، إلى جانب كلية التمريض التي جاءت لتسهم في إعداد كوادر تمريضية قادرة على أداء أدوارها في المؤسسات الصحية بكفاءة ومهنية.
كما أظهرت أدلة القبول في السنوات الأولى حضور تخصصات الطب وطب الأسنان والتمريض ضمن المسار الأكاديمي للجامعة.ن
ولم تكن هذه البداية استجابة آنية لاحتياجات سوق العمل فقط، بل شكلت النواة الأولى لرؤية أخذت الجامعة في تطويرها عامًا بعد آخر؛ فالتخصصات الصحية والطبية ارتبطت منذ البداية بفكرة إعداد الإنسان المتخصص القادر على تحويل المعرفة الأكاديمية إلى ممارسة مهنية تخدم المجتمع.
ومع مرور السنوات، بدأت الخارطة الأكاديمية لجامعة العميد تتسع، وتتحول من تجربة ناشئة إلى منظومة تعليمية أكثر تنوعًا، بالتوازي مع تنامي الاهتمام بالبحث العلمي، وجودة التعليم، والتطوير المؤسسي، والشراكات الأكاديمية، وخدمة المجتمع.
إن عام 2017 لم يكن مجرد تاريخ إداري في سجل الجامعة، بل كان نقطة الصفر لمشروع أخذ ينمو تدريجيًا من كلية وتخصصات ذات طابع طبي وصحي، إلى مؤسسة أكاديمية تسعى إلى بناء بيئة متكاملة للتعليم والبحث والتطوير.
وبحلول 2026، تكون جامعة العميد قد قطعت قرابة تسع سنوات من مسيرتها؛ تسع سنوات انتقلت فيها من مرحلة التأسيس ووضع اللبنات الأولى إلى مرحلة أكثر نضجًا تتطلع خلالها إلى ترسيخ حضورها الأكاديمي والعلمي، مستندة إلى رؤية مستقبلية تضع عام 2030 أفقًا للطموح، بهدف أن تكون أنموذجاً في القيادة والتميز في التعليم العالي على المستوى الوطني العراقي.
رؤية تتجاوز حدود الحاضر
تضع جامعة العميد التنمية العلمية والأكاديمية المستدامة في صميم رؤيتها، انطلاقًا من إيمان بأن بناء الجامعة الحديثة لا يتحقق بالاتساع في البنية الأكاديمية وحده، وإنما بقدرتها على تطوير المعرفة، وتعزيز جودة التعليم، وإنتاج البحث العلمي، وبناء شراكات فاعلة تمتد آثارها إلى المجتمع.
وتقوم رؤية الجامعة على التطلع إلى تنمية علمية وأكاديمية مستدامة تجعل التطوير عملية مستمرة لا تتوقف عند إنجاز مرحلي، بل تتجدد مع تطور العلوم ومتطلبات سوق العمل وحاجات المجتمع.
أما رسالة الجامعة، فتتمحور حول بناء شراكات معرفية وبحثية وتدريبية مع المؤسسات المناظرة، بهدف الارتقاء بواقع الجامعة وتعزيز قدرتها على إنتاج مخرجات تعليمية فاعلة، ونتاجات بحثية وخدمية مؤثرة، بما يعزز مكانتها الأكاديمية بين نظيراتها، وفق خطط مرحلية واضحة.
فالشراكة، في فلسفة الجامعة، ليست تعاوناً بروتوكولياً فقط، بل وسيلة لتبادل الخبرات، وتطوير المهارات، وفتح مسارات جديدة أمام البحث العلمي والتدريب، وتحويل المعرفة إلى مشاريع ونتاجات يمكن أن تترك أثرًا ملموسًا في المجتمع.
وتتحرك الجامعة لتحقيق رؤيتها ورسالتها عبر مجموعة من الأهداف التي تمثل خارطة طريق لتطوير أدائها، في مقدمتها تعزيز الشراكات الأكاديمية، وترسيخ برامج التنمية المستدامة ونظام الجودة الشاملة، وتفعيل منظومة البحث العلمي، والسعي للحصول على الاعتماد البرامجي للبرامج الدراسية، إلى جانب استدامة التحسين الشامل.
ستة مسارات لصناعة الإنسان والمعرفة
مع اتساع تجربتها وتطور بنيتها العلمية، أخذت خارطتها الأكاديمية تتشكل على نحو أكثر تنوعًا، لتضم ست كليات رئيسة تجمع بين الطب والعلوم الصحية والتقنيات الطبية والعلوم التربوية.
ففي قلب المنظومة الأكاديمية تقف كلية الطب، التي تتجه في رؤيتها التعليمية إلى إعداد طبيب يمتلك المعرفة العلمية والمهارات السريرية والقدرة على التعلم المستمر، مع اهتمام بالصحة العامة والبحث الطبي.
وتضم الكلية 11 فرعًا علميًا تغطي طيفًا واسعًا من العلوم الطبية الأساسية والسريرية، هي: الكيمياء والكيمياء الحياتية، الفسلجة والفيزياء الطبية، الأدوية، الأمراض والطب العدلي، الأحياء المجهرية، التشريح والأنسجة، طب الأسرة والمجتمع، الأطفال، النسائية والتوليد، الجراحة، والطب الباطني.
ولا تتوقف رحلة الطالب عند المحاضرة؛ إذ تمتد إلى المختبرات والتدريب والمحاكاة، حيث تضم الكلية مختبرات للتشريح، والمهارات السريرية، والحاسبات، والفيزياء، والأمراض، والأدوية، والفسلجة.
وتعكس التجهيزات طبيعة هذا التوجه العملي؛ ففي مختبر الفسلجة تتوافر عشرات محطات العمل الطلابية، إلى جانب أجهزة تخطيط القلب وقياس التنفس وأنظمة جمع البيانات الرقمية، فيما يضم مختبر الأمراض عشرات المجاهر الحديثة التي تتيح للطلبة ممارسة الفحص المجهري على نحوٍ عملي.
كما تستفيد العملية التعليمية من المنصات الرقمية، ومنها Moodle والمحافظ الإلكترونية E-Portfolio، لمتابعة تقدم الطلبة وتوثيق نتاجاتهم التعليمية وتطوير كفاءاتهم.
وفي عام 2026، دخلت الكلية مرحلة تحضيرية مكثفة لاستكمال متطلبات زيارة فريق المقيم الوطني NAT ضمن مسار الاعتماد الأكاديمي، بالتزامن مع تنظيم أول ملتقى لخريجيها في كانون الثاني من العام نفسه، في خطوة تعكس توجهها إلى بناء علاقة مستمرة مع خريجيها وعدم انتهاء العلاقة الجامعية بمجرد تسلم الشهادة.
ومنذ 2017، شكلت كلية طب الأسنان إحدى الركائز المبكرة لجامعة العميد، وهي تقدم برنامجًا أكاديميًا يمنح شهادة البكالوريوس في طب وجراحة الفم والوجه والفكين، ضمن دراسة تمتد خمس سنوات.
وتجمع الكلية بين التعليم النظري والتطبيق العملي، من خلال العيادات التعليمية والتدريبية والمختبرات المتخصصة التي تغطي مجالات متعددة، منها جراحة الفم والوجه والفكين، وصناعة الأسنان، وطب أسنان الأطفال والوقائي، وتقويم الأسنان، وحشوات وتجميل الأسنان، وأمراض ما حول الأسنان والتشخيص الفمي.
ويأخذ التدريب في الكلية مسارًا تدريجيًا يبدأ ببناء المعرفة والمهارة في البيئة المختبرية والمحاكاة، قبل الانتقال إلى الممارسة السريرية، بما يمنح الطالب فرصة لتطوير مهاراته خطوة بعد أخرى وصولًا إلى التعامل مع الحالات الواقعية.
وفي عام 2025، بدأت الكلية خطوات باتجاه استكمال متطلبات الاعتماد البرامجي وفق المعايير المعتمدة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في توجه يضع جودة البرنامج الأكاديمي في صميم عملية التطوير.
فيما تمثل كلية الصيدلة حلقة أخرى في المنظومة الطبية لجامعة العميد، من خلال برنامج دراسي يمتد خمس سنوات، يجمع بين العلوم الصيدلانية الأساسية والتطبيقات المختبرية والبحثية.
وتتنوع مجالات الدراسة والتدريب لتشمل الصيدلة الفيزيائية والتكنولوجية والحياتية والصناعية، وتصميم الأدوية، والتقنيات الحيوية الصيدلانية، إلى جانب المختبرات المتخصصة، ومنها مختبرات الصيدلة الصناعية والصيدلة التكنولوجية.
وتتسع وظيفة الكلية لتتجاوز إعداد الصيدلي لممارسة المهنة إلى بناء قاعدة معرفية يمكن أن تدعم البحث والتطوير في قطاع الدواء؛ فالصيدلة المعاصرة ترتبط بالتحليل الدوائي، والكيمياء الصيدلانية، والتصنيع، والتقنيات الحيوية، وتطوير المستحضرات.
ويظهر هذا البعد البحثي كذلك في النتاجات العلمية والأطروحات والدراسات المتخصصة المتاحة ضمن منظومة المكتبة الإلكترونية للجامعة، بما يعزز العلاقة بين التعليم والبحث العلمي.
وفي عامها الدراسي الأول 2017–2018، كانت كلية التمريض من التشكيلات الأكاديمية التي رافقت انطلاقة الجامعة، وجاء تأسيسها استجابة للحاجة إلى ملاكات تمريضية مؤهلة وقادرة على تقديم رعاية صحية تستند إلى المعرفة والممارسة المهنية.
وتضم الكلية سبعة فروع علمية هي: أساسيات التمريض، والعلوم الأساسية، وتمريض البالغين، وتمريض الأم والوليد، وتمريض الأطفال، وتمريض صحة المجتمع، وتمريض الصحة النفسية والعقلية.
فيما تضم كلية التقنيات الصحية والطبية حاليًا ثلاثة أقسام علمية هي: تقنيات عناية القلب، وتقنيات طب الطوارئ، وتقنيات التجميل والليزر.
وتسعى الكلية إلى الجمع بين المعرفة النظرية والتدريب العملي ضمن بيئة أكاديمية ومختبرية متخصصة، بما يهيئ الطلبة للتعامل مع تقنيات أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة الرعاية الصحية الحديثة.
فالعناية القلبية والطوارئ والتقنيات التجميلية والليزر تمثل مجالات تتطلب مهارات تطبيقية متخصصة، وهو ما يمنح الكلية دورًا في الاستجابة للتحولات التي يشهدها سوق العمل الصحي وتطور المهن الطبية المساندة.
وفي 2022، اتخذت جامعة العميد خطوة جديدة وسعت بها نطاقها الأكاديمي خارج المجال الطبي والصحي، من خلال افتتاح كلية التربية الأساسية للبنات بثلاثة أقسام علمية: اللغة العربية، واللغة الإنكليزية، ورياض الأطفال، ضمن برنامج دراسي يمتد أربع سنوات.
ويمثل افتتاح الكلية تحولًا مهمًا في مسار الجامعة، إذ دخلت للمرة الأولى بصورة واضحة إلى مجال إعداد الملاكات التربوية والتعليمية.
ولا تقتصر أهمية هذه الكلية على تخريج متخصصات في اللغة أو رياض الأطفال، فالمعلم والمربية جزء أساسي من عملية بناء الأجيال؛ ولذلك يرتبط الاستثمار في إعداد الملاكات التربوية ارتباطًا مباشرًا بمستقبل المدرسة والمجتمع.
البحث العلمي : من قاعات التعلّم إلى صناعة المعرفة
لا تنظر جامعة العميد إلى البحث العلمي بوصفه نشاطًا أكاديميًا موازيًا للتدريس، وإنما بوصفه أحد المرتكزات التي تقاس من خلالها حيوية الجامعة وقدرتها على الاستجابة لتحديات المجتمع والمستقبل.
وتضع الجامعة تفعيل منظومة البحث العلمي ضمن أهدافها الرئيسة، إلى جانب تعزيز الشراكات الأكاديمية، وترسيخ برامج التنمية المستدامة، وتطبيق نظام الجودة الشاملة، والسعي نحو الحصول على الاعتماد البرامجي لبرامجها الدراسية
وهي منظومة متكاملة تقوم على ربط الأستاذ والطالب والمختبر والمؤتمر والمجتمع في مسار واحد عنوانه: المعرفة التي لا تبقى على الورق، بل تتحول إلى أثر.
وتظهر حركة البحث العلمي في الجامعة من خلال ما تنظمه وتشارك فيه من مؤتمرات وندوات وورش علمية، فضلًا عن البحوث والدراسات والتعاون مع الجامعات والمؤسسات العلمية والبحثية.
وفي عام 2025، شاركت جامعة العميد في المؤتمر العلمي الأول للتنمية المستدامة بالتعاون مع جامعة كربلاء، في فعالية عكست اهتمام الجامعة بواحد من أبرز الملفات العالمية والمحلية المعاصرة.
وشهد المؤتمر تقديم 38 ورقة بحثية، قُبلت منها 31 ورقة علمية للمناقشة، بما يعكس حجم المشاركة العلمية ونوعية الاهتمام بالموضوعات المرتبطة بالتنمية المستدامة وتطبيقاتها.
ولم تكن المشاركة مجرد حضور في فعالية علمية، بل جاءت ضمن توجه أوسع نحو جعل الجامعة مساحة لتبادل الأفكار والخبرات، وربط البحث الأكاديمي بالقضايا التي تمس حياة الإنسان ومستقبل المجتمع.
وبحكم امتداد واسع من تشكيلات الجامعة في المجالات الطبية والصحية، يحتل البحث العلمي الطبي مساحة مهمة في نشاطها الأكاديمي، من خلال المؤتمرات المتخصصة والندوات والبحوث التي تتناول مختلف القضايا الطبية والصحية.
وتدرك جامعة العميد أن البحث العلمي المعاصر لم يعد نشاطًا يمكن أن يزدهر داخل حدود المؤسسة الواحدة، ولذلك ترتبط منظومتها البحثية بتوجه نحو الشراكات الأكاديمية والعلمية مع الجامعات والمؤسسات ذات العلاقة.
وتمنح هذه الشراكات الباحثين فرصًا أوسع لتبادل الخبرات، والوصول إلى مجالات بحثية جديدة، وتنفيذ مشروعات مشتركة، وتعزيز حضور النتاج العلمي في البيئة الأكاديمية والمجتمعية.
فالبحث الذي يبقى حبيس صفحات المجلات يؤدي وظيفة أكاديمية مهمة، لكن البحث الذي ينتقل من المختبر إلى المؤسسة، ومن الورقة العلمية إلى التطبيق، ومن الفكرة إلى الحل، يستطيع أن يصنع أثرًا أوسع.
مختبر العميد المركزي
المختبر المركزي للبحوث العلمية والاستشارية في جامعة العميد، يجمع بين الفحوصات التخصصية، والخدمات البحثية، والاستشارات العلمية، والتدريب، وتطوير مهارات الباحثين.
ويمثل المختبر حلقة وصل بين الجامعة ومحيطها العلمي والبحثي والخدمي، من خلال إتاحة إمكاناته للباحثين وطلبة الدراسات العليا والمؤسسات والجهات ذات العلاقة، وتوفير بيئة علمية قادرة على التعامل مع طيف واسع من الاختبارات والتحاليل في مجالات الكيمياء والصيدلة وطب الأسنان والتمريض والنانو تكنولوجي والبيئة والمياه والتربة والنفط والبتروكيميائيات.
وتتوزع خدمات المختبر على مجموعة واسعة من المجالات العلمية، تشمل الفحوصات الكيميائية والصيدلانية، وفحوصات طب الأسنان والتمريض، واختبارات النانو تكنولوجي، وفحوصات المياه والتربة والمركبات النفطية والبتروكيميائيات، فضلًا عن فحص واستخلاص النباتات الطبية والمشروعات المرتبطة بالتحريات البيئية.
كما يقدم المختبر خدمات فنية متخصصة تتصل بمعايرة وصيانة الأجهزة المختبرية، والاستشارات المتعلقة بالأثر البيئي، ودراسات الجدوى الاقتصادية، إلى جانب برامج التدريب وتطوير المهارات في استخدام الأجهزة الحديثة والبرامج الهندسية المتقدمة.
وتتسع مجالات العمل لتشمل أيضًا تنقية الخامات الدوائية، وتقييس المستحضرات الدوائية وفق الدساتير الطبية، ومحاكاة التجارب الكيميائية، وإعداد التركيبات الدوائية المستخلصة من النباتات الطبية، ودعم الفحوصات المرتبطة بالتوافر والتكافؤ الحيوي للأدوية.
وفي المجال البيئي والصناعي، يمكن للمختبر التعامل مع تشخيص المركبات الكيميائية في المشتقات النفطية، وتقدير المركبات الهيدروكربونية، والكشف عن المعادن الثقيلة في المياه ومياه الصرف والمياه الصناعية والآبار النفطية، فضلًا عن فحص المعادن في التربة.
ولا يقوم دور المختبر على إجراء الفحص وتسليم النتيجة فحسب، بل يمتد إلى الاستشارة العلمية والفنية ومساعدة الباحث في اختيار الأسلوب الأنسب للفحص وفهم النتائج وتوظيفها ضمن مشروعه البحثي.
ولهذا يركز (يؤكّد)المختبر على توفير أجهزة متخصصة وكوادر ذات خبرة، إلى جانب تنظيم دورات تدريبية تتناول طرق استخدام الأجهزة وإجراء الفحوصات وقراءة النتائج وتفسيرها.
تضع جامعة العميد الجودة والدقة والموثوقية في مقدمة أولويات المختبر، انطلاقًا من أن العمل المختبري لا يحتمل التهاون، وأن النتيجة العلمية لا تكتسب قيمتها إلا بقدر ما تتمتع به من دقة وقابلية للتحقق.
وفي هذا السياق، شهد المختبر تطورًا مهمًا في منظومة الاعتماد والجودة. ففي 1 أيار/مايو 2026، حصل المختبر المركزي للبحوث العلمية والاستشارية على شهادة الاعتماد الدولية ISO/IEC 17025:2017 من نظام الاعتماد العراقي IQAS التابع لوزارة التخطيط، في مجال اختبارات المواد الغذائية، بعد استيفاء المتطلبات الفنية والإدارية الخاصة بالمواصفة.
ويمثل هذا الاعتماد محطة مهمة في مسيرة المختبر؛ إذ يرتبط معيار ISO/IEC 17025 بكفاءة مختبرات الاختبار والمعايرة، بما يعزز الثقة في كفاءة الإجراءات الفنية ودقة النتائج وموثوقيتها.
ولم يأتِ الاعتماد بوصفه إجراءً إداريًا منفصلًا عن العمل المختبري، وإنما جاء، بحسب الجامعة، بعد جهود شملت تطوير البنية التحتية، وتعزيز أنظمة إدارة الجودة، وتطبيق ممارسات علمية وفنية تستند إلى المعايير الدولية.
كما يعزز الاعتماد قدرة المختبر على بناء علاقات أوسع مع المؤسسات الأكاديمية والبحثية والجهات الرسمية والقطاعين العام والخاص، ويمنح نتائج الفحوصات المعتمدة قيمة أكبر في المجالات التي تتطلب مستويات عالية من الدقة والكفاءة الفنية.
ولا يتوقف نشاط المختبر عند البحث والفحص؛ إذ يمثل التدريب وتطوير المهارات أحد مساراته المهمة.
فمن خلال الدورات المتخصصة، يمكن للباحثين والمتدربين معرفة طرق تشغيل الأجهزة، وأساليب الفحص، وآليات تحليل النتائج وتفسيرها، بما يسهم في بناء خبرات عملية تتجاوز المعرفة النظرية.
وتتجاوز أهمية المختبر المركزي حدود الجامعة، لأنه يعمل في مجالات تمس قطاعات متعددة: الغذاء، والدواء، والبيئة، والمياه، والتربة، والنفط، والصناعات البتروكيميائية، والبحوث الطبية والصيدلانية.
وهذا التنوع يمنحه فرصة ليكون حلقة وصل بين المعرفة الأكاديمية والاحتياجات العملية، عبر تقديم خدمات يمكن أن تسهم في اتخاذ قرارات أكثر دقة، ودعم المشاريع البحثية، وتطوير المنتجات والتطبيقات، ومساعدة المؤسسات في التعامل مع المشكلات الفنية والعلمية.
وتأتي شهادة ISO/IEC 17025:2017 في عام 2026 لتضيف محطة جديدة إلى هذا المسار، وتؤكد أهمية الانتقال من مجرد امتلاك الأجهزة والتقنيات إلى بناء منظومة متكاملة تضمن كفاءة الأداء وموثوقية النتائج.
عيادات بيارق العميد
تواصل عيادات بيارق العميد التعليمية تحقيق قفزات نوعية في مجال تقديم الرعاية الطبية المجانية لمختلف شرائح المجتمع، لتتحول من مجرد عيادات تعليمية إلى أحد أبرز المراكز الصحية والخدمية الشاملة في محافظة كربلاء المقدسة.
انطلقت مسيرة العيادات بالتزامن مع التوسع السريري لكلية طب الأسنان، التي تأسست عام 2017. ولم يقتصر دورها على الجانب الأكاديمي وتدريب مئات الطلبة من المرحلتين الرابعة والخامسة، بل امتد ليشمل تقديم خدمات صحية وإنسانية رائدة للمجتمع.
وفي محطة فارقة، طوّرت الجامعة منظومتها الصحية بإطلاق العيادات الإلكترونية الاستشارية في 31 آذار 2020، تزامناً مع جائحة كورونا، بهدف توفير الاستشارات الطبية الفورية للمواطنين عن بُعد، عبر توظيف النظم والتقنيات الرقمية.
وتتميز عيادات بيارق العميد بتقديم حزمة متكاملة من خدمات طب الفم والأسنان، تحت إشراف مباشر من نخبة من الأساتذة والأطباء الاختصاصيين. وتشمل خدماتها:
- - جراحة الفم والوجه والفكين: وتشمل قلع الأسنان والإجراءات والعمليات الجراحية.
- - صناعة وتعويض الأسنان: وتشمل الأطقم السنية والجسور الثابتة والمتحركة.
- - معالجة وترميم الأسنان: وتشمل الحشوات التجميلية ومعالجة جذور الأسنان.
- - طب أسنان الأطفال والطب الوقائي: ويشمل العناية الخاصة بصحة أسنان الأطفال والوقاية من أمراض الفم والأسنان.
- - أمراض وجراحة ما حول الأسنان: وتشمل تشخيص وعلاج أمراض اللثة والأنسجة المحيطة بالأسنان.
وتستقبل العيادات اليوم آلاف المراجعين سنوياً من داخل محافظة كربلاء وخارجها، حيث تقدم لهم خدمات الفحص والعلاج والتركيبات السنية مجاناً بالكامل. كما تضم البناية عشرات الوحدات الطبية (اللاينات) المجهزة بأحدث كراسي الأسنان والمعدات والأجهزة الطبية ذات المناشئ العالمية، بما يوفر بيئة علاجية آمنة، ويعزز الالتزام بأعلى معايير الجودة والرعاية الصحية.
وتجسد عيادات بيارق العميد اليوم إنموذجاً حياً للمؤسسات التعليمية التي توظف إمكاناتها العلمية والتكنولوجية في خدمة المجتمع، وتسهم في تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن العراقي، من خلال توفير رعاية صحية مجانية ومتخصصة وفق مستويات مهنية وأكاديمية متميزة.
من رفوف الكتب إلى بوابة ذكية للمعرفة
في جامعةٍ تتجه نحو المستقبل، لم تعد المكتبة مكانًا تُحفظ فيه الكتب وتُستعار منه المراجع، بل أصبحت بنية معرفية متكاملة تتقاطع فيها القراءة مع البحث العلمي، والمصادر الورقية مع التكنولوجيا، والكتاب مع قواعد البيانات والمنصات الرقمية.
تبرز المكتبة المركزية في جامعة العميد بوصفها مركزًا للإشعاع الفكري وداعمًا أساسيًا للعملية التعليمية والبحثية، تسعى إلى الانتقال من مفهوم المكتبة التقليدية إلى نموذج مركز المعرفة الأكاديمي الذكي؛ نموذج يجعل الوصول إلى المعلومة أسرع، والتواصل معها أوسع، والاستفادة منها أكثر فاعلية.
هي توفر مصادر ورقية محكمة، وكتبًا إلكترونية، ودوريات وأبحاثًا ورسائل وأطروحات، إلى جانب المنصات الرقمية التي تتيح للطلبة والتدريسيين والباحثين الوصول إلى مصادر معرفية متنوعة.
وبذلك تنتقل المكتبة من سياسة تقوم على توفير المصدر إلى سياسة أوسع تقوم على الوصول والتواصل؛ أي أن قيمة المكتبة لا تقاس بعدد الكتب الموجودة على رفوفها فقط، وإنما بقدرتها على إيصال المعلومة إلى الطالب والباحث في الوقت والمكان والطريقة المناسبة.
ولا تعيش مكتبة العميد بمعزل عن الحركة العلمية العالمية؛ إذ تستند إلى شبكة من الشراكات والتعاونات العلمية والمكتبية التي توسع آفاق المستفيدين.
وان التعاون مابين المكتبة ومنظمة الصحة العالمية (WHO) وبرنامج Research4Life، بما فيه برنامج HINARI، فضلًا عن اتفاقية مع جامعة شيفيلد البريطانية، وانضمامها إلى الفهرس العربي الموحد، إلى جانب تعاونها مع مكتبات الجامعات العراقية وارتباطها بمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة ، تمنحها وظيفة تتجاوز حدود الحرم الجامعي، لتصبح نافذة يطل من خلالها الباحث على مصادر ومعارف أوسع، وجسرًا يربط الجامعة بشبكة المكتبات والمؤسسات العلمية محليًا وعربيًا ودوليًا.
وتجمع المكتبة بين إرث الكتاب الورقي ومتطلبات العصر الرقمي؛ فهي تعمل على تحديث مجموعاتها المطبوعة بصورة مستمرة، بالتوازي مع توفير مصادر إلكترونية وقواعد معلومات ومنصات تعليمية.
وبحسب الإحصاءات الواردة في المادة، تضم المكتبة، ( 2,540) كتابًا ضمن مجموعتها ، و ( 4,834 ) كتابًا إلكترونيًا مفتوح الوصول (OA)، و( 3,627 ) رسالة وأطروحة ، و( 675 ) بحثًا .
وشهد عام 2025 خطوة باتجاه التحول إلى أنموذج المكتبة الأكاديمية الذكية، مع تدشين بوابة أمنية ذكية ضمن مشروع تطوير الخدمات المكتبية.
وفي 2026، واصلت المكتبة مسار الأتمتة من خلال إصدار دليل إرشادي لنظام إدارة المكتبات Koha، في خطوة تهدف إلى تطوير العمل المكتبي وتنظيم العمليات والخدمات إلكترونيًا.
وتعمل المكتبة من خلال هيكلية تخصصية تضم أربع شعب رئيسة هي: خدمات المستفيدين، والإجراءات الفنية، ونظم المعلومات، والتعليم المستمر.
وتتكامل هذه الشعب في دورة معرفية تبدأ من اختيار المصدر وتنظيمه وفهرسته، ثم إتاحته للمستفيد، وصولًا إلى تطوير مهارات التعامل مع المعلومات والتقنيات المكتبية الحديثة.
وتولي المكتبة اهتمامًا بتهيئة بيئة مناسبة للقراءة والبحث، من خلال توفير الهدوء ووسائل المطالعة والوصول إلى المعلومات، بما يجعلها فضاءً يستطيع فيه الطالب أن يقرأ، والباحث أن يتقصى، والتدريسي أن يطور معرفته.
كما تستهدف المكتبة تطوير ملاكاتها الوظيفية والإدارية عبر الدورات وورش العمل والندوات المتخصصة في علوم المكتبات والمعلومات وتقنيات العمل الحديثة.
ومن بين الأهداف المعلنة للمكتبة بناء منظومة مؤشرات لضمان جودة الخدمات المكتبية، بما يدعم توجه الجامعة نحو الحصول على الاعتمادية المحلية والوطنية والدولية.
تبدو قصة المكتبة المركزية في جامعة العميد، في جوهرها، قصة انتقال من مفهوم تقليدي إلى رؤية أكثر اتساعًا؛ رفوف تحفظ المعرفة، وقواعد بيانات تفتح أبوابها، وشراكات تعبر الحدود، وتكنولوجيا تعيد تصميم الخدمة، وبيئة علمية تجعل القراءة والبحث جزءًا من الحياة الجامعية.
ولهذا فإن مشروع المكتبة الذكية في جامعة العميد لا يتعلق باستبدال الورق بالشاشة، بل بتحويل المكتبة نفسها إلى منظومة حية؛ تجمع الكتاب والباحث والتقنية في مكان واحد، وتحوّل المعرفة من شيءٍ نحتفظ به إلى قوةٍ نصل إليها ونستخدمها ونبني بها المستقبل.
لا تنتهي رحلة التعلّم عند الشهادة
مركز التعليم المستمر في جامعة العميد ، يتولى تحويل المعرفة الأكاديمية إلى برامج تدريب وتأهيل وتطوير تستجيب لحاجات الأفراد والمؤسسات والمجتمع.
فالمركز لا ينظر إلى التدريب بوصفه نشاطًا إضافيًا، وإنما بوصفه امتدادًا طبيعيًا لرسالة الجامعة؛ إذ تعمل الجامعة، إلى جانب التعليم الأكاديمي والبحث العلمي، على توفير مساحات جديدة لاكتساب المهارات ومواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية ومتطلبات سوق العمل.
ولهذا ينظم المركز الدورات التدريبية، والندوات، وورش العمل، والمحاضرات، وبرامج التأهيل والتطوير، بالتعاون مع كليات الجامعة وأقسامها، وبما يتلاءم مع الاحتياجات العلمية والمهنية للمستفيدين.
ويمتد هذا الدور إلى خارج أسوار الجامعة، من خلال السعي إلى تقديم برامج تستجيب لحاجات المجتمع المحلي والمؤسسات، بما يساعد على رفع مستوى الأداء، وتعزيز القدرة التنافسية، ونشر ثقافة الابتكار والتعلم مدى الحياة.
ويتطلع المركز إلى أن يكون مؤسسة علمية رصينة في مجالات التدريب والتأهيل، قادرة على مواكبة روح التطور في مختلف الميادين، واستقطاب ملاكات تدريبية متخصصة وفق احتياجات المستفيدين.
وتتحول هذه الرؤية إلى رسالة عملية تقوم على توفير برامج متنوعة، لا تُبنى على نمط واحد، بل تتكيف مع طبيعة التخصص والفئة المستهدفة ومتطلبات العمل.
وفي عام 2026، نظم مركز التعليم المستمر ورشة متخصصة في تصميم البحث الطبي، قدمها أستاذ من جامعة ولاية ميشيغان الأمريكية، في نشاط يعكس توجه المركز إلى استضافة الخبرات الأكاديمية المتخصصة وفتح قنوات التواصل مع التجارب العلمية العالمية.
وفي 2025، شارك المركز في الملتقى الدولي الأول لمراكز التعليم المستمر في الجامعات العراقية، بما يعكس انفتاحه على التجارب المماثلة ورغبته في تطوير منظومة التعليم المستمر عبر تبادل الخبرات والأفكار.
وشهد عام 2024 تنظيم المركز الاختبارات الوطنية للغتين العربية والإنجليزية وعلوم الحاسوب، في نشاط يضع المركز في تماس مباشر مع منظومة تقييم المهارات والكفايات الأساسية.
ويرتكز عمل المركز على مجموعة من الأهداف التي تجعل التعلم المستمر ثقافة مؤسسية ومجتمعية، وفي مقدمتها نشر المعرفة وتطويرها، وتعزيز كفاءة الفرد وتمكينه من أداء أدواره المهنية والاجتماعية بصورة أفضل.
كما يسعى إلى مواكبة التطورات المتسارعة في العلوم والتكنولوجيا، وإتاحة المستجدات العلمية للمتعلمين والمتدربين، مع التأكيد على تكافؤ الفرص التعليمية أمام الراغبين في المشاركة ببرامجه.
ويعمل المركز كذلك على تهيئة بيئة تشجع على الابتكار وتلاقح الأفكار وتطوير البحث العلمي، إلى جانب دعم المؤسسات من خلال إكساب موظفيها المهارات اللازمة لتحسين الأداء وتطوير العمل.
ويولي المركز اهتمامًا ببناء شراكات مع المؤسسات المحلية، بهدف توفير فرص تدريب وبحوث علمية تستجيب للاحتياجات الفعلية، وتخلق حالة من التكامل بين الجامعة وسوق العمل والمجتمع.
الطالب.. قلب الجامعة وغايتها
وتتعامل الجامعة مع الطالب بوصفه شريكًا في صناعة التجربة الأكاديمية، لذلك لا تقتصر رعايته على الجانب العلمي، بل تمتد إلى الإرشاد الأكاديمي والنفسي، والأنشطة الطلابية، والتدريب العملي، والخدمات المكتبية، فضلًا عن توفير السكن الجامعي للطلبة القادمين من خارج المحافظة.
ومن بين ملامح الرعاية الطلابية، توفر جامعة العميد أقسامًا داخلية مخصصة للطالبات ضمن مجمعها الجامعي في كربلاء المقدسة، بما يتيح لطالبات المحافظات الأخرى فرصة مواصلة دراستهن في بيئة سكنية منظمة وقريبة من الحرم الجامعي.
ولا ينظر إلى السكن بوصفه مكانًا للإقامة فحسب، بل بوصفه امتدادًا للبيئة الجامعية؛ إذ يوفر للطالبات مقومات الحياة اليومية التي تساعدهن على التفرغ للدراسة، وتكوين علاقات اجتماعية إيجابية، والعيش في أجواء آمنة ومستقرة تعزز مسيرتهن الأكاديمية.
وتولي الجامعة أهمية واضحة للإرشاد الأكاديمي والنفسي، انطلاقًا من أن النجاح الجامعي لا يعتمد على التحصيل العلمي وحده، وإنما يحتاج كذلك إلى مساندة الطالب في مواجهة التحديات التي قد ترافق سنوات الدراسة.
وتتجسد هذه الرؤية في برامج التوجيه والإرشاد التي تساعد الطلبة على فهم متطلبات تخصصاتهم، وتنظيم مسيرتهم الدراسية، والتعامل مع الضغوط الأكاديمية، إلى جانب الاهتمام بالصحة النفسية وبناء الثقة والقدرة على اتخاذ القرار.
وفي كلية الطب، تتخذ هذه الرعاية مسارات أكثر تنوعًا، فتشمل الإرشاد الأكاديمي، والتوجيه النفسي، ودعم الصحة النفسية، والتعليم من الأقران، والمبادرات والأنشطة اللامنهجية، بما يخلق منظومة دعم تتجاوز حدود المنهج الدراسي.
وتكتمل التجربة الطلابية عبر الأنشطة الثقافية والعلمية والاجتماعية واللامنهجية، التي تمنح الطالب فرصة لاكتشاف قدراته خارج الإطار الأكاديمي، وتنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي والقيادة وتحمل المسؤولية.
فالتعليم الجامعي، في فلسفة جامعة العميد، لا ينتهي عند لحظة تسلّم الشهادة؛ بل يبدأ من خلالها فصل جديد في حياة الطالب، يكون فيه قادرًا على توظيف ما تعلمه من معرفة ومهارات وقيم في خدمة المجتمع وسوق العمل.
وهكذا تتحول الجامعة من مكان يتلقى فيه الطالب المعرفة إلى بيئة تصنع تجربته وشخصيته ومستقبله؛ بيئة تجمع العلم بالرعاية، والتخصص بالمهارة، والتحصيل بالوعي، لتجعل من الطالب محورًا حقيقيًا في مشروع الجامعة الأكاديمي والإنساني.
وفي كانون الثاني 2026 أقامت كلية الطب أول ملتقى لخريجيها، في خطوة تعكس انتقال الجامعة تدريجيًا من مرحلة بناء الطلبة إلى بناء شبكة خريجين مرتبطة بالمؤسسة.
الجودة والاعتماد
الجودة في جامعة العميد جزءٌ من مشروع مؤسسي يسعى إلى جعل التحسين المستمر أسلوبًا في العمل الأكاديمي والإداري والبحثي.
وتضع الجامعة الحصول على الاعتماد البرامجي لجميع برامجها الدراسية ضمن أهدافها، إلى جانب ترسيخ نظام الجودة الشاملة واستدامة التحسين، بما يعكس توجهًا نحو بناء منظومة تعليمية تقاس كفاءتها بمخرجاتها وقدرتها على التطور، لا بمجرد استيفائها للمتطلبات الرسمية.
ويظهر هذا التوجه في استعداد الكليات لخوض مراحل التقييم والاعتماد وفق المعايير الأكاديمية المعتمدة؛ إذ شهدت كلية الطب استعدادات مكثفة لاستقبال فريق المقيم الوطني، فيما تعمل كلية طب الأسنان على استكمال متطلبات الاعتماد البرامجي، بالتوازي مع تطوير البيئة التعليمية والمختبرية بما ينسجم مع معايير الجودة الحديثة.
وتكتسب هذه الخطوات أهميتها من كون الاعتماد لا ينظر إلى البرنامج الدراسي بوصفه مجموعة من المقررات فقط، وإنما يضع العملية التعليمية بأكملها تحت التقييم، بدءًا من أهداف البرنامج ومناهجه، مرورًا بكفاءة التدريسيين والبيئة التعليمية والمختبرات، وصولًا إلى مستوى الطلبة والخريجين وقدرتهم على تلبية احتياجات المجتمع وسوق العمل.
إن بناء جامعة ذات جودة حقيقية لا يتحقق بقرار إداري واحد، وإنما يبدأ من التفاصيل اليومية: قاعة دراسية أكثر كفاءة، مختبر أكثر أمانًا، منهج أكثر ارتباطًا بسوق العمل، بحث علمي أكثر تأثيرًا، خدمة طلابية أكثر استجابة، ونظام إداري أكثر دقة وشفافية.
فكلما أصبحت معايير الجودة جزءًا من طريقة التفكير والعمل، تحولت من متطلبات خارجية إلى ممارسة داخلية مستدامة.
القيمة الحقيقية لتجربة جامعة العميد هي الانتقال تدريجيًا من مفهوم «اجتياز التقييم» إلى «بناء ثقافة الجودة»؛ ثقافة تجعل التطوير المستمر جزءًا من هوية الجامعة، وتربط جودة التعليم بجودة البحث والخدمة المجتمعية والبيئة الجامعية.
الاستدامة.. تتجاوز أسوار الجامعة
الاستدامة في جامعة العميد لم تعد مفهومًا مرتبطًا بالبيئة والمساحات الخضراء فحسب، بل باتت جزءًا من رؤية أوسع تنظر إلى الجامعة بوصفها مؤسسة قادرة على التأثير في المجتمع، والمساهمة في معالجة تحديات الحاضر والاستعداد لمتطلبات المستقبل.
وتتقاطع هذه الرؤية مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، التي باتت تشكل إطارًا عالميًا لقياس أثر المؤسسات التعليمية في مجالات البيئة والتعليم والصحة والمجتمع والاقتصاد. وفي هذا السياق، حققت جامعة العميد عام 2024 حضورًا في تصنيف Times Higher Education Impact Rankings، من خلال تحقيق مؤشرات في 4 أهداف من أصل 17 هدفًا للتنمية المستدامة.
ولا تتوقف الاستدامة عند حدود التصنيفات والمؤشرات؛ إذ تسعى الجامعة إلى تحويلها إلى ممارسات ملموسة داخل الحرم الجامعي. ففي آذار/مارس 2025 أطلقت حملة للتشجير في أروقتها، في خطوة تجمع بين تعزيز المساحات الخضراء وترسيخ الوعي البيئي لدى المجتمع الجامعي.
فالجامعة المستدامة لا تكتفي بتدريس مفاهيم البيئة والتنمية، وإنما تحاول أن تجعل الحرم الجامعي نفسه مساحة لتجسيد هذه المفاهيم؛ من خلال السلوك البيئي، وترشيد استخدام الموارد، وتشجيع المبادرات التي تجعل الطالب جزءًا من الحل وليس مجرد متلقٍ للمعلومة.
وفي الجانب العلمي، حضرت الاستدامة في المؤتمرات والفعاليات الأكاديمية التي تناقش دور الجامعات في مواجهة التحديات المعاصرة، بما يؤكد أن الجامعة تنظر إلى التنمية المستدامة بوصفها قضية بحثية ومجتمعية تحتاج إلى المعرفة والابتكار والشراكة.
ويأتي تنظيم المؤتمرات العلمية المتخصصة ليمنح الباحثين والأكاديميين مساحة لطرح الأفكار والدراسات والحلول، وربط المعرفة الأكاديمية بالمشكلات الواقعية التي تواجه المجتمع.
وفي عام 2026 يتواصل هذا التوجه من خلال المؤتمر السنوي الثاني للتنمية المستدامة بالتعاون مع جامعة كربلاء، بما يعكس انتقال الاستدامة من مبادرات متفرقة إلى مسار أكاديمي أكثر انتظامًا، يقوم على البحث العلمي وتبادل الخبرات وبناء الشراكات.
التصنيفات أرقام قابلة للقياس
بدأت جامعة العميد في السنوات الأخيرة تحصد حضورًا متقدمًا في عدد من التصنيفات المحلية والعربية والدولية، لتتحول مسيرتها الأكاديمية إلى أرقام تعكس جانبًا من التطور الذي تشهده المؤسسة في مجالات متعددة.
ففي التصنيف العراقي للجامعات لعام 2025، حققت جامعة العميد المرتبة الرابعة بين الجامعات الأهلية العراقية، بعد حصولها على درجة 44.54، ضمن تقييم شمل 103 مؤسسات تعليمية حكومية وأهلية.
ولم يعتمد التقييم على معيار واحد، بل استند إلى تسعة محاور رئيسة شملت الاعتماد المؤسسي، والبحث العلمي، والتصنيفات العالمية، والتنمية المستدامة، فضلًا عن الصحة والسلامة والأنشطة وغيرها من المؤشرات التي تحاول تقديم صورة أكثر شمولًا عن أداء الجامعة.
وعلى المستوى العربي، جاءت جامعة العميد في المرتبة الثالثة بين الجامعات الأهلية العراقية في التصنيف العربي للجامعات لعام 2025، كما حلت في المرتبة العاشرة بين الجامعات الحكومية والأهلية في العراق، إلى جانب دخولها قائمة أفضل 100 جامعة عربية.
وفي حزيران/يونيو 2026، أعلنت الجامعة تحقيقها المرتبة الأولى بين الجامعات الأهلية العراقية في تصنيف RUR العالمي، وهو تصنيف ينظر إلى مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالتعليم والبحث العلمي والانفتاح الدولي والاستدامة المالية.
إنّ أهمية التصنيفات تكمن في أنها تقدم مرآة خارجية للأداء؛ تكشف نقاط القوة، وتساعد على تحديد مواطن التحسين، وتمنح المؤسسة فرصة لمتابعة تطورها عامًا بعد آخر.
وهكذا، تصبح الأرقام أكثر من مجرد مراكز وترتيبات؛ إنها لغة أخرى لقراءة رحلة الجامعة، وكلما ارتفع الرقم أو تحسن المركز، تزداد معه مسؤولية المؤسسة في الحفاظ على الإنجاز وتحويله إلى جودة مستدامة وأثر علمي ومجتمعي حقيقي.
الإدارة والبنية التحتية : منظومة متكاملة
لا تُبنى الجامعة الحديثة بالمناهج والقاعات وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة إدارية وتنظيمية متماسكة تدير تفاصيل الحياة الأكاديمية، وتربط بين الطالب والتدريسي والكلية والبحث العلمي والخدمات المساندة.
وفي جامعة العميد، تتشكل هذه المنظومة من مجموعة واسعة من الوحدات والأقسام التي تعمل بصورة متكاملة لتوفير بيئة تعليمية قادرة على مواكبة نمو المؤسسة وتوسع أهدافها.
تضم المنظومة الإدارية مفاصل متعددة تتولى شؤون الطلبة والتسجيل، والجودة والأداء الجامعي، والتعليم المستمر، والمكتبة، والأقسام الداخلية، والنشاطات، وغيرها من الوحدات التي تمثل الذراع التنفيذي للعمل الجامعي.
وتكشف الاجتماعات الدورية لمجلس الجامعة عن طبيعة الملفات التي تتعامل معها الإدارة، والتي تمتد من الشؤون الأكاديمية والعلمية إلى القضايا الإدارية والمالية وشؤون الطلبة والكليات والأقسام، بما يعكس انتقال الجامعة من مرحلة التأسيس إلى نموذج مؤسسي أكثر اتساعًا وتعقيدًا يحتاج إلى إدارة قادرة على التخطيط والمتابعة والتقييم.
وفي قلب هذه المنظومة يقف الطالب؛ فالتجربة الجامعية في جامعة العميد لا تختصر بمحاضرة يحضرها وامتحان يؤديه، وإنما تتشكل من حلقات مترابطة تشمل المختبر، والمكتبة، والسكن الجامعي، والإرشاد، والأنشطة الطلابية، والتعليم الإلكتروني، والتدريب، والبحث العلمي.
وهذا التكامل يمنح العملية التعليمية بعدًا أكثر شمولًا؛ إذ يصبح الطالب مشاركًا في بيئة معرفية متكاملة، لا مجرد متلقٍ للمعلومات داخل قاعة الدرس.
وتبرز المختبرات التعليمية بوصفها أحد أهم ملامح الاستثمار في الجانب التطبيقي. ففي كلية الطب تتوزع المختبرات بين التشريح، والمهارات السريرية، والفسلجة، والأمراض، والأدوية، والفيزياء، والحاسبات، بما يوفر للطالب مساحات متعددة للانتقال من المفهوم النظري إلى الممارسة العملية.
أما كلية طب الأسنان، فتضم مختبرات متنوعة تخدم تخصصات التشريح وجراحة الفم وتقويم الأسنان وغيرها، بما يتيح للطلبة بناء المهارات بصورة تدريجية قبل الانتقال إلى المراحل السريرية المتقدمة.
ولا تنفصل البيئة المختبرية عن التحول الرقمي؛ ففي مختبر الحاسبات المشترك بين كليات الطب وطب الأسنان والتمريض، تتوافر 50 حاسبة وسبورة ذكية، مع قدرة استيعابية تصل إلى 50 طالبًا.
جامعة العميد في الأربعينية
تُرسخ جامعة العميد، التابعة لهيأة التربية والتعليم العالي في العتبة العباسية المقدسة، مفهوم "الجامعة في خدمة المجتمع" بصورة جلية وميدانية خلال زيارة الأربعين المليونية. إذ تحولت الصروح الأكاديمية للجامعة إلى خلايا نحل بشرية تستنفر طاقاتها اللوجستية، والطبية، والخدمية لتأمين سبل الراحة والسلامة لجموع الزائرين القاصدين صوب قبلة الأحرار.
تمثل مجموعة مواكب أم البنين (عليها السلام) لخدمات الزائرين الواقع في الحرم الجامعي على طريق (يا حسين - نجف كربلاء) الركيزة الأساسية للخطة الخدمية. حيث يُقدم المجمع خدمات متكاملة على مدار الساعة تشمل، تقدم خدمات الرعاية الصحية، والعلاجات، والإسعافات الأولية الطارئة لـأكثر من 100 ألف زائر خلال أيام الزيارة ، تجهيز مطبخ مركزي ونصب سرادقات كبرى لتقديم آلاف وجبات الطعام يومياً وتوفير مساحات مكيّفة لاستراحة الزائرين ومبيتهم.
واستكمالاً لخطتها الاستراتيجية، افتتحت الجامعة موكبها الخدمي الجديد في مجمع الإبراهيمية (المبنى الجديد للجامعة) الواقع على طريق (بابل–كربلاء) مقابل العمود (171). ويسهم هذا الموقع الجديد في استيعاب زخم الزائرين الوافدين من المحافظات الجنوبية عبر تقديم وجبات الإفطار والغداء والعشاء والمياه المبردة بانتظام.
وبإشراف مباشر من رئاسة الجامعة، يبرز الدور الاستثنائي لـفريق كشافة الجامعة وطلبة الكليات الطبية (الطب، طب الأسنان، الصيدلة، التمريض) الذين يتطوعون سنوياً للمشاركة في إدارة المفارز الطبية، وتقديم الإسعافات الأولية، وإرشاد الزائرين التائهين، مجسدين قيم التكافل الاجتماعي والعطاء الإنساني.
تثبت جامعة العميد عبر هذه الجهود السنوية المنظمة أن دور المؤسسات التعليمية الرصينة لا ينتهي عند أسوار القاعات الدراسية، بل يمتد ليكون شريكاً أساسياً في إنجاح كبرى التظاهرات الدينية والإنسانية في العالم.
البناية الجديدة
تسير العتبة العباسية المقدسة بخطى ثابتة نحو الإسهام في صياغة مستقبل التعليم العالي في العراق، إذ يواصل قسم المشاريع الهندسية والفنية وتيرة عمله المتصاعدة لإنجاز مجمع جامعة العميد الجديد، الذي يمثل نقلة نوعية في البنية التحتية التعليمية في محافظة كربلاء المقدسة، وقد صُمم وفقاً لأعلى المواصفات والمعايير العالمية، وبما يتوافق مع متطلبات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
يقع المجمع الجديد في منطقة الإبراهيمية، على طريق حلة – كربلاء، مقابل العمود (171)، ويتميز بمساحته الواسعة وطاقة استيعابه الكبيرة، بما يؤهله ليكون صرحاً تعليمياً متكاملاً يواكب التوسع المستقبلي للجامعة.
وشُيّد المشروع على أرض تزيد مساحتها على (40) دونماً، ويضم مجموعة متكاملة من الأبنية الحديثة، التي وُزعت وفق رؤية هندسية مدروسة تضمن سهولة الحركة والتكامل بين مرافق المجمع.
ويشتمل المشروع على (7) بنايات مخصصة للكليات، تضم كليات الطب البشري، وطب الأسنان، والتمريض، إلى جانب كليات أخرى.
كما يضم المجمع بناية مخصصة لرئاسة الجامعة، وبناية كبيرة للمكتبة المركزية، فضلاً عن مجموعة من المختبرات العلمية المتطورة، إلى جانب المختبر المركزي العام، بما يوفر بيئة تعليمية وبحثية متقدمة تدعم المسيرة الأكاديمية للجامعة.
ولم تقتصر مكونات المشروع على الأبنية التعليمية، بل خُصصت مساحات واسعة للحدائق والمناطق الخضراء والأماكن الترفيهية والملاعب، بما يسهم في توفير بيئة جامعية متكاملة تراعي الجوانب العلمية والنفسية والاجتماعية للطلبة.
ومن المؤمل أن يشكل هذا المجمع أيقونة علمية ومعمارية متميزة في محافظة كربلاء المقدسة، وأن يسهم في استيعاب التوسع المتزايد في أعداد الطلبة المقبولين في كليات المجموعة الطبية والعلوم الإنسانية، فضلاً عن تعزيز البنية التحتية للجامعة ودعم مسيرتها نحو ترسيخ معايير الرصانة الأكاديمية والتميز العلمي.
2030 موعدٌ مع المستقبل
تضع الجامعة عام 2030 بوصفه محطة طموحة في مسيرتها، معلنة هدفًا يتمثل في أن تكون أنموذجاً في القيادة والتميز في التعليم العالي على المستوى الوطني العراقي.
وهو هدف لا يتعلق بترتيب أو لقب فحسب، وإنما يمثل اختبارًا لقدرة المؤسسة على تحويل خبرتها المتراكمة خلال أعوامها الماضية إلى منظومة أكاديمية أكثر نضجًا وتأثيرًا.
وتتجه الخطة المستقبلية إلى تعزيز الشراكات الأكاديمية والبحثية، وترسيخ برامج التنمية المستدامة ونظام الجودة الشاملة، وتفعيل منظومة البحث العلمي، إلى جانب السعي للحصول على الاعتماد البرامجي لجميع البرامج الدراسية واستدامة التحسين الشامل.
وهنا تتغير طبيعة الأسئلة التي تواجه الجامعة؛ فلم يعد التحدي الأساسي هو: كم كلية يمكن افتتاحها؟ أو كم برنامج يمكن إضافته؟ بل كيف يمكن رفع جودة ما هو قائم وتحويله إلى برامج أكاديمية ذات حضور وتأثير؟
ويمثل الاعتماد البرامجي أحد أبرز الملفات التي ستحدد ملامح المرحلة القادمة.
فالاعتماد لا يختبر وجود البرنامج الدراسي فحسب، بل يضع عناصر العملية التعليمية أمام معايير دقيقة تتعلق بالمناهج، والتدريسيين، والبيئة التعليمية، والمختبرات، والطلبة، ومخرجات التعلم والتحسين المستمر.
ومن ثم، فإن الوصول إلى الاعتماد لجميع البرامج يعني انتقال الجامعة إلى مرحلة يصبح فيها التقييم المستمر والتحسين المؤسسي جزءًا من الممارسة اليومية.
ولا يقل البحث العلمي أهمية عن ملف الجودة؛ إذ تسعى الجامعة إلى تفعيل منظومتها البحثية وتعزيز الشراكات العلمية، بما يجعل البحث أكثر ارتباطًا بحاجات المجتمع وأقل اكتفاءً بمجرد النشر.
والسؤال الذي ستفرضه المرحلة المقبلة سيكون أكثر عمقًا: كم ينتج الباحث من بحث؟ بل: ما الذي يضيفه هذا البحث؟ وهل يتحول إلى ابتكار أو حل لمشكلة أو خدمة صحية أو تقنية أو معرفية يمكن أن تترك أثرًا حقيقيًا؟
وبالتوازي مع ذلك، تبرز المختبرات بوصفها مساحة يمكن أن تنتقل فيها الجامعة من التعليم التطبيقي إلى الابتكار والبحث العلمي المنتج.
فالمختبر لا ينبغي أن يكون مكانًا لإجراء التجارب المقررة فقط، بل يمكن أن يتحول إلى منصة لتطوير الأفكار، واختبار الحلول، ودعم مشاريع الطلبة والباحثين، وبناء شراكات مع المؤسسات الصحية والصناعية والبحثية.
أما الانفتاح على المؤسسات والجامعات، فيمثل مسارًا آخر في معادلة 2030؛ فالشراكات العلمية تتيح تبادل الخبرات، والمشاريع البحثية المشتركة، وبرامج التدريب، وتوسيع فرص الطلبة والباحثين، وربط الجامعة بشبكات المعرفة خارج حدودها.
وبذلك، لا يصبح الحضور العالمي هدفًا شكليًا، وإنما نتيجة طبيعية لجامعة تمتلك برامج قوية، وبحثًا مؤثرًا، وشراكات فاعلة، ونظام جودة مستدامًا.
ويبقى عام 2030، في نهاية المطاف، موعدًا مع الاستحقاق أكثر من كونه موعدًا مع الاحتفال.
فالأعوام المقبلة ستختبر قدرة جامعة العميد على تحويل الرؤية إلى نتائج، والخطط إلى برامج، والإمكانات إلى إنجازات قابلة للقياس.
والتحدي الحقيقي لن يكون في النمو العددي وحده، بل في نوعية هذا النمو:كيف تتحول الكليات إلى برامج معتمدة؟ ، كيف يصبح البحث العلمي أكثر تأثيرًا؟ ، كيف تتحول المختبرات إلى منصات للابتكار؟ ، كيف تتسع الشراكات العلمية خارج الحدود؟ ، وكيف يصبح التحسين المستمر ثقافة راسخة لا مشروعًا مؤقتًا؟
من هنا، لا يبدو 2030 خط النهاية، بل بداية مرحلة جديدة؛ مرحلة يُقاس فيها نجاح الجامعة ليس بما أصبحت عليه فقط، وإنما بقدرتها على أن تكون أفضل وأكثر تأثيرًا مما كانت عليه بالأمس، وأكثر استعدادًا لما يحتاجه العراق في الغد.
ثمانية أعوام صنعت الأساس
ثمانية أعوام فقط تفصل جامعة العميد عن لحظة التأسيس في 19 أيلول 2017، لكنها كانت كافية لتحويل الفكرة الأولى إلى منظومة أكاديمية تتسع اليوم لست كليات، وتجمع بين التخصصات الطبية والصحية والتربوية، وتستند إلى مختبرات تخصصية، ومكتبة تتجه نحو التحول الذكي، ومركز للتعليم المستمر، وبرامج للبحث العلمي والتنمية المستدامة، وحضور متنامٍ في التصنيفات المحلية والعربية والدولية.
خلف كل كلية يقف مشروع أكاديمي هدفه إعداد الإنسان قبل إعداد الخريج، وخلف كل مختبر مهارة يجري بناؤها بالتجربة والممارسة، وخلف كل بحث علمي محاولة لفهم مشكلة أو إنتاج معرفة يمكن أن تجد طريقها إلى التطبيق ، وحتى التصنيفات، على الرغم من أهميتها بوصفها مؤشرات خارجية، تبقى جزءًا من الصورة لا الصورة كلها
منذ انطلاقتها، قطعت جامعة العميد مسافة واضحة في بناء بنيتها الأكاديمية والإدارية والعلمية. إلا أن المرحلة المقبلة تبدو أكثر ارتباطًا بترسيخ ما تحقق وتطويره.
وهنا تصبح ملفات الاعتماد الأكاديمي، والبحث العلمي، والتنمية المستدامة، والتحول الرقمي، والشراكات، وخدمة المجتمع، ليست عنوانات منفصلة، وإنما حلقات في مشروع واحد عنوانه التميز المؤسسي.
لقد بدأت الحكاية في 19 أيلول 2017 بمشروع أكاديمي شاب، ثم أخذت تتسع عامًا بعد آخر. واليوم، تقف جامعة العميد أمام مرحلة أكثر طموحًا، يكون فيها الرهان الحقيقي ليس على سرعة النمو، وإنما على عمق التجربة واستدامتها.