في تلك اللحظة الحرجة، لم تكن كربلاء مجرد محطة وصول للنازحين، بل تحوّلت إلى مركز استجابة إنسانية واسع، إذ برز دور العتبة العباسية المقدسة بوصفه أنموذجاً مختلفًا في إدارة الأزمات، لم يتعامل مع النزوح كحالة طارئة، بوصفه حالة طارئة، بل حياة متكاملة تحتاج إلى منظومة مستمرة من الإغاثة والدعم.
وتشير البيانات إلى أنّ العتبة تكفلت برعاية أكثر من 25 ألف عائلة نازحة في محور كربلاء والمناطق المحيطة، ضمن واحدة من أوسع عمليات الإيواء والدعم الإنساني التي شهدها العراق خلال سنوات الحرب.
مواقف المرجعية الدينية في دعم مواجهة داعش وإغاثة النازحين
أكدت المرجعية الدينية، عبر وكيلها سماحة السيد أحمد الصافي على ، أهمية الوقوف بحزم في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، ودعم الجهود الرامية إلى تحرير الأراضي العراقية وحماية المواطنين وصون وحدة البلاد وأمنها.
وشددت هذه المواقف على أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تشمل أيضاً المسؤولية الإنسانية والأخلاقية تجاه العوائل التي اضطرت إلى ترك مناطقها بسبب العمليات الإرهابية. وفي هذا السياق، برزت أهمية إيواء النازحين وتوفير المستلزمات الأساسية لهم، وتقديم الدعم والرعاية للعوائل المتضررة، والعمل على تخفيف معاناتها في الظروف الصعبة التي مرت بها.
كما جرى التأكيد على ضرورة إرسال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، وتأمين الغذاء والدواء والاحتياجات الضرورية للنازحين والعوائل المحتاجة، بما يعكس روح التكافل والتضامن بين أبناء المجتمع العراقي.
وقد أسهمت هذه التوجيهات والمواقف في تعزيز الجهد المجتمعي والإنساني إلى جانب الجهد الأمني والعسكري، وأكدت أن استعادة الأرض من الإرهاب ينبغي أن تترافق مع حماية الإنسان، وإغاثة المتضررين، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين إلى مناطقهم بكرامة وأمان.
وتبقى هذه المواقف شاهداً على أهمية الدور الديني والإنساني في الأزمات الوطنية، وعلى ضرورة تضافر جهود الدولة والمؤسسات والمجتمع لمواجهة الإرهاب، وإغاثة المتضررين، وإعادة الاستقرار والإعمار إلى المناطق التي عانت من آثار العنف والإرهاب.
تحرير الأرض.. واستعادة المدن (2014–2017)
لم تكن معركة العراق مع عصابات داعش مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل حربًا شاملة امتدت من المدن المحتلة إلى عمق الجغرافيا العراقية، إذ تشكلت على الأرض استجابة دفاعية كان من أبرزها تأسيس فرقة العباس (عليه السلام) القتالية التي جاءت تلبية لفتوى الدفاع المقدس التي أعلنتها مرجعية سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (أدام الله ظلّه الوارف) في13 حزيران/ يونيو 2014، للدفاع عن العراق والعراقيين عقب سيطرة عصابات داعش على مساحات واسعة من شمال العراق وغربه وسقوط مدينة الموصل.
وانخرطت فرقة العباس (عليه السلام) القتالية منذ السنوات الأولى للأزمة في مسار الدفاع والتحرير، ضمن سياق تعبوي وإنساني متداخل هدفه حماية المدن وإعادة الاستقرار إليها، منذ عام 2014 وحتى إعلان النصر عام 2017، شاركت الفرقة في عمليات عسكرية واسعة ضمن قواطع متعددة، امتدت من محور كربلاء وديالى وصلاح الدين والأنبار وصولًا إلى أطراف الموصل، ضمن منظومة العمليات التي قادتها القوات الأمنية العراقية والحشد الشعبي.
وخلال هذه السنوات، كانت الفرقة حاضرة في معارك استعادة المدن والقرى، والإسناد في خطوط التماس، وتأمين محاور الإمداد، في حرب استنزاف طويلة ضد تنظيم داعش.
وقد أسهمت هذه المشاركة في استعادة مساحات واسعة من الأراضي العراقية التي كانت تحت سيطرة التنظيم، ضمن سياق العمليات الكبرى التي شملت تحرير مدن استراتيجية مثل الفلوجة والرمادي وتكريت والموصل ومناطق واسعة من سهل نينوى وغرب الأنبار، إذ كانت الفرقة جزءًا من الجهد القتالي العام الذي أنهى وجود التنظيم عسكريًا داخل البلاد.
وعلى امتداد سنوات القتال، قدّمت الفرقة عددًا من الشهداء والجرحى خلال المواجهات المباشرة وعمليات الإسناد، في سياق تضحيات امتزج فيها البعد العسكري بالبعد العقائدي والإنساني، إذ كانت المعركة تُخاض على أكثر من مستوى، دفاعًا عن الأرض والسكان معًا.
أمّا على المستوى اللوجستي والتمويلي، فقد اعتمدت الفرقة في تمويل عملياتها وتجهيزاتها على الدعم الذاتي والمجتمعي والإسناد اللوجستي المرتبط بالجهات الداعمة، وقد شمل الإنفاق تجهيزات عسكرية وميدانية، ونقل وإمداد، وخدمات إسناد قتالي وطبي، في ظروف حرب استنزفت موارد الدولة والمجتمع على حدٍّ سواء، من دون أن تُعلن أرقام مالية دقيقة رسمية موحدة لهذا الملف نظرًا لطبيعة العمليات العسكرية وظروفها.
ومع انتهاء المعارك الكبرى عام 2017، تحوّلت تجربة فرقة العباس (عليه السلام) القتالية من حالة اشتباك عسكري مباشر إلى دور أكثر استقرارًا في الإسناد وحفظ الأمن والمشاركة في الواجبات الميدانية المرتبطة بحماية الزائرين والمناسبات الكبرى، لتبقى واحدة من التشكيلات التي ارتبط اسمها بمرحلة مفصلية من تاريخ العراق الحديث، حين كان مصير المدن يُحسم على خطوط النار.
من الإيواء إلى إدارة الحياة
لم يكن التحدي في تلك المرحلة مجرد فتح أماكن إيواء أو إنشاء مخيمات طارئة، بل في إدارة حياة كاملة لعشرات الآلاف من العائلات التي فقدت كل مقوماتها المعيشية دفعة واحدة، من المنزل والعمل إلى الاستقرار والأمان.
فقد تحولت أزمة النزوح إلى حالة إنسانية ممتدة تتطلب استجابة تتجاوز الإغاثة اللحظية نحو بناء منظومة دعم يومية قادرة على التعامل مع احتياجات معقدة ومتغيرة باستمرار.
ولهذا شملت منظومة الدعم توفير المأوى الآمن، والغذاء، والدواء، والاحتياجات المعيشية الأساسية بصورة منتظمة ودورية، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار الإنساني في بيئة فقدت فيها العائلات مصادر دخلها ومنازلها، وأصبحت فيها أبسط تفاصيل الحياة تحديًا يوميًّا. ولم تكن هذه الخدمات تُقدَّم بشكل موسمي أو مؤقت، بل ضمن سلسلة إمداد مستمرة تراعي اتساع رقعة النزوح وتفاوت احتياجات الأسر.
وفي محور الغذاء، جرى تنظيم توزيع سلال غذائية على نحو منتظم تغطي الاحتياجات اليومية الأساسية، مع مراعاة تنوع المواد الغذائية لضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي للعائلات المستفيدة.
كما شمل الدعم توفير المستلزمات الصحية والأدوية، خصوصًا للعائلات التي انقطعت بشكل كامل عن الخدمات الطبية في مناطقها الأصلية، أو تلك التي تعاني من أوضاع صحية حرجة تتطلب متابعة مستمرة.
كما أولت البرامج الإنسانية اهتمامًا خاصًّا بالأطفال، باعتبارهم الفئة الأكثر تأثّرًا بظروف النزوح، حيث تم توفير كميات من الحليب المخصص للأطفال الرضع وحديثي الولادة، إلى جانب الاحتياجات الأساسية المرتبطة بالرعاية اليومية، في وقت كانت فيه كثير من العائلات تواجه صعوبة حتى في تأمين الغذاء الأساسي، ما جعل هذا الدعم عنصرًا حاسمًا في حماية الفئات الأضعف داخل مخيمات النزوح ومناطق الاستضافة.
شتاء النزوح.. معركة البرد قبل الجوع
مع حلول فصل الشتاء، برزت طبقة جديدة من التحديات أمام العائلات النازحة، تمثلت في الانخفاض الحاد بدرجات الحرارة داخل المخيمات ومواقع السكن المؤقت، إذ تتحول الخيام والمساكن البسيطة إلى بيئة قاسية لا توفّر الحد الأدنى من الحماية من البرد، لا سيّما للأطفال وكبار السن والمرضى.
ومع غياب البنى التحتية الأساسية ووسائل التدفئة المستقرة، أصبح الشتاء نفسه جزءًا من معاناة النزوح اليومية، لا مجرد ظرف مناخي عابر.
وفي مواجهة هذا الواقع، جاءت الاستجابة عَبرَ توفير وقود التدفئة لأكثر من 5,000 عائلة نازحة، في خطوة هدفت إلى تقليل آثار البرد القارس ومنع تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل المخيمات ومناطق الاستضافة.
وقد مثّل هذا التدخل عنصرًا حاسمًا في حماية الفئات الأكثر هشاشة، إذ ساهم في تأمين الحد الأدنى من الدفء الذي يفصل بين القدرة على الصمود وتدهور الحالة الصحية.
ولم يكن هذا الإجراء مجرد خدمة إغاثية إضافية، بل جزءًا من إدارة يومية لأزمة ممتدة، تتطلب متابعة مستمرة للاحتياجات الأساسية للعائلات النازحة، والتعامل مع تفاصيل الحياة الصغيرة التي تتحوّل في ظروف النزوح إلى قضايا مصيرية.
وهكذا أصبح توفير التدفئة، شأنه شأن الغذاء والدواء، وجزءًا من منظومة إنسانية شاملة تُدار على مدار الوقت، هدفها الأساسي الحفاظ على الحياة ومنع انهيارها في أصعب الظروف.
شبكة إمداد غذائي لا تتوقف
على المستوى اللوجستي، لم تكن الاستجابة مجرد توزيع مواد غذائية، بل عملية إمداد واسعة كشفت حجم تنظيم دقيق لشبكة دعم إنساني تعمل تحت ضغط أزمة ممتدة.
فقد جرى توزيع 65 طنًّا من الدجاج ضمن السلال الغذائية المخصصة للعائلات النازحة، إلى جانب مئات الآلاف من السلال الغذائية التي وُزّعت بشكل دوري ومنتظم لتغطية الاحتياجات الأساسية في مختلف مواقع الإيواء.
هذه الكميات الكبيرة لم تكن مجرد أرقام إغاثية، بل تعبيرًا عن منظومة تشغيل متكاملة تبدأ من تأمين المواد الغذائية من مصادرها، مرورًا بعمليات النقل والخزن والتبريد، وصولًا إلى مراحل الفرز والتوزيع على العائلات المستفيدة على وَفقِ آليات منظمة تراعي كثافة النزوح وتعدد أماكن التجمع.
وكان الحفاظ على استمرارية الإمدادات يمثل تحديًا بحد ذاته، في ظلّ اتساع نطاق الأزمة وتغير احتياجات العائلات بشكل يومي.
ولذلك لم تكن هذه العمليات عشوائية أو موسمية، بل اعتمدت على سلسلة إمداد تعمل على نحو يومي، تضمن تدفق المواد الغذائية من دون انقطاع، وتمنع حدوث فجوات في الأمن الغذائي داخل المخيمات ومناطق الاستضافة.
ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الشبكة إلى واحدة من أبرز مظاهر الاستجابة الإنسانية المنظمة خلال تلك المرحلة، إذ امتزج العمل اللوجستي بالإغاثي في إطار واحد هدفه الأساسي تأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للعائلات النازحة في واحدة من أكثر فترات العراق قسوة.
بالتوازي مع النزوح.. قوافل تمد خطوط القتال بالحياة
وفي الوقت الذي كانت فيه العائلات النازحة تتلقى الدعم داخل المدن ومناطق الإيواء، كانت جبهة أخرى أكثر سخونة تدور على خطوط القتال ضد عصابات داعش الإرهابية، إذ لم تتوقف المواجهة عند حدود الإغاثة الإنسانية، بل امتدت إلى عمق الميدان العسكري الذي كانت تُحسم فيه مصائر المدن العراقية واحدة تلو الأخرى.
فقد واصلت العتبة تسيير قوافل الدعم اللوجستي على نحو متواصل إلى جبهات المواجهة، حاملةً معها المواد الغذائية الأساسية، ومياه الشرب، والمستلزمات المعيشية واللوجستية التي يحتاجها المقاتلون في مواقع الاشتباك.
وكانت هذه القوافل تتحرك على وَفقِ برامج إمداد منتظمة، تستجيب لحاجات ميدانية تتغير بسرعة تبعًا لشدة المعارك واتساع خطوط التماس.
ولم يكن هذا الدعم مجرد مساعدات رمزية أو ظرفية، بل شكل امتدادًا خلفيًا حقيقيًا للمعركة، ساهم في تعزيز صمود المقاتلين على الأرض، وتوفير الحد الأدنى من الإسناد اللوجستي في بيئة قتالية معقدة تتطلب تواصلًا دائمًا بين الجبهة الأمامية وخطوط الإمداد الخلفية.
ومع استمرار العمليات العسكرية لسنوات، تحولت هذه القوافل إلى جزء من منظومة إسناد واسعة استمرت طوال مدّة الحرب، إذ تداخل البعد الإنساني مع البعد القتالي، ليشكلا معًا شبكة دعم واحدة هدفها تثبيت خطوط الدفاع، ودعم عمليات التحرير، وتخفيف أعباء المقاتلين في واحدة من أصعب مراحل الصراع التي شهدها العراق الحديث.
25 ألف عائلة تعيد بناء الحياة من الصفر
وعلى الرغم من أن رقم 25 ألف عائلة نازحة يعكس حجم الاستجابة واتساعها، لكن خلف هذا الرقم تتوارى آلاف القصص الإنسانية التي لا يمكن اختصارها في الإحصاءات؛ عائلات فقدت منازلها ومدنها وأعمالها في لحظات مفصلية، واضطرت إلى إعادة بناء حياتها من نقطة الصفر، في ظروف لا تحمل سوى القليل من مقومات الاستقرار أو الأمان.
فكل عائلة من هذه العائلات كانت تمثّل حالة نزوح مستقلة بذاتها، لها تفاصيلها الخاصة ومعاناتها اليومية الممتدة بين فقدان مصدر الدخل، وانقطاع الخدمات، وتشتت أفراد الأسرة بين مناطق مختلفة.
ومع ذلك، وجدت هذه العائلات داخل هذه المنظومة الإنسانية مساحة للبقاء والاستمرار بدل الانهيار الكامل، إذ جرى التعامل مع كل حالة بوصفها حياة قائمة تحتاج إلى دعم مستمر، لا مجرد رقم ضمن قائمة إغاثية.
ولهذا، لم تكن الاستجابة مجرد توزيع مساعدات غذائية أو توفير مأوى مؤقت، بل كانت محاولة أوسع لصناعة حالة من الاستقرار الإنساني داخل واحدة من أكثر الأزمات قسوة وتعقيدًا في تاريخ العراق الحديث.
استقرار لا يهدف فقط إلى سدّ الاحتياجات الآنيّة، بل إلى منع تفكك النسيج الاجتماعي للعائلات النازحة، والحفاظ على الحد الأدنى من تماسكها في مواجهة ظروف قاسية كادت أن تدفع بها نحو الانهيار الكامل.
من أزمة نزوح إلى نموذج إغاثة متكامل
مع انتهاء العمليات العسكرية، بقيت تجربة رعاية النازحين واحدة من أبرز النماذج في إدارة الأزمات الإنسانية في العراق، لما قدمته من تكامل بين الإيواء، والإغاثة، والدعم الغذائي والطبي، والإسناد اللوجستي للجبهات، وتحولت هذه التجربة من استجابة طارئة إلى نموذج عمل إنساني واسع، أعاد تعريف معنى التكافل في زمن الحرب، وأثبت أن مواجهة الأزمات لا تقتصر على البعد العسكري، بل تشمل القدرة على حماية الإنسان عندما يفقد كل شيء.
إشادات وشهادات
حظيت تجربة العتبة العباسية المقدسة في إدارة ملف النزوح خلال حرب داعش (2014–2017) بإشادات من جهات رسمية وميدانية عراقية، نظرًا لطبيعة الاستجابة التي تجاوزت الإغاثة التقليدية إلى بناء منظومة دعم إنساني متكاملة.
وأشارت جهات حكومية معنية بالهجرة والمهجرين، إلى أن ما قدمته العتبة في محور كربلاء والمناطق المحيطة مثّل أنموذجًا متقدمًا في إدارة النزوح الداخلي، من حيث حجم الاستجابة، واستمرارية الدعم، وتعدد مجالات التدخل التي شملت الغذاء، والإيواء، والرعاية الصحية، والدعم اللوجستي.
كما أشادت جهات في الحكومات المحلية في محافظات الوسط والجنوب بالدور التنظيمي الذي ساهم في تخفيف الضغط عن مراكز الإيواء الرسمية، عَبرَ استيعاب عشرات الآلاف من العوائل النازحة وتوفير احتياجاتها الأساسية بصورة منتظمة، ما أسهم في تقليل حجم الأزمة الإنسانية في ذروتها.
وفي السياق ذاته، تم توصيف التجربة في بعض التقارير الميدانية بوصفها أحد أكثر نماذج الاستجابة استقرارًا وتنظيمًا خلال سنوات الحرب، بكونها اعتمدت على شبكة دعم مستمرة لا تتوقّف عند حدود الإغاثة الطارئة.
وعلى مستوى العائلات المستفيدة، تعكس الشهادات الميدانية صورة أكثر قربًا من تفاصيل التجربة اليومية داخل مخيّمات النزوح ومناطق الاستضافة.
تقول إحدى العائلات النازحة من الأنبار: " لم نكن نملك شيئًا حين وصلنا إلى كربلاء… حتى الطعام كان يُقدَّم لنا بشكل يومي، لم نشعر أنّنا متروكون رغم كل ما فقدناه".
وتضيف عائلة أخرى من صلاح الدين: " كان الشتاء هو أصعب ما مرّ علينا، لكن توفير الوقود والبطانيات خفّف الكثير من المعاناة، وشعرنا أن هناك من يتابعنا باستمرار".
فيما يشير نازحون من نينوى إلى أن الدعم لم يكن مقتصرًا على الغذاء، بل شمل الرعاية الصحية والأدوية للأطفال: " أطفالنا كانوا بحاجة إلى حليب وعلاج، وكان يتم توفيره بشكل منتظم، وهذا ما أنقذ الكثير من الحالات".
ومن داخل الفرق الميدانية المشاركة في إدارة ملف الإغاثة، تُوصف التجربة بأنّها "عمل يومي مستمر بلا انقطاع"، إذ كانت عمليات توزيع السلال الغذائية، وتوفير المستلزمات، وإدارة المخيمات، تتم ضمن شبكات تنظيم معقدة تستجيب لتغيرات النزوح بشكل لحظي.
ويشير عاملون في المجال الإغاثي إلى أن التحدي الأكبر لم يكن في حجم المواد، بل في "استمرارية الإمداد وتكييفه مع احتياجات متغيرة لعشرات الآلاف من العوائل في وقت واحد".
خلاصة القول
إنّ تجربة العتبة العباسية المقدسة في ملف النزوح لم تُبنَ بوصفها استجابة، بل منظومة حياة متكاملة أعادت تعريف معنى الإغاثة في سياق حرب شاملة، إذ امتزجت الاستجابة الإنسانية بالتنظيم اللوجستي والاستمرارية الميدانية، في واحدة من أكثر مراحل العراق تعقيدًا.