كان المؤتمر يمثل قراءة داخلية لمسيرة الجامعة، لا تقف عند حدود عرض ما تحقق، وإنما تعود إلى الخطط والتوصيات السابقة لتقارن بينها وبين النتائج الفعلية، وبين جلسات الحوار والمناقشة والعروض العلمية والتكريم، ظهرت صورة لجامعة تحاول أن تجعل من المراجعة جزءا من دورة العمل، ومن الملاحظ والمقترحات مدخلا لبناء قرارات وخطط جديدة.
وعلى امتداد فعاليات اليومين، تنوعت الملفات المعروضة بين تطوير المناهج وطرائق التدريس، وأخلاقيات المهن، والاعتماد البرامجي، وتقويم الأداء الإداري والتعليمي، فضلا عن متابعة توصيات المؤتمر الماضي وتكريم النماذج المتميزة؛ وبذلك اتسع المؤتمر ليكون مساحة تجمع بين قراءة الماضي، وتشخيص الحاضر، والاستعداد للمستقبل.
من مناسبة دورية إلى ممارسة مؤسسية
تقوم فكرة إقامة المؤتمر العام السنوي في جامعة العميد على مبدأ المراجعة المنتظمة لمسار العمل، فمرور عام دراسي أو إداري لا يمثل نهاية دورة منفصلة، وإنما محطة تسمح بإعادة قراءة الخطط والنتائج، وتحديد ما يحتاج إلى الاستمرار وما يتطلب تعديلا أو تطويرا.
ومن هذه الزاوية، اكتسبت النسخة الثالثة من المؤتمر أهميتها من كونها امتدادا لما قبلها؛ فالمؤتمر لم يبدأ من نقطة جديدة؛ بل حمل معه حصيلة المؤتمر الثاني وتوصياته، وفتح ملفاته المنجزة، وما بقي قيد المتابعة، وما يحتاج إلى معالجة جديدة.
وتمنح هذه الآلية للمؤتمر وظيفة تتجاوز الجانب الاحتفالي؛ إذ يصبح جزءا من النظام الداخلي للمراجعة والتقويم، فالخطط التي توضع تحتاج إلى متابعة، والقرارات تحتاج إلى قياس نتائجها، والمشكلات تحتاج إلى العودة إليها بعد مدة معينة لمعرفة فاعلية الحلول التي اتخذت بشأنها ، وهنا يظهر البعد المؤسسي للمؤتمر، بوصفه حلقة من ضمن سلسلة تبدأ بالتخطيط، ثم التنفيذ، ثم التقويم.
عام من العمل تحت المجهر
أحد أبرز ملامح المؤتمر كان العودة إلى ما تحقق من توصيات النسخة الثانية منه، وقد استعرضت الجامعة مستوى الإنجاز في التوصيات التي خرج بها المؤتمر الثاني، في محاولة لربط قراراته بنتائجها العملية.
هذه الخطوة تكشف عن طبيعة مختلفة في التعامل مع التوصيات؛ فهي لا تُترك في إطار الوثائق أو المحاضر؛ بل تعاد قراءتها بعد مرور مدة زمنية لمعرفة ما إذا كانت قد تحولت إلى إجراءات فعلية.
ويتيح هذا الأسلوب أيضا تحديد الفجوة بين المخطط والمنجز، وهي فجوة لا يمكن التعامل معها من دون مراجعة أسبابها، فقد يرتبط عدم تحقق بعض الأهداف بالحاجة إلى وقت أطول، أو بوجود معوقات إدارية أو أكاديمية، أو بالحاجة إلى إعادة صياغة الأولويات.
ومن هنا تصبح عملية عرض المنجز من التوصيات الماضية كمرآة للعمل المؤسسي؛ لأنها تسمح بقراءة النتائج بعيدا عن الاكتفاء بالخطط المكتوبة، وتضع الأداء الفعلي في مركز عملية التقويم.
الحوار.. عندما تصبح الملاحظ جزءا من صناعة القرار
لم يكن التقويم في المؤتمر محصورا في العروض والتقارير، إذ أخذ الحوار المباشر بين الإدارة والملاكات الجامعية مساحة واضحة من ضمن فعالياته ، وقد وفرت الجلسات الحوارية مجالا لمناقشة المعوقات والمقترحات المتعلقة بالعمل الإداري، وطرح الملاحظ بصورة مباشرة، والبحث عن حلول يمكن أن تسهم في تطوير الأداء.
وتكتسب هذه المساحة أهميتها من طبيعة الجامعة بوصفها مؤسسة متعددة المستويات والمسؤوليات؛ فالمشكلة التي تظهر في أحد الأقسام قد لا تكون واضحة كما ينبغي أن تكون على مستوى الإدارة العليا، بينما يمتلك العاملون في مواقع التنفيذ تفاصيل يومية تساعد على فهم جذور بعض التحديات.
لذلك يصبح إشراك الملاكات في الحوار وسيلة لتوسيع دائرة المعرفة داخل المؤسسة، وإتاحة المجال أمام الأفكار التي تنشأ من التجربة اليومية للعمل، فضلا عن كون النقاش المباشر يساعد على الانتقال من تشخيص المشكلة إلى البحث عن أسبابها، ثم التفكير في الحلول الممكنة.
ولا يقتصر أثر هذه الجلسات على القرارات الإدارية وحدها، بل يمكن أن يسهم في بناء بيئة يشعر فيها العاملون بأن آراءهم وملاحظهم تدخل من ضمن عملية تطوير المؤسسة، وأن العمل الجامعي مسؤولية مشتركة تتوزع أدوارها بين مستويات مختلفة.
الإدارة بين التخطيط والمراجعة
طرح المؤتمر مفهوما يقوم على أن الإدارة الجامعية لا تنتهي عند وضع الخطط، وإنما تبدأ بعدها مرحلة أكثر أهمية تتمثل في المتابعة والتقويم ، فالخطة، مهما كانت دقيقة، تواجه عند تنفيذها ظروفا ومتغيرات قد تستدعي تعديل بعض مساراتها؛ ولذلك فإن استمرار المراجعة يسمح بتصحيح الاتجاه قبل أن تتراكم المشكلات، فضلا عن ذلك يساعد على تحديد الأولويات على وفق النتائج الفعلية.
ومن هذا المنطلق، حضرت في المؤتمر مفاهيم المساءلة المؤسسية، وتوزيع الصلاحيات، وتوضيح الأدوار، والتواصل بين المستويات المختلفة ، وهي مفاهيم ترتبط ببناء بيئة إدارية تقوم على وضوح المسؤوليات وإمكانية متابعة النتائج.
وتتحول المراجعة في هذه الحالة إلى أداة لتحسين الأداء لا إلى مجرد بحث عن الأخطاء؛ إذ يمكن أن تكشف عن نقاط القوة التي تستحق الدعم والتوسع، إلى جانب مواطن الضعف التي تحتاج إلى تدخل ومعالجة.
المناهج وطرائق التدريس.. سؤال التطوير المستمر
في الجانب الأكاديمي انتقل المؤتمر إلى المناهج الدراسية وطرائق التدريس، فالتغير المتسارع في التعليم العالي يفرض على المؤسسات الأكاديمية إعادة النظر بصورة مستمرة في طرق تقديم الدروس، وفي مدى قدرة المناهج على مواكبة التوجهات العالمية واحتياجات التخصصات الحديثة.
ومن هنا برزت في المؤتمر مناقشة الطموحات المرتبطة بتطوير المناهج والأساليب التعليمية، مع النظر إلى التعليم بوصفه عملية تتجاوز نقل المعلومات إلى بناء قدرات الطلبة وتنمية مهاراتهم العلمية والفكرية والمهنية.
ويأتي هذا الاهتمام في سياق أوسع يرتبط بجودة التعليم، إذ لا يكفي أن تكون المعلومة صحيحة وحديثة، وإنما تبرز أهمية الطريقة التي تصل بها إلى الطالب، والبيئة التي تسمح له بفهمها وتحليلها وتطبيقها ، ولهذا فإن تطوير طرائق التدريس يمثل جزءا رئيسا من تطوير العملية التعليمية نفسها، ولاسيما في التخصصات التي تتطلب الجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي.
التعليم الطبي وأخلاقيات المهنة
خصص المؤتمر مساحة للحديث عن أخلاقيات المهن، مع اهتمام خاص بالمهن الطبية، وهو ملف يرتبط بصورة مباشرة بطبيعة التخصصات في الجامعة ، فالتعليم الطبي لا يقتصر على إعداد الطالب للنجاح في الاختبارات أو اكتساب المعرفة العلمية، وإنما يرتبط بإعداده لتحمل مسؤوليات مهنية وإنسانية في المستقبل؛ ولذلك تتقاطع المعرفة الطبية مع قيم التعامل مع المريض والمسؤولية والانضباط واحترام الإنسان والالتزام بأخلاقيات المهنة.
ويكشف إدراج هذا الملف من ضمن مؤتمر عام للجامعة عن محاولة النظر إلى التعليم من زاويتين متكاملتين: الكفاءة العلمية من جهة، وبناء الشخصية المهنية من جهة أخرى ، وهذا التكامل يضع المؤسسات التعليمية أمام مسؤولية إعداد المخرجين الذين يمتلكون المعرفة والتخصص، وفي الوقت نفسه يمتلكون وعيا بالمسؤوليات التي تترتب على ممارسة المهنة.
استلهام التجربة التعليمية للحوزات العلمية
من بين الموضوعات التي اتخذت طابعا معرفيا خاصا في المؤتمر البحث في التجارب التعليمية للحوزات العلمية وإمكانية الإفادة من بعض أساليبها في التعليم الحديث ، وقد انطلق هذا المحور من قراءة الموروث التعليمي بوصفه تجربة متراكمة تمتد لقرون، وتضم أساليب في النقاش والتحصيل والمراجعة والحوار العلمي.
وتبرز أهمية هذا الطرح في محاولة الربط بين الخبرة التعليمية المتراكمة محليا وبين أدوات التعليم الحديثة، بعيدا عن النظر إلى التطور التعليمي بوصفه مرتبطا بما يأتي من التجارب المعاصرة فقط.
فالإفادة من التراث التعليمي يمكن أن تفتح مجالا لإعادة قراءة بعض الأساليب التي أثبتت قدرتها على بناء الحوار العلمي وتعميق الفهم، ثم التفكير في إمكان توظيفها من ضمن البيئة الجامعية الحديثة بما يتناسب مع طبيعة التخصصات والمناهج الحالية.
الاعتماد البرامجي.. مؤشر على تطور البرامج الأكاديمية
دخل ملف الاعتماد البرامجي من ضمن محاور اليوم الثاني من المؤتمر، ومع استعراض عدد من المنجزات العلمية التي حققتها كليات الجامعة في هذا المجال، اذ يمثل الاعتماد البرامجي مسارا يرتبط بجودة البرامج الأكاديمية ومدى استجابتها للمعايير المعتمدة، وهو ما يجعله أحد الملفات التي تتطلب عملا طويلا وتعاونا بين مختلف مفاصل المؤسسة التعليمية.
ولا يرتبط الوصول إلى هذه المرحلة بجهد جهة واحدة، وإنما يحتاج إلى مراجعة المناهج والبرامج، وتطوير الإجراءات الأكاديمية والإدارية، وتحسين البيئة التعليمية، ومتابعة المخرجات ، ولهذا جاء استعراض المنجزات من ضمن المؤتمر بوصفه جزءا من قراءة تطور الجامعة، وفي الوقت نفسه فرصة لإظهار الجهود التي بذلتها الكليات والملاكات لتحقيق هذه النتائج.
التكريم.. تحويل الإنجاز إلى ثقافة مؤسسية
في ختام فعاليات اليوم الثاني أخذ التكريم موقعا بارزا في ضمن المؤتمر، حيث شمل عددا من الأساتذة الذين أسهموا في حصول كلياتهم على الاعتماد البرامجي، فضلا عن الأساتذة الذين حققوا درجات مرتفعة في الامتحانات التقويمية، مع الأساتذة المتميزين في العملية التربوية.
ويحمل التكريم دلالة تتجاوز الاحتفاء بالأفراد؛ فهو يربط الإنجاز بالتقدير المؤسسي، ويجعل النتائج المتميزة جزءا من الثقافة العامة للمؤسسة ، ويعكس تنوع فئات المكرمين تعدد مساحات التميز داخل الجامعة، فهناك من ارتبط إنجازه بملف الاعتماد، ومن برز في النتائج التقويمية، ومن تميز في الجانب التربوي ، وتكشف هذه الصورة عن أن تطوير الجامعة لا يعتمد على مؤشر واحد؛ بل يتطلب تكاملا بين جودة البرامج، والأداء العلمي، والنتائج التعليمية، والقدرة على بناء بيئة تربوية فاعلة.
الحوار الأكاديمي.. قراءة التحديات من داخل الكليات
امتد الحوار في اليوم الثاني إلى الجوانب التعليمية والعلمية في الكليات، لتصبح الملفات الأكاديمية نفسها موضع نقاش مباشر ، وقد سمح هذا المسار بطرح التحديات التي تواجه العملية التعليمية، ومناقشة المقترحات والحلول الممكنة، بما يدعم تطوير الكفاءة العلمية للملاكات وتنمية قدرتها على التعامل مع المشكلات الأكاديمية.
وتكتسب هذه الجلسات أهميتها من كون الكليات تمثل البيئة المباشرة للعملية التعليمية؛ ولذلك فإن قراءة واقعها تحتاج إلى الاستماع إلى العاملين فيها، ومعرفة التحديات التي تظهر عند تنفيذ البرامج والمناهج والأنشطة العلمية.
والحوار الأكاديمي يتيح اكتشاف فرص التطوير التي قد لا تظهر عن طريق التقارير الرسمية وحدها، لأن التجربة اليومية للأساتذة والملاكات تحمل تفاصيل مرتبطة بالطلبة والمناهج والامتحانات والبحث العلمي وغيرها من مفردات العمل الجامعي.
الجانب الثقافي.. وتعزيز التواصل
أدخل المؤتمر في ضمن برنامجه فعالية ثقافية تمثلت في مسابقة تضمنت مجموعة من الأسئلة وتكريم أصحاب الإجابات الصحيحة ، وبعيدا عن الجانب التنافسي للمسابقة، فإن وجود نشاط ثقافي من ضمن برنامج مؤتمر مؤسسي يمنح الفعالية مساحة للتفاعل الاجتماعي والتواصل بين المشاركين، ويخرج البرنامج من الإطار الرسمي الصرف للجلسات الإدارية والعلمية.
وهذا التنوع يعكس طبيعة الجامعة بوصفها مجتمعا يضم أساتذة وموظفين وملاكات من تخصصات مختلفة، ويحتاج إلى مساحات مشتركة تعزز التواصل بينهم فضلا عن المهام الوظيفية والأكاديمية.
من المؤتمر إلى المرحلة المقبلة
مع انتهاء أعمال المؤتمر بقيت القيمة الحقيقية لما طرح في اليومين مرتبطة بالمرحلة التالية، أي مرحلة تحويل المخرجات إلى إجراءات.
فالتوصيات تحتاج إلى جهات تتولى تنفيذها، ومواعيد للمتابعة، ومؤشرات يمكن عن طريقها قياس النتائج، فضلا عن كون الملاحظ التي طرحت في الجلسات الحوارية تحتاج إلى دراسة وتصنيف وربطها بالأولويات، فيما تحتاج المقترحات الأكاديمية إلى تحويلها إلى برامج أو إجراءات قابلة للتطبيق.
تمثل تجربة المؤتمر الثاني التي جرى استعراضها في النسخة الثالثة أساسا لهذه العملية؛ لأنها أظهرت أن التوصيات يمكن أن تتحول إلى موضوع للمراجعة في المؤتمر المقبل.
وهكذا تتشكل دورة مؤسسية متتابعة: ما يناقش اليوم يمكن أن يتحول إلى خطة، وما يُنفذ في عام يصبح موضوعا للتقويم، وما يثبت نجاحه يمكن البناء عليه، وما لا يحقق النتائج المطلوبة يعاد النظر فيه.
خلاصة القول
اختتمت جامعة العميد مؤتمرها العام السنوي الثالث بعد يومين تراوحت فعالياتهما بين مراجعة ما مضى ورسم ما هو مقبل، إذ بدا المؤتمر فيهما بوصفه محطة من ضمن مسار أطول عنوانه التطوير المستمر.
فالمؤسسة الأكاديمية لا تقاس بما تنجزه في عام واحد فقط، وإنما بقدرتها على التعلم من تجربتها، ومراجعة قراراتها، والاستماع إلى ملاكاتها، وتطوير برامجها، وتحويل الملاحظ والتوصيات إلى عمل مستمر.
ومن هنا، فإن انتهاء المؤتمر لا يعني انتهاء مهمته؛ بل يمثل بداية مرحلة جديدة من المتابعة والتنفيذ؛ مرحلة يفترض أن تتحول فيها الأفكار التي طُرحت، والتحديات التي شخصت، والإنجازات التي استحقت التكريم إلى خطوات عملية تواصل جامعة العميد عن طريقها بناء تجربتها الأكاديمية والإدارية وتطوير بيئتها التعليمية والعلمية.