ومن هذا المنطلق، يواصل المجمع العلمي للقرآن الكريم في العتبة العباسية المقدسة تنفيذ مشروعه السنوي للدورات القرآنية الصيفية؛ بوصفه أحد أبرز البرامج التربوية التي تستهدف بناء الإنسان عبر القرآن الكريم، وصناعة جيل واع يحمل قيمه ويجسد تعاليمه في السلوك والممارسة.
ويهدف المشروع إلى تعزيز الثقافة القرآنية، وتطوير المهارات المعرفية والسلوكية لدى المشاركين؛ عبر إشراف نخبة من الأساتذة المتخصصين في العلوم القرآنية، ضمن بيئة تربوية متكاملة تسهم في بناء شخصية متوازنة قائمة على الوعي والإيمان.
وأكدت العتبة العباسية المقدسة أن الهدف الأساس من إقامة مشروع الدورات القرآنية الصيفية، هو بناء جيل يؤمن بالقيم القرآنية، ويعمل على نشرها.
وقال ممثل المجمع العلمي الدكتور سعيد حميد كاظم، إنّ: "المجمع العلمي للقرآن الكريم قد آل على نفسه منذ انطلاقته أن يجسد شعار (قرآنيو الثقلين)، بوصفه مشروعًا تنمويًّا فكريًّا شاملًا، يستمد وجوده من القرآن الكريم وتعاليم أئمة الهدى (عليهم السلام)".
وأوضح أنّ: "الهدف الأسمى للمشروع يتمثل في بناء الإنسان وتحقيق تحصينٍ علمي وعقائدي راسخ في القيم الإسلامية السامية، ومبنيّ على أساس الوعي القرآني ومنهج أهل البيت (عليهم السلام)"، مؤكّدًا أنّ: "هذا البرنامج يُسهم في صناعة جيلٍ يتّخذ من القرآن الكريم منهجًا وسلوكًا، ويؤمن بمبادئه وقيمه، ويعمل على نشرها في محيطه".
وأشار إلى أنّ: "رعاية هؤلاء الفتية والاهتمام بتعليمهم وتطويرهم، هي من أولويّات العتبة العبّاسية المقدّسة؛ تنفيذًا لتوجيهات متولّيها الشرعيّ سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، ومتابعة الأمانة العامّة التي سخّرت إمكاناتها كافّة لدعم هذا المشروع المبارك".
وبيّن كاظم أنّ: "الجهود التي بذلها المَجمَعُ العلميّ للقرآن الكريم، تُعدّ تجسيدًا عمليًا لرؤيةٍ شاملة تهدف إلى استقطاب أكبر عددٍ ممكن من الناشئة، وغرس الثقافة القرآنيّة في نفوسهم"، مشيدًا: "بما أُنجِز من برامج وخططٍ مدروسة لتحقيق هذا الهدف السامي".
وتقدم الدكتور سعيد حميد كاظم باسم الأمانة العامّة للعتبة العبّاسية المقدّسة والمَجمَع العلميّ للقرآن الكريم، بالشكر والتقدير للملاكات التعليميّة التي قدّمت علمها ومعارفها بروحٍ مُخلِصة، ولذوي الطلبة على ثقتهم وحرصهم على دفع أبنائهم نحو هذا الطريق المبارك، مؤكّدًا أهمّية مواصلة الدعم والرعاية لضمان استمراريّة هذا المشروع القرآنيّ الرائد.
أبعاد تربوية وفكرية
ولا يقتصر المشروع على الجانب التعليمي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشكّل منظومة تربوية متكاملة تهدف إلى بناء شخصية متوازنة، قادرة على التمييز بين المفاهيم، ومواجهة التحديات الفكرية المعاصرة، ولا سيما تلك التي تتسلّل عبر الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي.
وقال مدير معهد القرآن الكريم في بغداد الدكتور نبيل الساعدي، أن هذه الدورات: "تساعد في التصدي للأفكار الدخيلة التي تستهدف شريحة الناشئة، لا سيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال ما يقدم فيها من دروس فقهية وعقائدية وتربوية مستوحاة من سيرة أهل البيت (عليهم السلام)".
من جانبه، ذكر أحد الأساتذة، السيد حسين رزاق أنّ: "الدورات القرآنية التي تقيها العتبة المقدسة لا تقتصر على تعليم القرآن الكريم فحسب، وإنما تتناول أيضًا الفقه والعقائد والأخلاق وسيرة أهل البيت (عليهم السلام)" موضّحًا أنّ: "الدورات تهدف إلى الارتقاء بواقع الطلبة الاجتماعي، ومعالجة بعض السلوكيات غير الصحيحة التي قد تواجههم في حياتهم".
الصيف… موسم للقرآن وبناء الوعي
يقيم المجمع العلمي للقرآن الكريم هذه الدورات سنويا، في فترة العطلة الدراسية الصيفية؛ لملء أوقات الطلبة بما هو نافع، ولضمان نشأة جيل صالح محب للقرآن الكريم، وتعاليم الدين الإسلامي على هدى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
وقال المعاون التربوي لمدير معهد القرآن في النجف الأشرف الدكتور إبراهيم مرزة:، "حينما تختار العتبة العباسية المقدسة، وبتوجيه من سماحة المتولي الشرعي (دام عزَّه)، أن تجعل من الصيفِ موسمًا لِلْقُرآنِ الكريمِ، فَإِنَّها لا تملأ فراغًا زمنيًّا، بل تبني جسرًا بين الأرض والسماء، بين قلب الناشئة ونبض الوحي؛ لأنها ترى أنَّ الطفل الذي ينشأ على مائدة النور، سيكون يومًا ما قبسًا يهتدي به الضالون، ولأنها ترى أنَّ الدورات القرآنية الصيفية ليست مجرد نشاط موسمي، بل هي خيار استراتيجي، نابع من وعي عميقٍ بأهميَّة غرس القرآن في وجدانِ الأجيال".
وأضاف أنَّ العتبة العباسية المقدسة: "تُخطط في هذه الدورات لتربية وجدان، وإحياء ضمير، وتتطلع إلى صناعة إنسان يتخلَّق بكلمات الله، ويسترشد بآياته، في زمن تتقاذف فيه القيم بين أمواج الشَّبُهَاتِ والفِتَن".
مشروع يصنع مستقبل الأجيال
حيث أكد القائمون على المشروع أن هذه البرامج تمثل خيارا استراتيجيًا، يهدف إلى استثمار العطلة الصيفية في بناء وعي الطلبة، وتنمية قدراتهم، وإعداد جيل قادر على تحمل المسؤولية الدينية والمجتمعية.
وقال المعاون التربوي لمدير معهد القرآن الكريم في النجف الأشرف، الدكتور إبراهيم مرزة، إنّ: "الدورات القرآنية الصيفية ليست نشاطًا موسميًا عابرًا، بل خيارٌ تربويّ طويل الأمد، يهدف إلى بناء الإنسان وإحياء الضمير؛ عبر ربط الناشئة بالقرآن الكريم، وجعله جزءًا من حياتهم اليومية".
من جانبه قال أحد ملاكات وحدة النشاطات القرآنية التابعة للمعهد، السيد حسن عميد: "إنّ هذه الدورات كانت فرصة ثمينة لتربية أبنائنا على ثقافة الثقلين الشريفين ونهجهما"، مشيرًا إلى: "أهمية المشروع في تنشئة الجيل الجديد وفقًا لتعاليم أهل البيت (عليهم السلام)".
وأضاف أنّ: "الطلبة المشاركين تلقّوا دروساً في الحفظ، والتلاوة، والفقه، والعقائد، والسيرة، والأخلاق"، لافتاً إلى أنّ: "المشروع يأتي ضمن استراتيجية العتبة المقدّسة باستهداف شريحة الناشئة، واستثمار أوقات فراغهم أثناء العطلة الصيفية".
إشادة متواصلة في نجاح المشروع
حظي المشروع بإشادة واسعة من الجهات الدينية والمجتمعية؛ إذ أكدت أمانة مسجد الكوفة المعظّم دعمها الكامل لكل عمل قرآني صادق، مشيرةً إلى أنّ هذه المبادرات تمثّل امتدادًا لرسالة المسجد في نشر الوعي القرآني وترسيخ القيم الإسلامية.
وقال المعاون الثقافي للأمين مسجد الكوفة المعظم السيد ذو الفقار الحيدري: "نبارك للعتبة العباسية المقدسة هذا الجهد النبيل، وهذا المشروع التربوي الذي غرس في القلوب نور الكتاب، وفتح أمام الأشبال درب الهدى، وذكّرنا جميعًا أنّ مستقبل الأمّة يبدأ من هذه اللحظات التي يمسك فيها الطفل بالمصحف، ويقرأ منه أوّل آية، ويهتدي بها أوّل خطوة، فلقد أصبح من الضروري في زمن الانشغال والتشويش أنْ تبقى مثل هذه المشاريع حاضرة في وجداننا العام، لا كأحداث موسميّة، بل كنهج تربوي دائم وحين نرى هذه الوجوه اليافعة تتلو كتاب الله بصفاء وحبّ، ندرك أنّ شيئًا كبيرًا يتحرك في الجذور، وأنّ المستقبل لم يُقطع حبله بعد".
وبيّن: "إنّنا في أمانة مسجد الكوفة، نؤكّد أنّ أبواب هذا المسجد ستبقى مفتوحةً دائمًا أمام كلّ مبادرة قرآنية صادقة، وكلّ مشروع يهدف إلى إعادة مركزية الكتاب في الحياة العامّة، فلا معنى للمآذن إنْ لم تنادِ للوعي، ولا قيمة للقباب إنْ لم تكن سقفًا لحروف الوحي، ولا جدوى من الأماكن المقدسة إن لم تُحِطْ أهل القرآن بقداسة دائمة".
وأشار الحيدري إلى أنّ: "مسجد الكوفة الذي ما زال صدى خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) يتردد في جنباته، يعتزّ بأن يكون حاضنة لهذه المبادرات الطيبة، ويؤمن بأن العمل المشترك بين العتبات والمزارات والمراكز القرآنية هو الضمان الحقيقي لاستمرار صوت الوحي في حياة الأمّة، إذ نقدّمُ أسمى عبارات الشكر والتقدير للجهة المنظِّمة، وللسادة في العتبة العباسية المقدسة، الذين عوّدونا على هذا النفس القرآني العميق، والعمل المؤسسي المنهجي، والقدرة على المزج بين العطاء التربوي والتأثير المجتمعي".
وفي السياق ذاته، يؤكد معتمدو المرجعية الدينية في عدد من المحافظات أنّ المشروع يُعدّ من أبرز المبادرات التي تسهم في إعداد جيلٍ واعٍ ومؤمن، قادر على تحمّل مسؤولياته الدينية والوطنية، ومواجهة التحديات التي تحيط بالمجتمع.
من جهته، قال معتمد المرجعية الدينيّة العُليا في قضاء العزيزية بالمحافظة الشيخ نزهان الدين الشمري: "في الوقت الذي تنشر فيه قوى الشرّ الفساد في أوساط المجتمع، نجد أن صوت الحقّ يعلو، ومن مصاديق ذلك ما تقوم به العتبة العبّاسية المقدّسة عبر إقامة الدورات القرآنية الصيفية".
وأضاف أنّ: "المشروع يُسهم في إعداد جيلٍ ناهضٍ بالإيمان، يأخذ على عاتقه حماية هذا البلد وإقامة الشعائر الدينيّة".
وقال معتمد المرجعية الدينية في قضاء المجر الكبير، السيد هاشم الشرع: "إنّ مشروع الدورات القرآنية الصيفية من الأنشطة التي كنا نفتقدها، وإنّ الطلبة المشاركين فيها أصبحوا متميزين في مختلف المجالات الدينية والثقافية والعلمية".
نحو تطوير الدورات بأساليب حديثة
وفي سياق تطوير المشروع، يؤكد مدير معهد القرآن الكريم في النجف الأشرف، الدكتور مهند الميالي أنّ العمل مستمر للارتقاء بأساليب التعليم؛ عبر إدخال تقنيات حديثة تسهم في إيصال المعلومة بشكل أكثر فاعلية، وتساعد في استثمار وقت الطلبة بأفضل صورة ممكنة.
وتابع الميالي: "نسعى إلى استثمار أوقات أبنائنا بالشكل الأمثل، من خلال إشغالهم ببرامج تعليمية هادفة، تسهم في بناء شخصيتهم، وتربيتهم على العقيدة الراسخة والقيم السامية التي تمثل جوهر هذا المشروع المبارك وغايته النبيلة".
مشروع الدورات القرآنية الصيفية في كل موسم يشهد مشاركة واسعة من الطلبة في مختلف المحافظات، يتوزعون على مئات الدورات التي أُقيمت في المساجد والحسينيات والمراكز الدينية، بإشراف مئات الأساتذة والمشرفين، ولا تقتصر الدورات على تعليم القرآن الكريم فحسب، بل تمتد لتشمل دروسًا في الفقه والعقائد والأخلاق وسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، بما يسهم في مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة، ولا سيّما ما تتعرض له شريحة الناشئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتمثل الدورات القرآنية الصيفية نموذجًا متقدّمًا للعمل التربوي المؤسسي، الذي يجمع بين أصالة المنهج وحداثة الأسلوب، ويسهم في صناعة جيل يتخذ من القرآن الكريم منهجا للحياة، ومع استمرار هذا المشروع واتساع نطاقه، تتكرس ملامح رؤية تسعى إلى بناء الإنسان قبل كل شيء، بوصفه الأساس في نهضة المجتمع واستقراره.