في رحاب الإمام المجتبى (عليه السلام) يُشرق الفكر في سماء النجف الأشرف

من أجل إبراز الدور الرائد للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في بناء المجتمع المؤمن، وتعزيز قيم السلام والإنسانية، وإبراز فكره ومنهجه بوصفهما مرتكزًا في معالجة التحديات الفكرية والاجتماعية المعاصرة، انطلقت في محافظة النجف الأشرف فعاليات المؤتمر العلمي الدولي السنوي الثالث عشر لفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).



وأقيم المؤتمر برعاية العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، ونظمه مركز الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق التابع للهيأة العليا لإحياء التراث، بالتعاون مع الهيأة العليا لمشروع الحلة مدينة الإمام الحسن (عليه السلام)، وكلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة بابل، وجمعية العميد العلمية والفكرية، وجامعتي الكفيل والعميد، ومركز العميد الدولي للبحوث والدراسات، ومركز الكفيل للترجمة.



وعقد المؤتمر تحت عنوان: (سيرة الإمام الحسن المجتبى "عليه السلام" مقاربات نقدية وقراءات بينية معاصرة)، واستمر يومين، الأول في مجمع الإمام المرتضى (عليه السلام) بمدينة النجف الأشرف، فيما استكملت جلساته في اليوم الثاني في قاعة الشهيد السيد محمد باقر الصدر بجامعة بابل.

وقفات تأملية في مشهد الافتتاح

وشهدت فعاليات الافتتاح حضور عضو مجلس إدارة العتبة العباسية المقدسة، السيد ليث الموسوي، إلى جانب عدد من مسؤولي العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، وجمع من الشخصيات الحوزوية والأكاديمية والمهتمين بالبحث العلمي.

واستُهلت الفعاليات كلمة للهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة قدمها مدير المعهد العالي للتراث التابع للهيأة السيد عبد الحكيم الصافي أكد فيها أنّ: "المؤتمر العلمي الدولي لفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) يدعو إلى إعادة قراءة سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) وفق مناهج علمية رصينة".

وقال الصافي: "إنّ المؤتمر يحمل عنوان (سيرة الإمام الحسن المجتبى -عليه السلام - مقاربات نقدية وقراءات بينية معاصرة)، ويهدف إلى إعادة قراءة السيرة المباركة للإمام الحسن (عليه السلام) وفق مناهج علمية رصينة، مما يسهم في إبراز أبعادها الفكرية والحضارية والإنسانية".



وذكر أنّ: "الإمام الحسن (عليه السلام) يحتل مكانة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة"، مبينًا أنّ: "الآيات والروايات الواردة في فضله ليست مجرد نصوص لبيان المنزلة، بل تمثل معالم عقدية ومنهجية تهدي الأمة إلى طريق الحق، وتؤسس لمعيار التمييز بين الحق والباطل".

وأضاف أنّ: "الإمام الحسن (عليه السلام) واجه ظروفًا استثنائية بعد استشهاد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في ظل سعي السلطة الأموية إلى ترسيخ نفوذها عبر وسائل متعددة، شملت بث الفرقة بين أصحابه، وإثارة الشبهات، وشراء الذمم، وتزوير الرسائل عنه، ونشر الأخبار الكاذبة، فضلًا عن ملاحقة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) والتضييق عليهم".

وأكد الصافي، أنّ: "هذه الظروف أدت إلى تفكك الجيش، الأمر الذي جعل الإمام الحسن (عليه السلام) يتخذ موقفًا تاريخيًّا نابعًا من مسؤوليته في حفظ الإسلام، فعقد الهدنة التي حافظت على كيان الأمة وصانت رسالة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)"، موضحًا أنّ: "هذا القرار لم يكن تنازلًا عن المبادئ، بل كان منهجًا واعيًا لإدارة الأزمات وتقديم المصلحة العليا للدين".

ولفت إلى أنّ: "عظمة منهج الإمام الحسن (عليه السلام) تتجلى في عدد من المرتكزات الأساسية، وفي مقدمتها الحفاظ على سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بعد أن تعرضت لمحاولات التغيير وإدخال البدع؛ إذ اشترط الإمام في بنود الصلح الالتزام بكتاب الله وسنة نبيه، مما أسهم في صيانة الهوية الإسلامية وإحياء المنهج النبوي الأصيل".

وأوضح أنّ: "المؤتمر يأتي لتقديم بحوث ودراسات تسلط الضوء على شخصية الإمام الحسن (عليه السلام)، وتبرز حكمته في إدارة الأزمات، ورؤيته في الحفاظ على وحدة الأمة، فضلًا عن تقديم مقاربات نقدية وقراءات بينية معاصرة لما كُتب عن سيرته المباركة".

وفي ختام كلمته، أعرب السيد عبد الحكيم الصافي عن شكره وتقديره للحضور والباحثين والمشاركين في المؤتمر، مثمنًا جهود المؤسسات العلمية المشاركة في تنظيمه، بما يسهم في تعزيز الدراسات الأكاديمية وإغناء المكتبة الإسلامية بالبحوث الرصينة عن فكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).

أعقبها كلمة للأستاذ في الحوزة العلمية في النجف الأشرف سماحة السيد رياض الحكيم، أكد فيها، أنَّ: "صلح الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) مع معاوية لم يكن موقفًا يعبر عن ضعف أو تراجع بل مثل ذروة في الشجاعة وتحمل المسؤولية".



وتناول السيد الحكيم في كلمته سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) وخصوصية الرسالة الإسلامية التي تقتضي تنوع المواقف التي جسدها النبي المصطفى وأئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم اجمعين)، ليكون كل إمام قدوة في ظرفه التاريخي، مؤكدًا أنّ: "هذا التنوع يمثل أحد عناصر قوة المدرسة الإسلامية وليس موضع إشكال".

وتطرق إلى فضل النصوص الواردة عن الإمام الحسن (عليه السلام)، وفي مقدمتها أحاديث للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بحق الإمام الحسن (عليه السلام) تشكل تزكية واضحة لشخصيته ومواقفه، وتفند محاولات التشكيك التي تعرض لها عبر التاريخ.

وأشار في كلمته إلى أنَّ: الإمام الحسن (عليه السلام) واجه مظالم متعددة تمثلت في حملات التشويه التي قادتها السلطات الأموية ثم العباسية، فضلاً عن الطعون التي صدرت حتى من بعض المقربين إليه، وهو ما انعكس على عدد من الروايات التاريخية التي تأثرت بالأغراض السياسية.

وذكر السيد الحكيم أنَّ: "الإمام الحسن (عليه السلام) كان قائدًا لدولة وجيش، الأمر الذي جعله يتحمل مسؤولية الحفاظ على أرواح المسلمين ومستقبل الأمة"، مبينًا أنّ: "القائد المسؤول لا يقاس موقفه بمقياس الثائر وإنما بقدرته على اتخاذ القرار الذي يحفظ مصالح الأمة ويجنبها حربًا خاسرة".

وبيّن في كلمته أنّ: "قرار الإمام الحسن (عليه السلام) بالصلح كان من أصعب القرارات؛ إذ تحمل بسببه ضغوطًا اجتماعية وانتقادات من بعض خاصته إلا أنه مضى فيه إيمانًا بالمصلحة العليا للأمة، وأنَّ الشجاعة لا تتمثل في خوض كل معركة بل في اتخاذ القرار الحكيم الذي يحفظ الدماء ويصون مستقبل المجتمع الإسلامي".

واختتم السيد الحكيم كلمته بالتأكيد أنَّ: "فهم سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) يتطلب قراءة علمية واعية تستحضر طبيعة المرحلة التاريخية وحجم المسؤوليات التي كان يتحملها، بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة التي كرستها بعض حملات التشويه عبر التاريخ، وأن صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية يمثل أنموذجًا بارزًا في القيادة الحكيمة وتحمل المسؤولية وحفظ مصالح الأمة".

أبعاد الندوة: حين يلتقي الإمام بالقراءاتِ المعاصرة

ما يميّزُ هذه الدورة من المؤتمر هو عنوانها الطموح: (مقاربات نقدية وقراءات بينية معاصرة)، مما يعكس رغبة جادة في تجاوز السرديات التقليدية، والخوض في تحليل سيرة الإمام (عليه السلام) بأدوات معرفية متعددة، تجمع بين علم الحديث وعلم النفس الاجتماعي، وعلم السياسة، والنقد التاريخي، والقراءات الفقهية المقارنة.

لقد عكست الأبحاث المقدمة في الجلسةِ البحثيةِ الأولى، التي ترأسها الشيخُ الدكتور حيدر السهلاني، والتي كانت مشعالًا من مشاعل العلم المتأجج، تلَالَتْ فيها خمْسة أَبحاث رصينة، كأنها عُقود من اللؤْلؤ تَتزين بها تَاج سيرة الإِمام الحسن (عليه السلام) هذا التوجه بوضوح؛ حيث تنوعت المواضيع بين:

- الدراسة الحديثية النقدية، للباحث رعد المرسومي الرضوي من العراق. (صلاة الوالي سعيد بن العاص على جثمان الإمام الحسن المجتبى -عليه السلام - في الميزان: دراسة حديثية نقدية).

ويدرس البحث مسألة أولوية الإمامة في الصلاة على الميت عند اجتماع الولي والوالي، عبر مناقشة رأي من آراء بعض المذاهب الإسلامية التي تذهب إلى تقديم الوالي، ومستنده ما نُسب إلى الإمام الحسين (عليه السلام) بشأن صلاة سعيد بن العاص على جنازة الإمام الحسن (عليه السلام) وقوله له: «تقدّم فلولا أنّها السنّة ما قدّمناك».

ويهدف البحث إلى دراسة هذه الروايات دراسة حديثية نقدية عبر فحص أسانيدها ومتونهـا وفق مناهج علم الحديث وقواعد الجرح والتعديل، مع مراجعة أقوال المذاهب الإسلامية وأدلتها، وبيان مدى صحة الاستدلال بهذه الأخبار في المسألة الفقهية.

ويخلص البحث إلى أنّ الحكم في هذه القضية ينبغي أن يُبنى على الروايات الثابتة بعد تمحيصها علميًّا، مؤكدًا أهمية الالتزام بالمنهج النقدي والإنصاف العلمي في تقويم الأخبار التاريخية والحديثية المتعلقة بالحادثة.

- الدراسة السيكولوجية، للباحث الشيخ ميثم آل سنبل القطيفي من السعودية وعنوان بحثه (ما بين الغمد والعبرة قراءة في سيكولوجيا المجتبى: دراسة تحليلية في بنية الخطاب والسلوك السياسي للإمام الحسن -عليه السلام- صبيحة نهوضه بأعباء الخلافة الربانية).

وتبحث هذه الدراسة بالقراءة والتحليل الخطبة التي ألقاها الإمام الحسن (عليه السلام) غداة استشهاد أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) في سنة 40هـ، بوصفها وثيقة تاريخية وسيادية بالغة الأهمية، في محاولة لاستنطاق النص المعصومي بأدوات تجمع بين الفلسفة الكلامية الحوزوية ومخرجات علم النفس الاجتماعي والسياسي الحديث، لتفكيك كيفية إدارة الأزمات الانتقالية الحرجة في تاريخ الأمة.

ويهدف البحث إلى تبيان العبقرية القيادية للإمام المجتبى (عليه السلام) عبر ثنائية (الغمد والعبرة)؛ حيث يعالج الخطاب سيكولوجيا الصدمة وفاجعة الفقد التي خيمت على المجتمع الكوفي، ويقودها نحو الضبط الانفعالي عن طريق ربط الوعي الجمعي بالمركز السماوي المطلق علة العلل، بالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي التفكيكي.

وتوصلت الدراسة إلى جملة من النتائج الجوهرية، أبرزها: نجاح الإمام (عليه السلام) في تأسيس شرعية مركبة تجمع بين البيعة الشعبية والنص النبوي على الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، وتقديم نموذج لزهده (عليه السلام) والشفافية السلطوية عبر مكاشفة تركته المادية (400 درهم) لكسر الهرمية الطبقية، فضلًا عن تجسيد العدالة الجنائية الصارمة في القصاص من قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام) من دون مساومة سياسية، مما أدى إلى وأد الفتنة وإرساء الأمن الاجتماعي.

- الدراسةِ النقديةِ للباحث الشيخ محسن مضاهر شعبان الطهراني من إيران وعنوان بحثه (دراسة نقدية لكتاب خامس الخلفاء الراشدين الإمام الحسن بن علي لحسن كامل الملطاوي).

وينطلق البحث من إشكالية رئيسة تتمحور حول المنهج الذي اعتمده الملطاوي في تقديم شخصية الإمام الحسن (عليه السلام)، وكيفية تفسيره لقضايا البيعة والصلح وموقفه من معاوية، مستكشفًا حدود قراءته التاريخية والعقدية لهذه المرحلة الزمنية.

وتكمن أهمية هذه الدراسة في بيان أن كتاب الملطاوي يجمع بين نزعة إنصافية واضحة تجاه الإمام الحسن (عليه السلام)، حرص فيها على إبراز منزلته وفضله وحكمته مع رفض تفسير الصلح بالضعف أو العجز، وبين قراءة محكومة بالإطار التقليدي لمذهبه في فهم الخلافة والشورى ووحدة الأمة؛ حيث جعل المؤلف الصلح في الغالب فعلًا وحدويًّا وأخلاقيًّا هدفه حقن الدماء، من دون أن يستثمر النصوص التي أوردها استثمارًا كافيًا في تحليل الأبعاد السياسية والعقدية الأعمق لموقف الإمام (عليه السلام) من الحكم الأموي.

- الدراساتِ التاريخية، للباحث السيد حسن العلوي من أفغانستان. (القول الحسن في تحقيق سمّ الإمام الحسن -عليه السلام)، وتبحث الدراسة في حادثة اغتيال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بالسّم، وتهدف إلى الكشف عن المخطط والعقل المدبّر لها عبر تتبع القرائن والشواهد التاريخية.

واعتمد الباحث منهجًا تحليليًّا قائمًا على جمع القرائن، واستنطاق النصوص التاريخية، وتمحيص الروايات وفق المعايير العلمية، مع مناقشة الشبهات التي أُثيرت حول الحادثة والرد عليها.

ويخلص البحث إلى أنّ الأدلة والقرائن التاريخية تؤكد مسؤولية السلطة الأموية عن التخطيط لاغتيال الإمام الحسن (عليه السلام)، وأنّ الجريمة جاءت ضمن سياسة استهدفت الإمام، بما يفضي إلى بناء إثبات تاريخي متكامل للحادثة.

وتضمنت فعاليات المؤتمر قصيدة في حق الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) قدمها الشيخ حسنين قفطان.

والبحث الخامس جاء بعنوان: (مشاركة معاوية في قتل الإمام الحسن: دراسة في روايات كتاب تاريخ مدينة دمشق) للباحث السيد حسن العلوي من أفغانستان.

وفي ختام فعاليات اليوم الأول للمؤتمر كرّم عضو مجلس إدارة العتبة العباسية المقدسة السيد ليث الموسوي ومستشار الهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة المقدسة الشيخ مسلم الرضائي، الباحثين المشاركين في الجلسة البحثية والمسهمين في نجاح فعالياته.

اليوم الثاني من فعاليات المؤتمر في رحاب جامعة بابل

وضمن فعاليات اليوم الثاني انطلقت في رحاب جامعة بابل فعاليات المؤتمر العلمي الدولي السنوي الثالث عشر لفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، بحضور أكاديمي وحوزوي رفيع المستوى، وبمشاركة باحثين من عدة دول عربية وإسلامية وأجنبية.

وشهدت الجلسة الافتتاحية حضور مسؤولي العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، وجمع من الشخصيات الأكاديمية والعلمية؛ حيث أكد المتحدثون على أهمية هذا المحفل العلمي في إحياء تراث الإمام الحسن (عليه السلام) واستلهام إرثه الإنساني والفكري.

كلمات الافتتاح.. تأكيد على المكانة العلمية للإمام "عليه السلام"

وتضمنت الفعاليات كلمة للعتبتين المقدستين قدمها رئيس جمعية العميد العلمية والفكرية الدكتور سرحان جفات أكد خلالها أنَّ: "المؤتمر العلمي لفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، يجسد استلهام إرثه العلمي والإنساني ويعكس الاهتمام بإحياء تراثه".



وقال جفات: إنّ استذكار الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) يجسد الاستجابة للتوجيه الإلهي في مودة أهل بيت النبي (صلوات الله عليهم أجمعين) وإحياء أمرهم الذي دعا إليه الأئمة المعصومون (عليهم السلام)؛ لما يحمله من ترسيخ للقيم الإيمانية والإنسانية.

وأضاف أنّ: "انعقاد المؤتمر العلمي الدولي الثالث عشر لفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في رحاب جامعة بابل يأتي استحضارًا للمكانة العلمية للإمام (عليه السلام)، واستلهامًا لإرثه الفكري والإنساني بوصفه منبعًا للمعرفة وبناء الوعي".

وبيّن جفات: "تقدم للمؤتمر 68 بحثًا باللغتين العربية والإنجليزية قُبل منها 44 بحثًا، بعد استيفائها معايير الرصانة العلمية والأصالة الفكرية والانسجام المعرفي، فيما رُفض 24 بحثًا لعدم استيفائها اشتراطات المؤتمر".

وأوضح أنّ: "البحوث المقبولة توزعت بين بحوث تُعرض في الجلسات العلمية وأخرى تقبل للنشر من دون عرض وفقًا لتقييم الخبراء العلميين مع مراعاة الوقت المخصص للجلسات والتنوع الجغرافي للباحثين".

وذكر جفات أنّ: "المؤتمر شهد مشاركة باحثين من العراق وإيران ومصر ولبنان واليمن والمغرب وبريطانيا وليبيا في تأكيد على الحضور العلمي العربي والدولي لفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)".

وفي ختام كلمته قدم الدكتور سرحان جفات شكره وتقديره إلى الجهات العلمية والمؤسسات التي أسهمت في إنجاح فعاليات المؤتمر، سائلًا المولى (عزّ وجل) أن يوفق الجميع لمواصلة خدمة العلم وإحياء تراث أهل البيت (عليهم السلام).

جامعة بابل: المؤتمر محطة علمية مهمة

من جانبه، أكد الدكتور ميثاق الجبوري في كلمة جامعة بابل أنّ: "المؤتمر يمثل محطة علمية مهمة لإثراء الدراسات المتعلقة بسيرة الإمام (عليه السلام)، ويسهم في كشف الحقائق التاريخية".



واستهل الجبوري كلمته في الترحيب بالمشاركين والباحثين، مثمنًا جهود الجهات المنظمة في إقامة هذا الحدث العلمي السنوي واستضافته في جامعة بابل، لافتًا إلى أنَّ: المؤتمر العلمي الدولي الثالث عشر لفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) يمثل محطة علمية مهمة لإثراء الدراسات المتعلقة بسيرة الإمام (عليه السلام)، ويسهم في كشف الحقائق التاريخية.

وقال: "إنَّ سيرة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ما تزال تمثل ميدانًا علميًّا خصبًا يحتاج إلى المزيد من الدراسات والبحوث الرصينة"، لافتًا إلى أنّ: "مرحلة خلافته وما رافقها من أحداث سياسية وتاريخية تستوجب قراءة علمية دقيقة تكشف الحقائق وتزيل الشبهات التي أثيرت حولها".

وأشار إلى أنَّ: "صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية لم يكن خيارًا طوعيًّا، وإنما فرضته ظروف الأمة وما شهدته من انقسامات وخيانات داخل جيش الإمام (عليه السلام)"، مؤكدًا أنَّ: "هذا الموقف الحكيم أسهم في حفظ الإسلام وكشف حقيقة المشروع الأموي، ومهَّد الطريق لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وثورة عاشوراء".

ودعا الجبوري الباحثين والأكاديميين إلى توجيه المزيد من الدراسات نحو الجوانب الفكرية والفقهية والقضائية في حياة الإمام الحسن (عليه السلام)، وإبراز دوره في قيادة الأمة وترسيخ المبادئ الإسلامية، بما يسهم في إنصاف هذه المرحلة التاريخية وإغناء المكتبة الإسلامية بالبحوث العلمية الرصينة.

كلمات متتابعة.. ترسيخ للقيم الإسلامية

وتلتها كلمة لكلية التربية للعلوم الإنسانية في الجامعة ألقاها الدكتور محمود الشمري أكد فيها: "إنّ هذه المحافل تعيد قراءة النصوص المتعلقة بأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، والأحداث التاريخية التي مرت بها الأمة الإسلامية؛ بهدف تشخيص الهفوات وتعزيز ثقافة المجتمع وترسيخ القيم الإسلامية الأصيلة".



وأضاف أنّ: "أقلام الباحثين المتخصصين المهتمين بما أوتوا من مؤهلات علمية وإتقان للمناهج البحثية، ستسهم في رصد الحقائق التاريخية عن سيرة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) وكشف الملابسات عن الأحداث واستنباط العبر والسنن التي تؤسس لنا مجتمعًا سليمًا يرصد السلبيات ويشخص الحلول ويتجاوز العقبات".

وأشاد عميد الكلية بالجهود التي بذلتها اللجان العلمية والتحضيرية للمؤتمر، مقدمًا شكره للعتبتين المقدستين لرعايتهما فعاليات المؤتمر ودعمهما للحركة العلمية والبحثية.

وأعقبتها كلمة الهيأة العليا لمشروع الحلة مدينة الامام الحسن المجتبى (عليه السلام) ألقاها السيد عبد الرضا مخيف عيدان قدم فيها شكره وتقديره للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية والجهات الساندة لإقامة هذا المؤتمر العلمي.



وقال عيدان: "نثمن الرعاية المباركة والدعم المتواصل من إدارة العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، للمؤتمر العلمي الدولي الثالث عشر لفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)؛ لما يمثله هذا الدعم من إسهام مهم في تعزيز الحركة العلمية والثقافية الخاصة بدراسات أهل البيت (عليهم السلام)".

وأضاف أنّ: "إقامة هذا المؤتمر تأتي ضمن مسار علمي وثقافي يهدف إلى التعريف بمبادئ الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، ونشر قيمه السامية، وإحياء تراث أهل البيت (عليهم السلام)، مما يرفد المكتبة الإسلامية بالبحوث والدراسات الرصينة".

وبيّن أنّ: "الهيأة العليا لمشروع الحلة مدينة الإمام الحسن (عليه السلام) تقدر جهود الأساتذة والباحثين المشاركين في المؤتمر، وما قدموه من بحوث ودراسات علمية أسهمت في إبراز جوانب مهمة من سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) ومآثره، كما تشيد بجهود اللجان العليا والعلمية والتحضيرية؛ لما بذلته من جهود مخلصة في الإعداد والتنظيم وإنجاح هذا المحفل العلمي".

جلسات بحثية علمية متنوعة

شهد اليوم الثاني انعقاد ثلاث جلسات بحثية، ترأس الجلسة الأولى الأستاذ الدكتور عباس ديغان، والثانية الأستاذ الدكتور فريد الهنداوي، بمشاركة باحثين من العراق وكندا والهند وإيران والمملكة المتحدة وباكستان، وتنوعت الأبحاث المقدمة لتشمل محاور متعددة:

البحث الأول: قدم الباحث الشيخ مهدي عباس حمدان الربيعي بحثًا بعنوان: (المنطلقات القرآنية لصلح الإمام الحسن المجتبى -عليه السلام- ومعالمه الحقوقية والسياسية وأثرها في إرساء قيم التعايش السلمي/ دراسة تحليلية استنباطية).

وتهدف الدراسة إلى التفكيك التاريخي لطبقات الرواية المشوهة ونقدها منهجيًّا، عبر تحقيق اتساقها مع ذات الإمام المعصومة وسلوكياته الرسالية؛ وتحليل بنود الصلح بوصفها عقداً اجتماعيًّا على ثلاثة مستويات: السياسي والعقدي والحقوقي؛ واستخلاص منظومة التعايش القرآنية من الإرث الحسني وتأهيلها للتوظيف المعاصر في بناء السلم المجتمعي.

ويتوزع البحث على ثلاثة مقاصد: التأصيل المفاهيمي للصلح والتعايش وفقه السلم والمصلحة من المنظور القرآني، وتأطير الصلح الحسني بوصفه امتداداً لصلح الحديبية وتمهيداً لنهضة كربلاء في ضوء نقد القراءات التاريخية المشوهة؛ ثم بيان المنطلقات القرآنية للصلح الحسني بوصفه نموذجاً للعقد الاجتماعي وأثرها في إرساء قيم التعايش السلمي.

وتخلص الدراسة إلى أن الصلح الحسني كان خياراً استراتيجيًّا رساليًّا حافظ على النواة المؤمنة من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، ومنع استئصالها، كما مثّلت بنوده نموذجاً مبكراً لتقييد السلطة بالمرجعية الشرعية، وصون حق المعارضة السياسية، وضمان الأمن العام.

وتؤكد النتائج أيضاً أن الصلح أسس لمنظومة قرآنية في التعايش تقوم على حفظ الكيان الإسلامي، والاعتراف بالتعددية، والتسامح العملي، والعدل الموضوعي، بما يجعله قابلاً للاستثمار المعاصر في بناء السلم المجتمعي.

البحث الثاني: ورقة بحثية تتناول الإيكولوجيا الروحية في الخطاب الدعائي للإمام الحسن (عليه السلام).

قدم الباحث الأستاذ الدكتور عامر صلاّل راهي الحسناوي من جامعة الكوفة/ كلية التميز في اللغة العربية وآدابها، بحث بعنوان: (الإيكولوجيا الروحية: دراسة نسقية في الخطاب الدعائي للإمام الحسن المجتبى "عليه السلام").

وتروم الورقة البحثية دراسة الإيكولوجيا الروحية في أدعية الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام)، والكشف عن الأبعاد النفسية والوجودية والكونية التي ينطوي عليها الخطاب الدعائي الحسني، وقد انطلقت الورقة من فرضية مفادها أنّ هذه الأدعية لا تمثل خطابًا تعبّديًّا محضًا، بل تؤسس لنظام روحي متكامل يعيد تنظيم علاقة الإنسان بالله تعالى، وبذاته، وبالكون، وبالآخر داخل إطار من التوازن والانسجام والرحمة.

واعتمدت ورقة البحث المنهج التحليلي التأويلي في قراءة النصوص الدعائية للكشف عن البنى الدلالية والجمالية التي تنتج رؤية روحية متكاملة للعالم والإنسان، وقد توزعت على محورين، تناول الأول الإيكولوجيا الروحية في العلاقة بين الإنسان والله سبحانه عن طريق دراسة الأنس الإلهي، والتوكل والتسليم، وجدلية الذنب والرحمة، أما المحور الثاني فقد عالج الإيكولوجيا الروحية في العلاقة بين الإنسان والكون والآخر عبر تحليل الوعي الكوني، واستعادة التوازن الاجتماعي، والإيكولوجيا الروحية للأزمات.

وخلصت الورقة إلى أنّ أدعية الإمام الحسن (عليه السلام) تؤسس لرؤية حضارية تجعل من الروح مركزًا لإصلاح الإنسان والعالم، وتحوّل الدعاء إلى أداة لإعادة بناء الذات وتحقيق التوازن النفسي والأخلاقي والوجودي، كما بيّنت أنّ هذه الأدعية تسهم في معالجة القلق والاغتراب والعنف الروحي عبر ترسيخ الأنس بالله تعالى، وتعميق اليقين، وإعادة إنتاج الانسجام بين الإنسان والكون والآخر.

البحث الثالث: دراسة تحليلية تكشف دلالات أحاديث الإمام الحسن (عليه السلام) في نتائج الصلح مع معاوية.

قدم الباحث الدكتور أصغر طهماسبي البلداجي من إيران بحثًا علميًّا بعنوان: (دراسة تحليلية تكشف دلالات أحاديث الإمام الحسن (عليه السلام) في نتائج الصلح مع معاوية).

واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، من خلال استقراء الروايات الواردة عن الإمام الحسن (عليه السلام) في تفسير الصلح وبيان أهدافه، ثم تحليل مضامينها في ضوء الظروف السياسية والاجتماعية التي صدرت فيها.

وتناول الباحث في دراسته الأبعاد الفكرية والتاريخية لأحاديث الإمام الحسن (عليه السلام) المرتبطة بمرحلة الصلح مع معاوية، بوصفها نصوصاً مهمة في فهم أهداف الإمام (عليه السلام) ومقاصده من هذا الموقف التاريخي المفصلي.

وأوضح الباحث أن معظم الدراسات ركزت على أسباب الصلح وملابساته، في حين لم تحظ أحاديث الإمام الحسن (عليه السلام) المرتبطة بنتائج الصلح وآثاره الواقعية بالقدر الكافي من البحث والتحليل، مبيناً أن هذه الدراسة تسعى إلى قراءة تلك الأحاديث بوصفها نصوصاً أصيلة تكشف مقاصد الإمام (عليه السلام) وتوضح أبعاد موقفه.

وبين الباحث أن الإمام الحسن (عليه السلام) قدم في خطابه فهماً دقيقاً لنتائج الصلح، فلم يكن تراجعاً عن الحق، بل كان موقفاً رساليًّا يهدف إلى حفظ النفوس، وصيانة البقية المؤمنة، وكشف حقيقة السلطة الأموية، وإقامة الحجة على الأمة.

وأشار إلى أن نتائج البحث أظهرت أنَّ أحاديث الإمام الحسن (عليه السلام) تكشف آثار الصلح في جوانب متعددة، من أبرزها حماية الجماعة المؤمنة من الاستئصال، وإبقاء خط الإمامة حاضراً في الوعي الإسلامي، وبيان حقيقة معاوية في نقض العهود وطلب الملك، فضلاً عن تهيئة الظروف التاريخية لتمييز الحق من الباطل.

وأكد الباحث أن نتائج الصلح، كما تتجلى في كلمات الإمام الحسن (عليه السلام)، تمثل دليلاً على عمق بصيرته، وحسن تدبيره، ووعيه بآثار الصراع في تلك المرحلة التاريخية.

البحث الرابع: دراسة تفسر مضامين هدنة الإمام الحسن (عليه السلام) وأثرها في تحقيق السلم الأهلي.

قدم الباحث الشيخ حيدر كاظم جاسم بحثًا بعنوان: (السلم الأهلي في فكر الإمام الحسن "عليه السلام" دراسة موضوعية).

ويتلخص البحث في بيان مدى العلاقة الوطيدة بين سياسة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مع التشريع الإسلامي بأدواته الشرعية في بيان الحقائق، وتفسير موقف الإمام الحسن (عليه السلام) في الهدنة مع معاوية، اعتمادًا على أنّ الحرب هي آخر الدواء في مفهوم سياسة أهل البيت (عليهم السلام)، ووفق ما تميزوا به بعدم البدء بالحرب مع عدو حتى يناجزهم القتال.

وبيّن الباحث أنّ: مشروع الهدنة تعرض إلى تشويه أموي وهجمة عباسية شعواء رامت النيل من منافعه والطعن بقدسية صاحبها (عليه السلام)، مشيرًا إلى أهم المصالح التي تحققت بفضل هذه الهدنة على المستوى الاجتماعي، ومتى غدر معاوية ونكث عهده بالاتفاقية المبرمة، وما حال الرواة الذين طعنوا بحكمة الهدنة وقللوا من أهميتها.

وبناءً على ذلك قُسّم البحث إلى تمهيد ذُكر فيه المنهج الإسلامي في مسألة السلم المجتمعي، وما هي مرتكزات السياسة النبوية في هذه الأمة، وفي البحث ذُكرت أهم مبررات الهدنة الحسنية وحكمتها على الصعيد الديني والاجتماعي.

البحث الخامس: بحث علمي يسلط الضوء على أصول الاستدلال المعرفية في خطاب الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).

تناول الدكتور خالد إسماعيل صاحب في بحثه الموسوم (أصول الاستدلال المعرفية في خطاب الإمام الحسن المجتبى عليه السلام) المرتكزات الفكرية والمعرفية التي استند إليها خطاب الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).

وبيّن الباحث أنّ خطاب الإمام الحسن (عليه السلام) يمثل امتدادًا لتراث النبوة والإمامة؛ لما يحمله من قيم ومعارف أسهمت في بناء الوعي الإسلامي، مشيرًا إلى أنّ: المراحل المختلفة من حياة الإمام (عليه السلام) شهدت أحداثًا سياسية واجتماعية مهمة انعكست في خطابه وشكّلت رصيدًا معرفيًّا غنيًّا.

وأوضح أنّ الدراسة اعتمدت النظرية التداولية في تحليل الخطاب؛ بهدف الكشف عن المرجعيات المعرفية التي قامت عليها كلمات الإمام الحسن (عليه السلام)، وبيان أبعادها الفكرية وآليات تأثيرها عبر الأفعال الإنجازية، والاستدلال الحجاجي، والإشاريات التداولية.

وأشار إلى أنّ: البحث تناول أربعة أصول معرفية رئيسة، تمثل أولها في الأصل القرآني، بوصف القرآن الكريم المصدر الأعلى للمعرفة الإلهية في خطاب الإمام (عليه السلام)، فيما تناول الأصل الثاني المرجعية النبوية التي تمثل الامتداد الشرعي لما ورثه الإمام عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله).

وأضاف أنّ الأصل الثالث تمثل في المرجعية الإمامية المستندة إلى ما نقله الإمام الحسن (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، في حين تناول الأصل الرابع المعارف الذاتية المرتبطة بمقام الإمامة، وما منحته من قوة تأثير ومصداقية لخطابه.

وأكد الباحث أنّ هذه الأصول تكشف عمق البنية المعرفية في خطاب الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وتبرز مكانته الفكرية والحجاجية، مما يسهم في فهم أسس الخطاب الإسلامي في تلك المرحلة التاريخية.

البحث السادس: بحث علمي يناقش خلافة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في كتاب للمستشرق البريطاني وليم موير.

قدمت الباحثة م.د. أمل حمودي رشيد بحثًا بعنوان: (خلافة الإمام الحسن بن علي المجتبى "عليه السلام" في كتاب الخلافة، صعودها، انحدارها، سقوطها، للمستشرق البريطاني وليم موير -ت 1905م-).

وتناول البحث اهتمام المستشرقين بالتاريخ السياسي الإسلامي، مستعرضًا منهج وليم موير في مؤلفه (الخلافة: صعودها، وانحدارها، وسقوطها)، الذي عرض فيه تاريخ الدولة الإسلامية منذ نشأتها حتى العصور اللاحقة، مع التركيز على مرحلة خلافة الإمام الحسن (عليه السلام).

وبيّنت الباحثة أنّ الدراسة كشفت عن تبني موير منهجًا متعصبًا تجاه أهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ فسّر صلح الإمام الحسن (عليه السلام) بوصفه نتيجة للاضطرابات السياسية وعدم القدرة على إدارة المرحلة، متجاهلًا مبدأ الخلافة الإلهية ومنزلة الإمام وأهل البيت (عليهم السلام) في الفكر الإسلامي، وهو ما استدعى تقديم قراءة نقدية تستند إلى المصادر الإسلامية المعتبرة للرد على تلك الطروحات.

وأوضحت أنّ البحث جاء في ثلاثة مباحث: تناول الأول سيرة وليم موير ونشأته ومنهجه ومصادره الفكرية، فيما خُصص الثاني للتعريف بكتاب الخلافة وتحليل مصادره العربية والأجنبية، أما المبحث الثالث فقد ناقش الرؤية الاستشراقية لخلافة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) عند وليم موير، مقدمًا دراسة نقدية وتحليلية لآرائه في ضوء المصادر التاريخية والإسلامية الموثوقة.

البحث السابع: ورقة بحثية تتناول مفهوم الكمال الإنساني بين علماء النفس وروايات الإمام الحسن (عليه السلام).

شاركت م.د. سهاد حسين عبد الرضا بورقة بحثية بعنوان (الكمال الإنساني بين علماء النفس وروايات الإمام الحسن -عليه السلام-)، تناولت فيها مفهوم الكمال الإنساني من خلال دراسة مقارنة بين آراء علماء النفس والفلاسفة قديماً وحديثاً.

وبينت الباحثة أن مفهوم الكمال الإنساني لا يُعد من المفاهيم الحديثة المرتبطة بعلم النفس والفلسفة فحسب، بل له حضور متكامل في التراث الإسلامي، ولا سيما في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، التي تقدم رؤية شاملة لبناء شخصية الإنسان من الجوانب الجسدية والنفسية والعقلية والاجتماعية والروحية.

وأوضحت أنّ: الورقة اعتمدت المنهج الوصفي التحليلي المقارن، من خلال استعراض مفاهيم الكمال الإنساني لدى عدد من الفلاسفة وعلماء النفس، ومقارنتها بما ورد في روايات الإمام الحسن (عليه السلام)، بهدف بيان أوجه التشابه والاختلاف بين التصورات النفسية الحديثة والرؤية الإسلامية للكمال.

وأشارت إلى أنّ: روايات الإمام الحسن (عليه السلام) تقدم نموذجاً متوازناً للإنسان الكامل، يقوم على تهذيب النفس، وضبط الشهوات، وتحكيم العقل، وحسن التعامل مع الآخرين، فضلاً عن الاهتمام بالجانب الصحي والجسدي بوصفه جزءاً من بناء الشخصية المتكاملة.

كما تناولت الورقة دور القرآن الكريم في تحقيق الكمال الإنساني، من خلال الهداية والتوجيه وإصلاح السلوك، مؤكدة أن التدبر في آياته والعمل بتعاليمه يمثلان أساساً في ارتقاء الإنسان وتحقيق التوازن بين متطلبات الدنيا والآخرة.

وخلصت الباحثة إلى أنَّ روايات الإمام الحسن (عليه السلام) تقدم تصوراً شاملاً للكمال الإنساني، يجمع بين مختلف أبعاد الشخصية الإنسانية، ويؤكد أهمية التكامل بين العقل والنفس والجسد والقيم الروحية في بناء الإنسان الصالح.

تكريم المشاركين واختتام اليوم الثاني

اختُتمت فعاليات اليوم الثاني بتكريم الباحثين والمشاركين؛ حيث تناوب على التكريم كل من السيد عقيل الياسري رئيس قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، والدكتور سرحان جفات رئيس جمعية العميد، والدكتور رياض العميدي عضو الجمعية، والدكتور محمود الشمري عميد كلية التربية للعلوم الإنسانية.







يُذكر أن المؤتمر يسعى إلى تعزيز الدراسات الأكاديمية الخاصة بالإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وإثراء البحث العلمي عبر مشاركة دولية واسعة، لإبراز أبعاد شخصيته وفكره في مختلف الحقول المعرفية.

خلاصاتٌ ومرتكزات

لقد بدا واضحًا أنَّ مشروع إحياءِ فكر الإمام الحسنِ المجتبى (عليه السلام) قد دخل مرحلةً جديدةً، أكثر عمقًا وتنوعًا؛ حيث أصبح منصة للحوار العلمي الرصين بين مختلف التخصصات، وجسرًا للتواصل بين الحوزةِ العلميةِ والجامعةِ، وبين التراث والحداثة رافدًا مهمًّا لإغناء المكتبة الإسلامية ببحوث تنفض الغبار عنِ السيرة الحسنية، وتبرز أبعادها الحضارية والإنسانية.

أراد القائمون على هذا المؤتمر أن يقولوا للعالمِ: إنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) ليس مجرد اسم في صفحات التاريخ، بل هو نموذج حيّ للتعامل مع التحديات الفكريةِ والاجتماعيةِ المعاصرة، وأنَّ منهجه في الصلح وإدارة الأزمات، وتحصين الهوية، ونبذ الفرقة، هو الطريق الأقوم لبناء مجتمع مؤمن متكافل، يستلهم من سيرته نورًا يهدي إلى سواءِ السبيلِ.