من هذا المنطلق، أطلقت العتبة العباسية المقدسة فعاليات المؤتمر العلمي التمهيدي الأول؛ لإحياء ذكرى ألفية الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
نظم المؤتمر مركز الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق، التابع للهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة المقدسة، بالتعاون مع جامعة الكفيل ومعهد البحوث الشيعية – تورنتو، تحت شعار (حوزة النجفِ الأشرف: ألف عامٍ من العطاء) وبعنوان (تراث الشيخ الطوسي في الفكر الإسلاميّ والغربي: مقارباتٌ معاصرة) في مجمّع الإمام المرتضى (عليه السلام) التابع للعتبة العبّاسية المقدّسة بمدينة النجف الأشرف.
وتضمنت فعاليات المؤتمر كلمة المتولّي الشرعيّ للعتبة المقدّسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، إضافة الى إزاحة الستار عن ثلاثة كتبٍ تراثية لعددٍ من علماء الحوزة العلمية في النجف الأشرف، إلى جانب عرض فيلمٍ وثائقيّ عن سيرة الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) ونخبة من علماء الحوزة العلمية، وعرضٍ فيديويّ وقصيدة شعرية للشيخ باقر الجدي.
كما شهد المؤتمر انعقاد جلسات بحثية باللغتين العربية والإنجليزية، وعرض فيلم عن سيرة الشيخ الطوسي وتناول الفيلم أهمية مدينة النجف الأشرف، وأثرها في التاريخ الإسلامي، فضلًا عن سيرة الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، وانتقاله إلى النجف، إضافةً إلى استعراض أبرز أسماء علمائها، ومراحل تطورها وصولًا لألف عام.
في كلمته، دعا المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة سماحة العلامة السيد أحمد الصافي إلى تسليط الضوء على تراث الشيخ الطوسي وتعزيز الحراك العلمي في النجف الأشرف.
واستهل سماحته الحديث بالشكر للحاضرين من داخل العراق وخارجه، داعيًا الله تبارك وتعالى للحاضرين بالتوفيق والمثوبة لإحياء تراث النجف، من خلال إحياء الذكرى الألفيّة لحلول الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) في أرض النجف.
وفي أدناه نصّ الكلمة:
في تأريخنا -تأريخ الإمامية-، هناك أسماء لامعة وأسماء مهمّة تركت بصماتٍ واضحةً جدّاً في تطوّر الفكر الإمامي، سواء كان في عملية الاستنباط أو في أدوات الاستنباط، وقد تركوا لنا إرثًا ضخمًا جدًّا، بل إنّ بعض التراث إلى الآن لم يُكشَفْ عنه في عمقه، مثلًا العلوم الأدبية وعلوم اللغة، بل حتّى علوم الصوت، وما يتعلّق بهذا الفنّ.
وما زالت هناك مجموعةٌ جيّدة من التراث والمخطوطات التي تحدّثت بعلومٍ شتّى.
وتبرز هنا مكانة شيخ الطائفة (رضوان الله عليه) الشيخ الطوسي، وهو كما معلومٌ لديكم قضى أغلب وقته في بغداد؛ إذ كتب التهذيب وهو في عمر 25 عامًا، وكان تلميذًا مبرزًا للشيخ المفيد (رضوان الله عليه) الذي تُوفّي سنة 413 هـ، ثمّ بعد ذلك قام السيد المرتضى (رضوان الله عليه) بما قام به من حفظ تراث الإمامية في بغداد، إلى أن ارتحل للرفيق الأعلى في سنة 436 للهجرة، فنهض الشيخ الطوسي (رضوان الله تعالى عليه) بالمهمّة خير مسؤولٍ لخير فكرٍ، وكان الشخصيّة المبرّزة في بغداد.
إلى أن حصلت بعض الفتن -وللأسف أن تاريخنا حافل بهذه الفتن الطائفية-، التي عادةً ما تكون روح الانتقام حاضرةً فيها، سواء في حرق المكتبات أو ملاحقة الأشخاص.
ولا شكّ أن الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) كان هو الرمزية الواضحة، فحياته كانت معرّضة للخطر، إلى أن التجأ إلى النجف الأشرف في سنة 448 هـ وبقي فيها إلى 460، وكان عمره الشريف يقارب 72-73 سنة.
إن معالم الشيخ الطوسي كشخصيّةٍ يُمكن أن تدرس من جوانب متعدّدة، أوّلًا: هو شخصٌ يُعدُّ من النوابغ؛ إذ بذل جهده طوال حياته بالعلم والمثابرة، وقد انبرى في ريعان شبابه إلى أن يستفيد من كلّ الأعلام الذين سبقوه، وكان تلميذًا بارًّا للشيخ المفيد (رضوان الله عليه)، وهو رجلٌ جامعٌ للعلوم، فكان الشيخ المفيد واسع المعرفة، كثير التصانيف، سواء كان في علم الكلام أو في غيره، كتب في التاريخ وفي الوقائع وفي العقائد وفي الفقه، حتى أن رسالته المشهورة المقنعة، قد جعلها الشيخُ الطوسي في محور اهتمامه، فبيّن أدلّته من خلال كتابه (التهذيب)؛ إذ في الكتاب تخريج الأحاديث لكتاب المقنعة.
والشيخ المفيد من معالم عظمته أنه اعترف بفضله القاصي والداني، المُخالِف والمُؤالِف، حتّى أن بعضهم كان يمدحه مدحًا كثيرًا، إلى أن ذكر أنّه تُوفّي في 413 هـ-على تعبيره أراح الله البلاد والعباد منه-، بقدر ما كان الشيخ المفيد يمثّل موسوعةً من البراهين في علوم كثيرة.
الشيخ الطوسي هنا جلس، وهنا تتلمذ وأيضًا عند السيّد المرتضى، إلى أن جاء إلى النجف الأشرف، ولم ينقطع فيها.
مصنّفات الشيخ الطوسي كثيرة وواسعة، وإلى يومنا هذا، نحن نفتخر أن نفهم طريقة الشيخ الطوسي في معالجته لبعض المشاكل، سواء كانت الرجالية أو الفقهية، حتى أن الذي يتصدّى لشرح مشيخة الشيخ الطوسي اعتُبِر من الأفاضل الذين يملكون علمًا في هذا الاختصاص، والأعلام في المدارس الفقهية عندما يتعرّضون إلى مسألةٍ معيّنة لا يغفلون رأي الشيخ، سواء كان في المبسوط أو في الخلاف أو حتّى في النهاية، وهذا إن دلّ على شيء، يدلّ على أن الشيخ الطوسي ما زال حيًّا بعد ألف من السنين، نعم ما زال الشيخ الطوسي حيًا بعلمه وتراثه.
فمع هذا العمر المبارك، فإن عمر الشيخ الطوسي ليس 72 سنة إنّما عمره ألف عام، وما شاء الله إذا امتدّت الدنيا في النجف على خيرٍ وعافية، وكذلك في بقيّة المعاهد العلمية كقم، هذه كلّها من أعمار وعمر الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه)، فلا بدّ إذن - ووجدنا ذلك لزامًا علينا ونحن في النجف الأشرف - أن نعرّج على الشيخ الطوسي من أكثر من زاوية، فاقترن تاريخ النجف بالشيخ الطوسي، وإن كانت النجف قبل الشيخ الطوسي حاضرةً ومتمدّنةً؛ لأنّها مثوى أمير المؤمنين(عليه السلام) وكانت فيها حركةٌ علمية - كما يقول المؤرّخون - لكن ليست بالحركة التي نفخ في روحها الشيخ الطوسي، ويكفينا من عظمة الشيخ الطوسي أن آراءَهُ العلمية بقيت مهيمنة لمدّة تقرب من 80 سنة، لتسلّط الشيخ الطوسي علمياً على دروسه، وقوّة آرائه فيها.
حتى أنّ مخالفة الشيخ الطوسي في رأيه العلمي، ليس بالأمر الهيّن، إلى أن جاء الشيخ ابن إدريس، كما يُقال غيّر هذه الحالة وخير ما صنع، باعتبار أن الحركة العلمية الاجتهادية لا بُدّ أن تبقى قوية.
اليوم نقف على مقدّمة لمشروع، وإن شاء الله سيُكتب له النجاح بمساعدة جميع الإخوة ذوي الاختصاص في هذا الجانب، وهو الاهتمام بهذه الألفية المباركة، ألفية النجف الأشرف التي تبدأ في سنة 448، وهي السنة التي حلّ فيها الشيخ الطوسي، ففي 1448 يكون قد أتمّ ألف عام.
وكما عُنوِنَ هذا المؤتمر (ألف عامٍ من العطاء)، حتى تاريخيًا فإنّ المطّلع يعلم أنّه حتّى وإن خرجت الحوزات المتفرّعة في كربلاء والحلّة الفيحاء والشام ومشهد من الحوزة الأمّ في تلك الأمصار وحتّى إصفهان، لكن بقيت في النجف الأشرف نواة الحوزة قوية لم تجهض، رغم الأحداث الشرسة التي مرّت على البلاد في السابق وفي العصر الذي عاصرناه؛ حيث عشنا قسوة الأنظمة السابقة في سبيل إجهاض الحركة الفكريّة في النجف الأشرف.
اليوم تعيد النجف شبابيتها ونشاطها من خلال الحركة العلمية، والدراسة بوجود المراجع العظام والأفاضل، نسأل الله تعالى أن يطيل بأعمارهم ويوفّق جميع الأفاضل للنَهلِ من بركات النجف.
بدورها أكّدت الهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة أنّ الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) أسّس قاعدة معرفية شملت الحديث والفقه وأصوله وعلم الرجال والدعاء والكلام، جاء ذلك في كلمة الهيأة التي ألقاها السيد الدكتور عبد الحكيم الصافي، تناول فيها: "أنّ الهيأة العليا لإحياء التراث تحتفي بمرور ألف عام على مجيء شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (قدّس سرّه) إلى مدينة النجف الأشرف، مسلّطة الضوء على الإرث الكبير الذي أسّسه وما تركه من آثار علمية وفكرية متجددة عَبرَ العصور؛ إذ أسّس قاعدة معرفية واسعة شملت الحديث والفقه وأصوله وعلم الرجال والدعاء والكلام، ومن أبرز مؤلفاته: التهذيب، الاستبصار، المبسوط، الخلاف، عدّة الأصول، الفهرست، والرجال والمصباح".
وتطرّق إلى أنّ الشيخ الطوسي (قدّس سرّه): "اشتهر بلقب (شيخ الطائفة)؛ تقديرًا لما أسّس من مدرسة علمية وما تركه من تراث معرفي شامل، حتى أصبح مرجعًا للعلماء على مرّ العصور وأساسيًّا في مختلف فروع العلوم الدينية".
وأوضح في كلمته أنَّ الهيأة العليا لإحياء التراث: "أطلقت مشروعًا متكاملًا منذ أربع سنوات ركّز على التأليف وتحقيق مؤلّفات أساطين الحوزة العلميّة وتنظيم الندوات والمؤتمرات العلمية وتحقيق تراث الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، بما يسهم في صون الإرث المعرفي ونقله إلى الباحثين والدارسين في الداخل والخارج".
وبين الصافي أنّ الهيأة: "أصدرت ثلاثة كتب تراثية بارزة لعلماء الحوزة العلمية في النجف الأشرف، هي: هداية الأنام في حكم أموال الإمام للشيخ عبد الله المامقاني، ورسائل الفاضل الفشاركي للشيخ محمد باقر الفشاركي، وشرح مشيخة التهذيب للسيد محمد أشرف العلوي العاملي"، مؤكّدًا أنّ هذه الإصدارات: "تُعدّ إضافةً قيّمة وغنيّة للمكتبة العلميّة والفكريّة".
من جانبه، أكّد رئيس معهد البحوث الشيعية - تورنتو في كندا الشيخ الدكتور فيني خيتيا أنّ الشيخ الطوسي (قدّس سرّه): "خلّف تراثًا عِلميًّا ما تزال الدراسات الأكاديمية من مقالات علمية ورسائل جامعية تكتب عن فكره وإنتاجه في مختلف أنحاء العالم إلى يومنا هذا"، جاء ذلك في كلمته ضمن فعاليات المؤتمر.
واستهل خيتيا كلمته بالقول: "إنّ معهد البحوث الشيعية - الذي يزاول نشاطه العلمي في رحاب جامعة تورنتو - يحظى بدعم الجالية الشيعية في كندا، ويترأسه السيد محمد رضوى، وهو الممثل المعتمد لسماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه)".
وبين أنّ رسالة المعهد: "ترتكز على بناء جسور معرفية رصينة بين الجماعات الدينية والإيمانية المسلمة من جهة، والعالم الأكاديمي الغربي من جهة أخرى؛ سعيًا إلى ترسيخ حضور الدراسات الإسلامية والشيعية في السياقات العلمية المعاصرة عَبرَ قراءة واعية للنصوص، واستجابة مسؤولة للتحديات الفكرية والمعرفية التي يفرضها عصرنا".
وتطرق في كلمته إلى أنّ المعهد: "يؤدّي - عَبرَ تواصله المستمر مع المراكز الدينية والفكرية في أميركا الشمالية - دورًا محوريًّا بوصفه حلقة وصل حيوية بين التراث الحوزوي العريق والبعد الروحي من جهة، وبين المؤسسة الأكاديمية والمجتمع العام من جهة أخرى، وضمن هذا الأفق الرسالي، يطمح المعهد إلى الإسهام في مد جسور فكرية بين الشرق والغرب، في مرحلة تشتد فيها الحاجة إلى الحوار المعرفي الجاد والريادة العلمية المسؤولة".
وذكر: "أنّنا نجتمع اليوم إلى جانب شركائنا في النجف الأشرف؛ للاحتفاء بهذه المناسبة المتمثلة في اقتراب الذكرى الألفية لتأسيس الحوزة العلمية في النجف الأشرف، التي تعد منارة للاجتهاد، ومركزًا لإنتاج الفكر الإسلامي الأصيل، وبيّن أنّ هذا اللقاء خُصص لبحث إسهامات الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، وتراثه العلمي، ومنهجه الفكري، ذلك العلم الذي خلّدته الذاكرة العلمية الإمامية بلقب (شيخ الطائفة)".
وأشار إلى أنّه: "قَلَّمَا خلّف عالم في تاريخ الفكر الإمامي تراثًا علميًّا بالغ العمق والاتساع، كالذي خلّفه الشيخ الطوسي فقد انتقل إلى رحمة الله تعالى سنة 460هـ، ومع ذلك ما تزال الدراسات الأكاديمية، من مقالات علمية ورسائل جامعية تكتب عن فكره وإنتاجه في مختلف أنحاء العالم إلى يومنا هذا، وأي منزلة يبلغها عالم واحد، حتى يصبح تراثه محل عناية المؤرخين، والمتكلمين، والفقهاء، فضلًا عن الباحثين الأكاديميين في الشرق والغرب، فيفرد له مئات، بل آلاف الصفحات تحليلًا وبحثًا".
ونوّه إلى أنّ الشيخ الطوسي (قدّس سرّه): "كان خاتمة جيله ولا يمكن الإحاطة بحقيقة إسهامه إلّا ضمن سياقه التاريخي، بوصفه آخر عالم إمامي اضطلع بمهمة جمع الحديث وتدوينه قبل سقوط الدولة البويهية في بغداد، فإنّ الشيخ الطوسي يُمثل بحق نهاية مرحلة علمية كاملة، وفي الوقت نفسه بداية طور جديد انتقلت فيه مراكز الثقل العلمي إلى مدن أخرى".
وأشار إلى أنّ الشيخ الطوسي (قدّس سرّه): "كان عالمًا موسوعيًّا ألّف في التفسير، والحديث، والفقه، والكلام، والتاريخ، بل وحتى في الأدعية والعبادات، ومن ثم واصل تلامذته ومن جاء بعدهم بناء الصرح العلمي الإمامي عَبرَ شرح آثاره، وتهذيبها، ونقدها، ضمن تراث حي وسلسلة علمية متصلة ترجع في أصولها إليه".
الجلسات البحثية
تضمنت فعاليات المؤتمر مناقشة بحوث عدة، الأوّل لأستاذ البحث الخارج في حوزة قم المقدسة سماحة السيد محمد جواد الشبيري الزنجاني بعنوان: (المقارنة بين الأمالي الحديثية الثلاثة لمشايخ الطائفة: الصدوق والمفيد، والطوسي – رحمهم الله- مع التأكيد على أمالي الشيخ الطوسي -رحمه الله-).
وذكر أنّ الدراسة: "تستعرض مميزات الكتب الثلاثة من جهاتٍ عديدة، كـ(زمن الإملاء، ومكانه، ومخاطبيه) وبيان هذه الكتب من جهات الاشتراك كنوعية موضوع الأحاديث، والنقل عن مشايخ العامّة والخاصّة، وكذلك بيان جهات الاختلاف ما بين أمالي الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) وأخويه، من حيث نقله لأحاديث كلّ شيخٍ في مجلس أو مجالس متوالية، بخلافهما حيث أوردا في كلّ مجلسٍ أحاديث عدّة مشايخ".
وتابع عبر ملخّص بحثه أنّ: "طبعات أمالي الشيخ كلّها ناقصة؛ حيث وردت أحاديث كثيرة منه في بحار الأنوار لم ترد في طبعاته، مع عدم الترتيب في أوراق الكتاب من حيث التقديم والتأخير".
وأوضح أنّ الطبعة الأخيرة من الأمالي: "خلط فيها بين الروايات المختلفة للأمالي، من دون إيراد المعلومات الهامّة المذكورة في مختلف نسخه كتاريخ مجالس الإملاء، فكان من اللّازم إعادة تحقيقه وطبعه مرّة أخرى، بعد الفحص في المكتبات والخزانات للعثور على نسخةٍ كاملة مرتّبة خالية من النقص، وملاحظة جميع ما ورد من أحاديثه في بحار الأنوار وغيره من الجوامع الحديثية".
وجاء البحث الثاني بعنوان (من غيبةٍ إلى غيبة، ما الذي تغيّر بين كتاب الغيبة للنعماني وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي؟) للباحث الدكتور ماتيو تيريه، مدير الدراسات في علم الأديان/ المدرسة العملية للدراسات المتقدّمة في فرنسا.
ذكر الباحث في ملخص بحثه: "أنّ الدراسة تستعرض الفرق بين الكتابين من حيث استخدام مصادر النقل والعقل، والتغيرات التي طرأت على الروايات، وأسباب التحوّل الفكري، بما في ذلك الحاجة إلى بيان استمرار الغيبة الكبرى بعد أكثر من قرن والرد على اعتراضات الفرق الأخرى".
وأشار إلى أنّ البحث: "ركّز على توضيحات الطوسي (قدّس سرّه) حول التوافق بين غيبة الإمام (عجّل الله فرجه) والإمامة كلطف إلهي، والدفاع عن البداء، ومراجعة الشهود والممثلين المزعومين للإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، في سياق ترسيخ الهوية العقدية للتشيّع الإثني عشري وسط تعدد الاتجاهات المهدوية".
بدوره قدم أستاذ الحوزة العلمية في النجف الأشرف السيد غيث شبّر، بحثًا علميًّا بعنوان (رجال البرقي ودوره في تصنيف كتاب الرجال للشيخ الطوسي قدس سره)، جاء ذلك في الجلسة البحثية الصباحية باللغة العربية من اليوم الثاني للمؤتمر.
وأكد في ملخص بحثه أنّ هذا البحث: "يُعد دراسة نقدية لكتاب (رجال البرقي)، ويسعى لإثبات أهمية هذا الكتاب كمصدر أساس اعتمد عليه الشيخ الطوسي في تأليف كتابه (الرجال)".
وأضاف أن أبرز النتائج التي توصل إليها البحث: "هي أنّ نسبة الكتاب لأسرة البرقي سواء محمد بن خالد أو ابنه أحمد صاحب المحاسن، تمثل معضلة للرجاليين المعاصرين؛ بسبب اضطرابات زمنية وطبقية، فظل الكتاب طيّ الإهمال، وكان يستخدم للاستئناس والتأييد فقط، ومن الممكن أن يكون مؤلفه هو سعد بن عبد الله الأشعري، أو عبد الله بن جعفر الحميري، أو شخص آخر من آل البرقي في طبقة متأخرة".
وتابع: "أن (رجال البرقي) كان المصدر الأساس الذي أخذ منه الشيخ الطوسي مادة كتابه في أبواب كثيرة، وأنّ المنهجية المتبعة في البحث اعتمدت على المقارنة بين تسلسل الأسماء في كتاب البرقي وكيفية ظهورها عند الشيخ الطوسي، وأوضحها أسماء أصحاب الأئمة (عليهم السلام)".
وبيّن شبّر: "أنّ الشيخ الطوسي اعتمد أولاً على كتاب (ابن عقدة)، ثم جعل كتاب البرقي مصدره الثاني في هذا الباب؛ حيث إنّ التصحيفات المشتركة بين الكتابين تؤكد ذلك"، لافتًا إلى أنّ البحث: "استعرض نحو 80 كتابًا من الكتب الرجالية القديمة المفقودة؛ ليبرز مكانة كتاب البرقي كواحد من الأصول القليلة الباقية، فضلًا عن تصحيح بعض الأخطاء فيما كان يُعتقد أنّها كتب رجالية، وهي واقعًا كتب في الحديث أو السير مثل (كتاب المشيخة للحسن بن محبوب)".
وفي بحث آخر سلط الضوء على موقف الشيخ الطوسي من أحاديث زيد بن علي (عليه السلام) بكتابه (تهذيب الأحكام) قدم الباحث والمحقق السيد علي رضا الحسيني من مركز الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق/ فرع قم التابع للهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة، دراسة بعنوان (موقف الشيخ الطوسي من أحاديث زيد بن علي بن الحسين -عليه السلام- في كتابه تهذيب الأحكام).
وذكر الحسيني في ملخص بحثه أنّه: "لا يخفى على المطلعين ما لدور كتاب (تهذيب الأحكام) للشيخ محمد بن الحسن الطوسي (قدس سره) من قيمة علمية بالنسبة للمحققين والباحثين في علمي الحديث والفقه وغيرهما، وقد بقيت بعض الزوايا الخفية التي لا بد من إزاحة الستار عنها؛ لكي تعرف حقيقية هذا الكتاب القيم وما بذله الشيخ فيه، ومعرفة موقف الشيخ (قدس سره) من الأحاديث التي أوردها في هذا الكتاب بصورها المتعددة كدليل على إثبات حكم شرعي، أو كون الحديث معارضًا للدليل أو الأدلة التي أقامها الشيخ على إثبات الحكم، أو كون الخبر شاهدًا للجمع بين خبرين، أو طائفتين من الأخبار التي توهم التعارض بينهما".
وأضاف أنّ من هذه الأحاديث: "ما ورد عن زيد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) التي أوردها الشيخ، وأمر هذه الأحاديث مشترك بين الدليل والشاهد والمعارض كما هو الحال بالنسبة إلى الأحاديث من مختلف المذاهب الإسلامية"، مبينًا أنّ في هذا البحث: "نلفت النظر إلى هذه الأحاديث التي وردت عن طريق محمد بن أحمد بن يحيى، خصوصًا كنموذج عملي، ويتبين من خلاله أنّه لا فرق في طريقة تعامل الشيخ (قدس سره) وموقفه بين أحاديث زيد بن علي وهي مروية عن رجال الزيدية والعامة، وبين سائر الأحاديث التي رواها أصحابنا، أو رواها رواة العامة، وأنّ عمل الشيخ (قدس سره) تابع للشرائط والظروف الحاكمة حول موضوع الأحاديث وأحكامها".
في بحث اخر قدم أستاذ الحوزة العلمية في النجف الأشرف الباحث الشيخ علي الغزي، دراسة بعنوان (الشيخ الطوسي والكبرى الرجالية تأصيلًا وتطبيقًا).
لفت الباحث النظر في ملخص بحثه، إلى أن كتب الشيخ الطوسي: "قد أسهمت في التنظير لأربع قواعد رجالية مهمة منتشرة في طيات كتبه وهي: أصحاب الإجماع وقد ذكرها في كتاب (اختيار معرفة الرجال) - وثاقة من روى عنه أحد المشايخ الثلاثة، وقد ذكرها في كتاب (العدة في أصول الفقه) - رواية بني فضّال، وقد ذكرها في كتاب (الغيبة) - من استثناه القُميون من كتاب نوادر الحكمة، وقد ذكرها في كتاب (الفهرست)".
وبين أنّ هذا البحث: "سيقف على القاعدة الأخيرة؛ لامتيازها عن الأخريات بكون الشيخ لم يكتف بالتنظير لها فقط، بل استفاد منها تطبيقيًّا أيضًا في معرفة بعض أحوال الرواة وتشخيصها، وقُسم البحث على ثلاثة أمور هي نسبة الاستثناء وناقش بعض فقراته، منشأ الاستثناء، وتطبيقات الاستثناء".
من جانبه قدم عضو الهيأة العلمية في دائرة المعارف الإسلامية بطهران الدكتور محمد كاظم رحمتي، بحثًا علميًّا تناول تاريخ تأليف الشيخ الطوسي لكتاب الفهرست.
ذكر الباحث في ملخص البحث أنّ الدراسة: "تتناول تحقيقًا لزمان تأليف كتاب الفهرست للشيخ الطوسي، وتبيّن عبر تحليل الأدلة التاريخية، والنسخ، والمقارنة بين الفهارس، أنّ هذا الكتاب أُلف في النجف الأشرف في أواخر حياة الشيخ الطوسي، لا في بغداد".
وأضاف أنّ الشيخ الطوسي: "اعتمد في تأليف كتابه على فهرس شيعي قديم لم يصل إلينا، ثم قام بتحديثه وإكماله مع الاستفادة من مصادر أخرى، ومنها نسخة نفيسة من فهرست ابن النديم، وبعض الإجازات التي كانت بحوزته".
بدوره قدم مدير معهد التراث العلوي في مدينة قم المقدسة الدكتور السيد محمد الطباطبائي، مقالة علمية تناقش الأهمية البالغة في معرفة مشايخ الشيخ الطوسي (قدس سره).
أشار الطباطبائي في ملخص مقالته: "أنّها تؤكد الأهمية العلمية البالغة لمعرفة مشايخ الشيخ الطوسي؛ وذلك لأمور عدة، منها أنّ أغلب طرق الرواية الشيعية تمر به، وأنّ كثيرًا من مؤلفاته أُحرقت، فضاع معها ذكر عدد كبير من أساتذته، إضافة إلى أنّه عاش في عصر ازدهار علمي كبير، ودرس في مراكز علمية كبرى كـ (نيشابور، وبغداد، والكوفة)".
وأضاف أنّ المقال: "يقسم مشايخ الشيخ الطوسي إلى أقسام، وهم: مشايخه قبل الهجرة إلى بغداد، ومشايخه في بغداد، ومشايخه بعد الهجرة، ومن نُسبوا إلى مشيخة الشيخ الطوسي خطأً".
واستعرض ملخص المقالة إلى أنّ المؤلف: "بذل جهدًا نقديًّا في تمييز المشايخ الحقيقيين عن الملتبسة أسماؤهم بهم، وتصحيح التحريفات الواقعة في الأسماء والأنساب، معتمدًا على المقارنة الدقيقة بين المصادر الرجالية والتاريخي".
وشهدت فعاليات اليوم الثاني انعقاد الجلسة البحثية باللغة الإنكليزية، وتضمنت الجلسة التي ترأسها السيد فاضل بحر العلوم، مشاركة عدد من الباحثين، كل من: الدكتور روبرت جليف من جامعة إكستر البريطانية، ببحثه الموسوم (أصول الفقه والأحكام الفقهية في نظريات الشيخ الطوسي)، والسيد كاظم مددي من الحوزة العلمية في قم المقدسة، ببحثه (حمل الروايات على التقية عند الشيخ الطوسي، دراسة تاريخية).
وشارك في الجلسة أيضًا الدكتور بروس فادج من جامعة جنيف السويسرية، ببحث حمل عنوان (الشيخ الطوسي والتبيان في الدراسات الغربية)، والشيخ حبيب زعتر من الحوزة العلمية في قم المقدسة، ببحثه (دراسة في منهج الشيخ الطوسي في كتاب مصباح المجتهد)، والسيد الدكتور صادق المروج من جامعة الكوفة ببحثه المعنون (منهج الشيخ الطوسي في التعامل مع المخالفين، دراسة في الجوانب الفقهية والأخلاقية والعقدية).
وضمن جلسة الختام كشفت دراسة علمية كندية قدمها الباحث فيني خيتيا، عن أنّ كتاب مصباح المتهجد للشيخ الطوسي (قدس سره) أسهم في تربية نمط من الحياة عند العامة والعلماء.
جاء ذلك عبر بحث علمي قدمه خيتيا بعنوان (مصباح المتهجد للشيخ الطوسي وأثره في التراث العلمي الشيعي) في الجلسة الختامية للمؤتمر العلمي التمهيدي الأول، لإحياء ذكرى ألفية الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
جاء في ملخص البحث: "أنّ كتاب (مصباح المتهجد وسلاح المتعبد) ومختصره (مختصر المصباح)، كلاهما من تأليف الشيخ الطوسي، ويُعدان من أقدم كتب الأدعية، وقد وصفهما الطهراني بأنّهما من قبيل الأصول الدعائية العائدة إلى الحقبة التأسيسية في تاريخ التشيع الاثني عشري، وأنّ أهمية هذا النص في الحياة التعبدية لدى الشيعة، يمكن مقارنتها بعمل لاحق هو كتاب (مفاتيح الجنان) للشيخ عباس القمي، الذي أصبح المرجع الرئيس للممارسات العبادية في الوسط الشيعي".
وبين أن مصباح المتهجد للشيخ الطوسي: "أسهم بوضوح في بلورة رؤية مخصوصة للتقوى الشيعية، وفي تربية نمط من الحياة المتديّنة عند العامة والعلماء من الشيعة على السواء، حياة منظمة وفق الساعات والأيام والشهور".
وأضاف: "تهدف الدراسة إلى بحث جانبين أساسيين مرتبطين بـ (مصباح) الطوسي وهما :
أولاً: دراسة تلقي هذا النص عبر التاريخ من حيث روايته، وانتقاله، ومخطوطاته، ومن خلال ذلك تحاول هذه الدراسة أن تظهر أنّ إرثه التأسيسي قد تجلى بوضوح في الإجازات الكثيرة المبكرة والهوامش التي ارتبطت بالمصباح منذ عصر تأليفه وامتدت إلى العهد الصفوي، مما يدل على الأهمية البالغة والمكانة الموثوقة التي أولاها علماء الشيعة المتعاقبون لهذا النص".
وتابع: "أنّ الجانب الثاني هو استجلاء بعض الموضوعات البارزة التي يشتمل عليها النص، وعلى رأسها التوازن في الأعمال العبادية بين عبادة الله تعالى وبين إظهار المحبة والولاء للمعصومين الأربعة عشر، إنّ هذا التشابك الدقيق بين الموضوعات والأنماط المتنوعة من الممارسات التعبدية المنتشرة في ثنايا المصباح، يشير إلى أثر ملموس في صياغة الحياة التعبدية الشيعية لألف عام تالية".
من جانبه أكّد الدكتور ماتيو تيريه مدير الدراسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا بجامعة باريس للعلوم والآداب في فرنسا، أنّ المؤتمر العلميّ التمهيديّ الأوّل، لإحياء ذكرى ألفيّة الحوزة العلمية في النجف الأشرف شكّل فرصة استثنائية لتعزيز التعاون العلمي والحوار الثقافي بين المؤسسات البحثية، جاء ذلك في كلمة الوفود المشاركة التي ألقاها ضمن فعاليات ختام المؤتمر.
وقال تيريه: "الدراسات حول الإسلام الشيعي شهدت في السنوات الأخيرة ازدهارًا ملحوظًا في أوروبا وأمريكا الشمالية، بعد أن كان ينظر إلى التشيع بوصفه مذهبًا هامشيًّا أو حركة احتجاج سياسي، وأنّ هذا التطور تجلى في تزايد المنشورات العلمية وتنظيم المؤتمرات المتخصصة" مشيرًا إلى أنّ: "الوصول إلى المصادر المخطوطة والمطبوعة في البلدان التي تمثل مراكز للتشيع، مثل العراق وإيران ولبنان، أسهم في هذا التحول".
وتابع أنّ: "الوصول إلى المصادر يعتمد على طبيعة العلاقات العلمية بين الباحثين الغربيين وعلماء تلك البلدان، مستشهدًا بتجربة المستشرق الفرنسي هنري كوربين، الذي أقام علاقات وثيقة مع علماء الشيعة، وهذا ما مكنه من فهم النصوص وصياغتها بلغة فلسفية أسهمت في فتح آفاق الحوار بين الثقافات".
وأوضح ماتيو تيريه أنّ: "الباحثين الغربيين المتخصصين في الدراسات الشيعية باتوا اليوم أكثر حاجة إلى التعاون مع علماء المراكز العلمية الكبرى، وفي مقدمتها حوزة النجف الأشرف، ليس فقط لأسباب علمية تتعلق بالمصادر وفهمها الدقيق، بل لتعزيز الحوار بين الثقافات في ظل التوترات التي يشهدها العالم".
وأشار إلى أنّ: "الوسط الأكاديمي الغربي أصبح أكثر تمثيلًا للتنوع الثقافي والديني، وأنّ المقاربة العلمية للظواهر الدينية لم تعد في تعارض مع المقاربة الدينية ذاتها".
وأكد أنّ: "المؤتمر العلمي التمهيدي الأوّل لإحياء ذكرى ألفية الحوزة العلمية في النجف الأشرف شكل فرصة استثنائية لتعزيز التعاون العلمي والحوار الثقافي بين المؤسسات البحثية".
وثمّن تيريه انعقاد المؤتمر في النجف الأشرف، واصفًا إياه بحدث علمي مهم ورمز لروح الحوار؛ لما تمثله المدينة من مكانة معرفية وتاريخية، فضلًا عن ارتباطه بتراث الشيخ الطوسي (قدس سره) الذي يجمع اهتمامات الباحثين في الفقه والحديث والتفسير والفلسفة وغيرها من الحقول العلمية والمعرفية.
واختتم كلمته بتقديم الشكر إلى إدارة العتبة العباسية المقدسة على حسن الضيافة وروح الشراكة، معربًا عن أمله في أن يمثل هذا اللقاء بداية مرحلة جديدة من تجديد العلاقات العلمية وتعزيز الحوار الثقافي بين البلدان المشاركة، ومنها إبراز دور علماء وأعلام حوزة النجف الأشرف.
في الختام أعلنت اللجنة التحضيرية للمؤتمر العلمي التمهيديّ الأوّل، لإحياء ذكرى ألفيّة الحوزة العلمية في النجف الأشرف توصياته، مؤكّدة على إبراز دور علماء الحوزة العلمية وأعلامها، جاء ذلك ضمن كلمتها التي ألقاها عضو اللجنة الشيخ محمد حسين العاملي، في ختام فعّاليات المؤتمر.
وقال العاملي: "إن حوزة النجف الأشرف لها أهمّيةٌ كبيرة بوصفها إحدى أقدم الحواضر العلمية في العالم الإسلامي، وأكثرها عراقة واستمراراً، وبمناسبة حلول ذكرى ألفية هجرة الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) من بغداد إلى النجف الأشرف، وإحياءً لهذه الذكرى تمّ العزم على إقامة مؤتمرٍ دوليّ يُعنى بإحيائها وما يترتّب عليها من خصائص ومميّزات علمية وحضارية".
وأضاف أن مركز الشيخ الطوسي: "أخذ على عاتقه إحياء هذه الذكرى من خلال مشروعٍ علميّ متكامل يُعنى بإحياء تراث الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، ودراسة ما كُتِب حول مؤلّفاته من شروحٍ وتعليقاتٍ وتقريراتٍ، وتلخيصاتٍ، على يد العلماء، والأعلام عبر القرون".
وتابع العاملي: "أن هذه الجهود التي استمرّت لأكثر من خمس سنوات بدأت تؤتي ثمارها، وبدعمٍ مباشرٍ من العتبة العبّاسية المقدّسة، ومتولّيها الشرعيّ سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أُِقيم هذا المؤتمر العلميّ التمهيديّ الدوليّ الأوّل لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف احتفاءً بهذه المناسبة."
وأصدرت اللجنة التحضيرية في ختام فعّاليات المؤتمر مجموعةً من التوصيات، جاءت على النحو الآتي:
1- تكثيف الجهود العلمية وتوحيد الطاقات وجمع القوى البحثيّة من مختلف الجهات والمؤسّسات والمراكز والمعاهد العلمية، من أجل خدمة تراث حوزة النجف الأشرف وأعلامها.
2- التعريف بحوزة النجف الأشرف وأعلامها على امتداد ألف عامٍ من العطاء العلميّ المتواصل، ورغم سعة هذا الميدان واتساعه إلّا إن قاعدة أمير المؤمنين (عليه السلام) التي رويت في العوالي: (ما لا يُدرك كُلّه، لا يُترك جُلّه)، تقتضي البدء بالتعريف والإشادة بكبار أعلامها، وبيان أدوار أبرز علماء النجف الأشرف خلال هذه القرون العشرة، لا سيّما القرون التي لم تحظَ بالدراسة والتحقيق الكافيَينِ.
3- إبراز دور حوزة النجف الأشرف بوصفها عاصمةً علميّة عريقة احتضنت على صغر رقعتها الجغرافية آلاف العلماء والأعلام الذين كان لهم أثرٌ بالغ في تشكيل الحضارة الإسلامية في مختلف ميادين العلم والعمل والجهاد والسياسة والاجتماع، شأنها في ذلك شأن كبريات الحواضر العلمية الإسلامية، كجامعة الأزهر في مصر، وجامعة الزيتونة في تونس، وجامعة القرويين في المغرب، بل لنا أن نقول إنها تناهز هذه الجامعات عمراً، وتفوق كثيراً منها أثراً وعدداً وتأثيراً في مسيرة الفكر الإسلامي.
4- تشجيع الدراسات المقارنة التي تبرز أثر الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) وحوزة النجف الأشرف في المدارس الفقهية والكلامية الإسلامية الأُخَر، وبيان امتداد هذا الأثر في الشرق والغرب.
5- العمل على إنشاء قاعدة بياناتٍ علمية رقمية شاملة تُعنى بتراث الشيخ الطوسيّ وحوزة النجف الأشرف، تضمّ المخطوطات والمطبوعات والدراسات والرسائل الجامعية بما يسهّل وصول الباحثين إليها عالمياً.
6- دعم الباحثين الشباب، وطلبة الدراسات العُليا، وحثّهم على اختيار موضوعاتٍ بحثيّة تتصل بتراث الشيخ الطوسيّ، وحوزة النجف الأشرف؛ عبر المنح البحثية، والورش العلمية، والبرامج التدريبية المتخصّصة.
7- التأكيد على أهمية ترجمة الدراسات الرصينة المتعلّقة بالشيخ الطوسي، وحوزة النجف الأشرف، إلى اللغات الحيّة لا سيّما الإنجليزية والفرنسية؛ لتعزيز الحضور العلمي العالمي لهذا التراث.
8- الاستمرار في عقد المؤتمرات والندوات العلمية الدورية بوصفها منصّةً للحوار العلمي الرصين، وتبادل الخبرات بين الباحثين، وتراكم المعرفة حول تاريخ الحوزة العلمية في النجف الأشرف وأعلامها.
والجدير بالذكر أن العتبة العباسية المقدسة تحرص على إبراز نتاج العلماء الأعلام في مختلف الحقول المعرفية؛ عبر التحقيق والنشر وإقامة الندوات والمؤتمرات العلمية المتخصّصة، إلى جانب الإصدارات التراثية والموسوعات العلمية التي تسلّط الضوء على هذا الإرث العريق للاحتفاء بألفية حوزة النجف الأشرف.