«الحياة الطيبة» من هدي القرآن إلى أسئلة العصر.

 العتبة العباسية المقدسة تطلق مؤتمرها الدولي الثاني لمعالم الحياة الطيبة عند أهل البيت (عليهم السلام)

من كربلاء المقدسة، حيث تتجاور المرجعية الدينية مع الحراك الفكري والعلمي، انطلقت فعاليات مؤتمر معالم الحياة الطيبة عند أهل البيت (عليهم السلام) الدولي الثاني، حاملةً سؤالًا يتجاوز حدود التنظير إلى عمق الحياة اليومية:

  • - كيف تتحول الثقافة إلى قوة لبناء الإنسان، وصيانة هويته، وتحقيق التوازن بين إيمانه وسلوكه، وبين حاجاته المادية ومرتكزاته المعنوية؟

وتحت شعار «فلنحيينه حياة طيبة»، وبعنوان «الثقافة والحياة الطيبة»، اجتمع باحثون من تسع دول إسلامية لمناقشة العلاقة بين القرآن الكريم والثقافة، واستكشاف تحديات الانفتاح الرقمي والإعلام الجديد وثقافة الاستهلاك، والبحث عن سبل تحويل القيم إلى ممارسة، والمعرفة إلى مسؤولية، والبحث العلمي إلى أثر مستدام في المجتمع.



لماذا مؤتمر «الحياة الطيبة»؟

في عالم تتسارع فيه التحولات الفكرية والثقافية، وتتعدد فيه مصادر المعرفة والتأثير، لم تبقَ الثقافة مجرد رصيد معرفي أو نشاط اجتماعي ؛ بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في تشكيل الوعي، وصناعة الخيارات، وتحديد ملامح الهوية الفردية والجماعية.

وبين ما تتيحه التحولات المعاصرة من فرص للتواصل وتبادل المعرفة، وما تفرضه من تحديات تمس منظومة القيم، تتأكد الحاجة إلى إعادة قراءة مفهوم الحياة الطيبة، واستكشاف أسسها الفكرية والأخلاقية في ضوء القرآن الكريم والهدي النبوي وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام).

من هذا المنطلق، أطلق قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة فعاليات مؤتمر معالم الحياة الطيبة عند أهل البيت (عليهم السلام) الدولي الثاني، الذي ينظمه المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية التابع للقسم، بالتعاون مع جمعية العميد العلمية والفكرية، في قاعة القاسم (عليه السلام) داخل العتبة المقدسة، تحت شعار «فلنحيينه حياة طيبة»، وبعنوان «الثقافة والحياة الطيبة» .

ويستهدف المؤتمر تحقيق محاور موضوع معالم الحياة الطيبة عند أهل البيت (عليهم السلام)، عن طريق بحث مفهوم الحياة الطيبة ومرتكزاتها وأسسها، وأثر الإيمان والاعتقاد في تكوينها، وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) بوصفهم النموذج الحضاري للحياة الطيبة، فضلًا عن أثر الاجتماع الديني في خلق حياة طيبة.

وتتصل هذه الأهداف بحاجات معرفية وتربوية ومجتمعية متزايدة؛ فالحياة الطيبة، على وفق الرؤية التي ينطلق منها المؤتمر، ليست مفهومًا مجردًا ينحصر في الجانب الروحي، ولا نتيجة تتحقق بتوافر الإمكانات المادية وحدها ؛ بل هي بناء متكامل تتفاعل فيه العقيدة والقيم والثقافة والسلوك، وينعكس أثره على علاقة الإنسان بنفسه ومجتمعه والعالم المحيط به.



من الدورة الأولى إلى الثانية

لا تأتي الدورة الثانية من المؤتمر بوصفها فعالية منفصلة عن سياقها ؛ بل امتدادًا لمسار علمي يراد له أن يتطور عبر تراكم المعرفة، ومراجعة النتائج، وتجسيد التوصيات، وتوسيع دائرة الحوار بين الباحثين والمشتغلين بالشأن الفكري والثقافي.

وفي كلمته التي ألقاها نيابة عن اللجنتين العلمية والتحضيرية، أكد مدير المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية الدكتور عمار عبد الرزاق الصغير أن "النسخة الثانية من المؤتمر تأتي استكمالًا للنجاح الذي حققته النسخة الأولى وتجسيدًا لتوصياتها، ومواصلة لمشروع علمي متجدد يهدف إلى تقديم قراءة معرفية ونقدية معمقة للعلاقة التكاملية بين الثقافة والحياة الطيبة".

وزاد الصغير بقوله إن " المؤتمر يسعى إلى استلهام الحكمة المعرفية من القرآن الكريم ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، لمواجهة تحديات العصر والإسهام في بناء إنسان متوازن يحيا حياة طيبة في القول والعمل والمصير".

وفي سياق توضيحه لمكانة الثقافة في هذا المشروع، أشار إلى أنها " تمثل أداة فاعلة في صياغة مقومات الحياة الطيبة، بوصفها بناءً معرفيًّا يسهم في تشكيل وجدان الفرد والمجتمع وتوجيه خياراتهما المصيرية".

ومن هذا المنطلق، تركزت الاستعدادات العلمية والتحضيرية على استقبال البحوث وتقويمها، وتحديد المحاور الرئيسة، وتنظيم المشاركة العلمية، بما يضمن ارتباط الدراسات بموضوع المؤتمر وأهدافه، ويعزز قيمة النقاش الأكاديمي.

وقد استقبلت اللجنة العلمية 52 بحثًا علميًا، قُبل منها 22 بحثًا، فيما اعتُذر عن قبول البحوث الأخرى لعدم استيفائها المعايير العلمية المطلوبة أو لعدم ارتباطها بموضوع المؤتمر وأهدافه ومحاوره.

وتوزعت المشاركات المقبولة على باحثين من تسع دول إسلامية، هي العراق ولبنان وسوريا وإيران وتونس والمغرب ومصر والبحرين وسلطنة عُمان، في تنوع يعكس اتساع الاهتمام بقضايا الثقافة والحياة الطيبة، والحاجة إلى دراستها دراسة علمية معمقة.



شركاء النجاح

يقوم المؤتمر على شراكة مؤسسية تجمع قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، والمركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية التابع القسم نفسه، وجمعية العميد العلمية والفكرية، في نموذج من التعاون الذي يسعى إلى دعم البحث العلمي، وتوسيع مجالات الحوار المعرفي، وإحياء الحراك الثقافي.

ويتولى المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية تنظيم المؤتمر وصياغة مساره العلمي، بما يتضمنه من محاور وإشكالات بحثية تتصل بالقرآن الكريم والثقافة وبناء الإنسان والتحديات الفكرية المعاصرة ، فيما تمثل جمعية العميد العلمية والفكرية شريكًا في دعم البيئة العلمية وتفعيل التواصل بين الباحثين والمشتغلين بالمعرفة.

ولا تنحصر أهمية هذه الشراكة في تنظيم حدث أكاديمي ؛ بل تمتد إلى إبراز دور المؤسسات العلمية والثقافية في تحويل المرجعية المعرفية إلى نشاط بحثي منظم، وربط التراث الفكري بقضايا المجتمع، وتوفير منابر لتبادل الأفكار ومناقشة الأسئلة التي تفرضها التحولات الراهنة.

وتتضح هذه الوظيفة المؤسسية في التوصيات النهائية للمؤتمر، التي دعت إلى تفعيل الدور الثقافي للعتبات المقدسة، والإفادة من تجربة جمعية العميد العلمية والفكرية والمركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية والمراكز البحثية الأخرى التي أنشأتها العتبة العباسية المقدسة لدعم البحث العلمي والنهوض الثقافي.

و أكدت ضرورة تعزيز الشراكات مع الجامعات ومراكز الدراسات والمؤسسات التربوية والإعلامية، بما يوسع نطاق الإفادة من النتائج البحثية، ويمنحها فرصًا أكبر للتحول إلى برامج ومبادرات عملية.



انطلاق الفعاليات

احتضنت قاعة الإمام القاسم (عليه السلام) داخل العتبة العباسية المقدسة فعاليات المؤتمر، بحضور عضوي مجلس إدارة العتبة المقدسة سماحة السيد ليث الموسوي والدكتور عباس الدده الموسوي، إلى جانب عدد من مسؤولي العتبة المقدسة، وشخصيات حوزوية وأكاديمية.

وشهدت الفعاليات كلمة للعتبة العباسية المقدسة ألقاها عضو مجلس إدارتها الدكتور عباس الدده الموسوي، فضلًا عن كلمة اللجنة العلمية والتحضيرية التي ألقاها مدير المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية الدكتور عمار عبد الرزاق الصغير.

وتضمن البرنامج إقامة جلسة بحثية برئاسة الدكتور عباس علي الفحام، نوقشت فيها خمسة بحوث علمية لباحثين من داخل العراق وخارجه، تناولت قضايا العلاقة بين الثقافة والحياة الطيبة، والمرجعيات التي تسهم في بناء الإنسان، والتحديات الفكرية والإعلامية التي تواجه المجتمع المعاصر.

وانتظمت موضوعات المؤتمر من ضمن أربعة محاور رئيسة، هي ، ( المبادئ التأسيسية للحياة الطيبة والثقافة ) و( الإنسان والثقافة، بما يتصل بالهوية والتأثير المتبادل ) و( الاتجاهات الثقافية ) و( التحديات المعاصرة وإمكانات المعالجة)

وتناولت أعمال المؤتمر جملة من التحديات والأزمات الفكرية الراهنة، من بينها الاستغراب والتغريب والاستعمار الجديد والترجمة ووسائل الإعلام والفضاء الرقمي، بهدف معرفة مدى إسهام هذه الاتجاهات والوسائط في تحقيق الحياة الطيبة والبناء المجتمعي أو إعاقتهما.

وفي توضيحه التفصيلي لمحاور المؤتمر، قال الدكتور عمار عبد الرزاق الصغير : إن المحور الأول يتناول التأصيل المعرفي لمفهوم الثقافة في القرآن الكريم والتراث الحديثي ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فيما يبحث المحور الثاني علاقة الثقافة ببناء الإنسان، ويختص المحور الثالث بصلتها بالتحديات المعاصرة والأزمات الفكرية، أما المحور الرابع فيناقش الاتجاهات الثقافية المعاصرة ويعمل على فحصها وتقويمها معرفيًا.

وبيّن الصغير أن المؤتمر يسعى إلى تأصيل مفهوم الحياة الطيبة قرآنيًا وروائيًا ومعرفيًا، وتحليل دور الثقافة في بناء الإنسان وتحقيق التوازن الروحي والمادي لديه، إلى جانب تقديم قراءة نقدية فاحصة للاتجاهات الثقافية المعاصرة بمختلف أطيافها، وبيان أثرها في الهوية.

وأردف أن المؤتمر : يطمح إلى تعزيز الوعي النقدي لدى الباحثين تجاه جدلية الفكر والمجتمع والثقافة والقيم، وإثراء الساحة العلمية ببحوث نوعية تسهم في مشروع بناء الإنسان المؤمن والمجتمع الرسالي.



العتبة العباسية: المرجعية القرآنية أساس المناعة الفكرية والقيمية

حملت كلمة العتبة العباسية المقدسة رسالة فكرية واضحة، أكدت أن بناء الإنسان وحماية هويته لا ينفصلان عن المرجعية القرآنية والهدي النبوي وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام)، ولا عن تحويل هذه المرجعيات إلى قيم حية في السلوك والممارسة.

وأكد عضو مجلس إدارة العتبة المقدسة الدكتور عباس الدده الموسوي أن تفعيل المرجعية القرآنية والإفادة من الهدي النبوي وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام) يمثلان ضرورة لبناء المناعة الفكرية والقيمية في مواجهة التحديات المعاصرة.

وقال الدده: إنّ الدفاع عن هويتنا، وترسيخ انتمائنا، وحفظ تماسكنا لا يكون إلا بتفعيل المرجعية القرآنية، والإفادة من الهدي النبوي وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام)، في زمن تتزاحم فيه المؤثرات، وتغزوه تحديات معاصرة تمس المنظومة الفكرية والقيمية، وتتسلل إلى العقول والقيم أنماط وافدة تحاول إرباك معايير الصواب والخطأ ؛ لإعادة تشكيل الوعي المعاصر.

ويضع هذا التصريح قضية الهوية في قلب النقاش الثقافي، رابطًا بين المحافظة على التماسك المجتمعي وبين امتلاك مرجعية واضحة تساعد على فهم المؤثرات المعاصرة وتقويمها، بدلا من الاكتفاء بالتفاعل معها من دون وعي أو معيار.

وزاد الدده: نجد لزامًا علينا إعادة وصل حياة الناس بأصولها التشريعية والأخلاقية، ليظل إسلامنا متصلا بأصوله، وتلك ضرورة لازمة لبناء المناعة الفكرية والقيمية.

وفي تعريفه للحياة الطيبة، بيّن أن " الحياة الطيبة في ضوء الرؤية القرآنية والهدي النبوي ونهج أهل بيته الأطهار (عليهم السلام) وسيرتهم، هي أن يستقر الإيمان في القلب فيثمر عملا صالحًا، ويكون بين ذلك الإيمان والسلوك العملي انسجام، فالحياة الطيبة ثمرة اجتماع الإيمان بالعمل الصالح ؛ ليتحول الهدى إلى سلوك وتطبيق عملي".

وبذلك ربطت الكلمة بين المرجعية الدينية وبناء الوعي، وبين الإيمان والمسؤولية العملية، مؤكدة أن القيم لا تؤدي وظيفتها كاملة ما لم تتحول إلى ممارسات تظهر في حياة الفرد والمجتمع.

وفي ختام كلمته، أعرب الدكتور الدده عن شكره للجهات المنظمة للمؤتمر واللجان العلمية والتحضيرية، مثمنًا جهود المشاركين في ميادين البحث القرآني وما يتصل به من معارف، وتنافسهم العلمي في سبيل التقرب من كتاب الله وسنة نبيه وأهل بيته (عليهم السلام).



خمس دراسات تقترب من أسئلة الدين والثقافة والرقمنة والاستهلاك

شكلت البحوث المشاركة الجانب التطبيقي الأبرز في المؤتمر، إذ انتقلت من التأصيل النظري لمفهوم الثقافة والحياة الطيبة إلى مناقشة قضايا محددة تتصل بالهوية والسلوك والفضاء الرقمي والإعلام والاستهلاك، إلى جانب الدور الثقافي للمؤسسات العلمية.

إذ ناقش الباحث الشيخ الدكتور محمود علي سرائب من لبنان، في بحثه الموسوم «الدين والثقافة في ضوء الرؤية التوحيدية: نحو نموذج تفاعلي بنّاء للحياة الطيبة»، طبيعة العلاقة بين الدين والثقافة، متناولًا الإشكالية الفكرية التي تنظر إليهما بوصفهما مجالين متعارضين أو منفصلين.

وأكد البحث أن هذه النظرة تختزل طبيعة الدين ووظيفة الثقافة الحضارية؛ فالدين في الرؤية الإسلامية لا يقتصر على الجانب الروحي الفردي، ولا تنحصر الثقافة في الإنتاج الفني والممارسات الاجتماعية ؛ بل يتكامل المجالان في بناء الإنسان وتوجيه المجتمع نحو المعنى والقيمة.

وسلط الباحث الضوء على أهمية تحويل القيم الدينية، كالعدل والرحمة والكرامة والأمانة، من مبادئ نظرية إلى سياسات وممارسات ثقافية ملموسة في المؤسسات التعليمية والإعلامية والفضاء الرقمي، بما يعزز بناء الإنسان والمجتمع.

واعتمد البحث منهجًا يجمع بين التحليل الوصفي والمقارنة المفاهيمية وتحليل النصوص الفكرية والتفسيرية، بهدف تقديم نموذج نظري وتطبيقي _ قابل للاختبار والتطوير _ للعلاقة التكاملية بين الدين والثقافة ويسهم في ترسيخ مقومات الحياة الطيبة على المستويين الفردي والاجتماعي.

فيما ناقش الباحث الشيخ عبد الغني إبراهيم جابر من سوريا بحثًا بعنوان (التمثل القرآني للثقافة كأداة لبناء الحياة الطيبة: دراسة في المفاصل التكوينية والمعوقات القيمية ).

وقال الباحث في ملخص بحثه إن الدراسة تنطلق من فهم الثقافة بوصفها منظومة من المعارف والقيم والمعايير التي تشكل رؤية الإنسان وتنعكس في مواقفه وأعماله، موضحًا أن المقصود بالتمثل القرآني هو أن تصبح القيم المستمدة من القرآن حاضرة في الوعي والسلوك والعلاقات والمؤسسات.

وزاد بقوله إن الحياة الطيبة لا تتحقق بكثرة المعلومات أو التقدم المادي وحدهما ؛ بل تقوم على تكامل الإيمان والعمل الصالح، بما يعزز الطمأنينة النفسية والاستقامة الأخلاقية والعدالة الاجتماعية وصيانة الكرامة الإنسانية.

وأوضح أن البناء الثقافي المستند إلى القرآن الكريم يرتكز على التربية الروحية والتهذيب الأخلاقي، وترسيخ العدالة واحترام حقوق الآخرين، إلى جانب توظيف العلم والحكمة في خدمة الإنسان، وتعزيز الأثر التربوي للعبادات في السلوك الفردي والتكافل الاجتماعي.

وبيّن جابر أن البحث تناول أبرز المعوقات القيمية التي تواجه هذا البناء، ومنها التضليل المعرفي، وتوظيف النصوص لخدمة الأهواء والمصالح، وتقديم الولاءات الشخصية والفئوية على الحق والعدالة، فضلًا عن الاستغلال والتفاوت الاجتماعي والعصبيات التي تحول الاختلاف إلى خصومة وتنازع.

وأشار إلى أن هذه المعوقات تؤدي إلى الفصل بين المعرفة والمسؤولية، والإيمان والعمل، مما يضعف الثقة بين أفراد المجتمع ويبدد طاقاته، مؤكدًا أهمية استلهام القيم القرآنية في بناء الوعي وتوجيه السلوك وتعزيز العلاقات الاجتماعية على أسس أخلاقية وإنسانية.

فيما قدم الباحث حامد خضير عبد العباس من العراق بحثه الموسوم (الثقافة الدينية وأثرها في ضبط الانفتاح الرقمي ومنع التفكك الثقافي)، متناولًا أثر الانفتاح الرقمي في توسيع فرص التواصل وتبادل المعرفة، وما قد يرافقه من تحديات تمس المنظومة القيمية والثقافية.

وأكد الباحث أن الثقافة الدينية تمثل مرجعية معرفية وأخلاقية تساعد على التمييز بين النافع والضار، وتوجيه التفاعل مع الثقافات المختلفة بما يحفظ الهوية ويعزز التقارب الإنساني.

واستعرض مظاهر التفكك القيمي والثقافي وأبرز أسبابه، ومنها العولمة الثقافية والتطور التكنولوجي وتأثير وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وما قد ينجم عنها من تضارب في المرجعيات، وتراجع الشعور بالانتماء، وضعف المؤسسات الاجتماعية.

وشدد على أهمية استلهام النصوص القرآنية وروايات أهل البيت (عليهم السلام) في ترسيخ منظومة أخلاقية تقوم على الوعي والاعتدال والمسؤولية في التعامل مع الفضاء الرقمي.

واعتمد الباحث المنهج التحليلي النقدي المقارن، بهدف بيان أثر الانفتاح غير الواعي في تشكيل الوعي المعاصر، وتقديم رؤية دينية وأخلاقية تسهم في مواجهة التفكك الثقافي، وتحقيق التوازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة والمحافظة على الهوية والقيم، بما يعزز مقومات الحياة الطيبة.

و قدمت الباحثة الدكتورة سحر ناجي المشهدي من العراق بحثًا علميًا بعنوان «أثر العتبات المقدسة في إحداث النهوض الثقافي: جمعية العميد مثالًا»، تناولت فيه ما تمتلكه العتبات المقدسة من إرث ثقافي ومعرفي أسهم في توفير بيئة خصبة للإبداع والتأليف.

واتخذت الباحثة من جمعية العميد العلمية والفكرية أنموذجًا لدراسة إسهام المؤسسات الثقافية والعلمية في ترسيخ الثقافة الإسلامية ونشر علوم أهل البيت (عليهم السلام)، وتعزيز الوعي الفكري في المجتمع.

واستعرضت جهود الجمعية في إقامة الندوات والمؤتمرات والورش التعريفية، والاهتمام بالدراسات النهضوية، وبيان أثر هذه الأنشطة في تنشيط الحركة العلمية والمعرفية، والإسهام في رسم معالم الحياة الطيبة وتعزيز النهوض الفكري والثقافي.

واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، وتوزعت على محورين رئيسين؛ تناول الأول النهوض الثقافي وإحياء الهوية الإسلامية، فيما خُصص الثاني لبيان أثر جمعية العميد العلمية والفكرية في إحداث النهوض الثقافي.

وأبرز هذا البحث أهمية الدور المؤسسي في نقل الإرث المعرفي من دائرة الحفظ إلى فضاء الإنتاج والتأليف والحوار العلمي، وربط النشاط الثقافي باحتياجات المجتمع وأسئلة النهضة الفكرية.

وناقش الباحث الأستاذ حيدر محمد حسين الكعبي بحثًا بعنوان «الإعلام الجديد وأثره في محو الثقافة المعنوية لصالح ثقافة الاستهلاك»، متناولًا تأثير الإعلام في تشكيل الرغبات وأنماط الحياة، وما قد يترتب على ذلك من تحول الاستهلاك إلى معيار للمكانة الاجتماعية.

وذكر الكعبي أن جذور هذه الظاهرة تعود إلى حملات إعلامية ظهرت في عشرينات القرن العشرين، عملت على ربط السلع الاستهلاكية برموز معنوية واجتماعية، مستفيدة من علم النفس وأساليب التأثير في الجمهور.

واستشهد بحملة ترويج تدخين النساء التي قادها إدوارد برنايز عام 1929، وربط فيها التدخين بمفهوم الحرية.

وبيّن أن الإعلام الجديد، بما يتضمنه من منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات الرقمية ومحتوى المؤثرين، أسهم في الترويج لأنماط حياة استهلاكية، وتشجيع التفاخر بالمقتنيات والمظاهر المادية، الأمر الذي قد يدفع إلى الإسراف والتبذير، ويؤثر في منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية والاستقرار النفسي.

وأشار الباحث إلى أهمية ترسيخ ثقافة الاعتدال والقناعة وترشيد الاستهلاك، مستندًا إلى التوجيهات الإسلامية التي تنهى عن الإسراف وتؤكد فضائل القناعة وحسن التدبير، بوصفها مرتكزات تسهم في تحقيق الحياة الطيبة وتعزيز التوازن بين الجوانب المادية والمعنوية في حياة الإنسان.

وخلص البحث إلى توصيات متعددة، أبرزها تعزيز وعي الأسر بمخاطر تعرض الأطفال المفرط للإعلام الجديد، وإطلاق حملات توعوية عبر المنابر الدينية والبرامج الإعلامية لترشيد الاستهلاك، إلى جانب تطوير الخطاب الديني بما ينسجم مع لغة الشباب، وتقديم التراث الإسلامي بوصفه منظومة قيمية تعزز الاعتزاز بالهوية الثقافية.

وتلتقي البحوث الخمسة عند قضية محورية: إن الثقافة ليست مجرد انعكاس لما يعيشه المجتمع ؛ بل هي عامل يسهم في تشكيل وعيه وتوجيه خياراته؛ فهي قادرة على ترسيخ القيم وتعزيز التماسك، وقد تصبح _ حين تنفصل عن المسؤولية والنقد _ مدخلًا إلى الاستهلاك المفرط أو الاضطراب القيمي أو التفكك الثقافي.



التوصيات التسع


أعلنت اللجنة العلمية لمؤتمر معالم الحياة الطيبة عند أهل البيت (عليهم السلام) الدولي الثاني عن التوصيات النهائية للمؤتمر، التي تضمنت تطوير الخطاب الإعلامي ومواجهة ثقافة الاستهلاك، إلى جانب تعزيز الثقافة القرآنية، وتنمية الوعي الرقمي، وتفعيل دور المؤسسات الثقافية والعلمية.

وألقى التوصيات نائب رئيس جمعية العميد العلمية والفكرية الدكتور علي المصلاوي، وجاءت على النحو الآتي:

  • 1- تأصيل البناء الثقافي في ضوء الرؤية القرآنية : الدعوة إلى تطوير دراسات علمية متخصصة تستكشف الأسس القرآنية للبناء الثقافي، وتستثمر مضامينها المعرفية والقيمية، في ترسيخ الهوية وتعزيز الوعي وتوجيه السلوك الفردي والمجتمعي نحو تحقيق الحياة الطيبة.

  • 2- تعزيز الثقافة القرآنية بوصفها مدخلًا لبناء الحياة الطيبة : حث المؤسسات العلمية والتربوية على تحويل المضامين القرآنية من إطارها المعرفي النظري إلى برامج تربوية وثقافية تسهم في ترسيخ السلوك القيمي، وبناء الإنسان المتوازن، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية.

  • 3- ترسيخ التكامل بين الدين والثقافة : تشجيع الدراسات والمبادرات التي تستكشف العلاقة بين المرجعية الدينية والبناء الثقافي في ضوء الرؤية التوحيدية، بما يعزز حضور القيم الدينية في تشكيل الوعي وتوجيه الممارسات الفردية والاجتماعية.

  • 4- تنمية الوعي الثقافي في الفضاء الرقمي : الدعوة إلى إعداد برامج علمية وتوعوية لترشيد الانفتاح الرقمي، وتنمية مهارات التحقق من المعلومات ونقد المحتوى، والحد من الآثار السلبية التي قد تفضي إلى التفكك الثقافي أو إضعاف الهوية والقيم.

  • 5- تطوير الخطاب الإعلامي ومواجهة ثقافة الاستهلاك : حث المؤسسات الإعلامية والثقافية على إنتاج محتوى هادف يعزز الثقافة المعنوية، ويواجه النزعة الاستهلاكية والسطحية، ويوجه استخدام الإعلام الجديد نحو المعرفة والمسؤولية وبناء الوعي المجتمعي.

  • 6- تفعيل الدور الثقافي للعتبات المقدسة : العمل على توسيع المبادرات الثقافية والعلمية التي تضطلع بها العتبات المقدسة، والإفادة من تجربة جمعية العميد العلمية والفكرية، والمركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، والمراكز البحثية الأخرى التي أنشأتها العتبة العباسية المقدسة لدعم البحث العلمي والنهوض الثقافي، وتعزيز الشراكات مع الجامعات ومراكز الدراسات والمؤسسات التربوية والإعلامية.

  • 7- تشجيع البحوث البينية : دعم البحوث التي تجمع الدراسات القرآنية والفكرية والاجتماعية والإعلامية، وتطوير آليات للإفادة من نتائجها في تصميم مشروعات ثقافية وتربوية تستجيب لحاجات المجتمع وتحدياته المعاصرة.

  • 8- إنشاء مسار علمي مستدام لدراسة الثقافة والحياة الطيبة : مواصلة البحث في علاقة الثقافة بالهوية والوعي والسلوك الاجتماعي، ورصد التحولات الثقافية المعاصرة وتقويم آثارها.

  • 9- متابعة توصيات المؤتمر وتحويلها إلى برنامج عملي : تكليف الجهات المنظمة، بالتنسيق مع المؤسسات العلمية ذات العلاقة، بوضع آلية لمتابعة تنفيذ التوصيات، وتحديد الأولويات ومجالات التعاون، وتقويم ما يتحقق منها، بما يضمن استدامة الأثر العلمي والثقافي للمؤتمر.

وتكشف هذه التوصيات عن توجه نحو تجاوز المعالجة النظرية إلى التخطيط المؤسسي، عن طريق تطوير الدراسات القرآنية والثقافية، وتعزيز البرامج التربوية، ورفع مستوى الوعي النقدي، وتوجيه الخطاب الإعلامي، وتوسيع التعاون بين المراكز البحثية والجامعات والمؤسسات ذات العلاقة ، و الدعوة إلى متابعة التنفيذ تمثل حلقة رئيسة في مسار المؤتمر، إذ تربط بين ما يُطرح في الجلسات العلمية وما يمكن أن يتحقق فيما بعد من برامج ومشروعات، وتجعل قياس الأثر جزءًا من استمرارية العمل المعرفي.

وتكشف هذه التوصيات عن توجه نحو تجاوز المعالجة النظرية إلى التخطيط المؤسسي، عن طريق تطوير الدراسات القرآنية والثقافية، وتعزيز البرامج التربوية، ورفع مستوى الوعي النقدي، وتوجيه الخطاب الإعلامي، وتوسيع التعاون بين المراكز البحثية والجامعات والمؤسسات ذات العلاقة ، و الدعوة إلى متابعة التنفيذ تمثل حلقة رئيسة في مسار المؤتمر، إذ تربط بين ما يُطرح في الجلسات العلمية وما يمكن أن يتحقق فيما بعد من برامج ومشروعات، وتجعل قياس الأثر جزءًا من استمرارية العمل المعرفي.



التكريم والاختتام

اختتم قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة فعاليات مؤتمر معالم الحياة الطيبة عند أهل البيت (عليهم السلام) الدولي الثاني، بعد برنامج جمع بين الكلمات الرسمية والبحث العلمي ومناقشة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة.

وشهدت الفعاليات كلمة العتبة العباسية المقدسة، التي ألقاها عضو مجلس إدارتها الدكتور عباس الدده الموسوي، وكلمة اللجنة العلمية والتحضيرية، التي ألقاها مدير المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية الدكتور عمار عبد الرزاق الصغير ، إذ تضمنت جلسة بحثية برئاسة الدكتور عباس علي الفحام، نوقشت فيها خمسة بحوث علمية لباحثين من داخل العراق وخارجه، تناولت المحاور الأربعة للمؤتمر: المبادئ التأسيسية للحياة الطيبة والثقافة، والإنسان والثقافة والهوية والتأثير المتبادل، والاتجاهات الثقافية، والتحديات المعاصرة وإمكانات المعالجة.

واختُتمت الفعاليات بتكريم رئيس قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة السيد عقيل الياسري لرئيس الجلسة البحثية والباحثين المشاركين، تثمينًا لجهودهم العلمية وإسهاماتهم البحثية.

ويأتي هذا التكريم تأكيدًا لأهمية الباحثين ودورهم في إثراء النقاش المعرفي، وتشجيع الدراسات التي تتناول قضايا الإنسان والثقافة والهوية، ودعم التواصل العلمي بين المؤسسات والباحثين.



جمعية العميد العلمية : القرآن الكريم محورًا للدراسة والبحث

اكد رئيس جمعية العميد العلمية والفكرية الدكتور سرحان جفات، أهمية البحث العلمي وضرورة اتخاذ القرآن الكريم مادة للبحث والدراسة، مشيرًا إلى أن اللقاءات العلمية تتيح تبادل الرؤى والأفكار بين الباحثين والمشتغلين بالنشاط المعرفي.

وقال جفات: المؤتمر شهد مشاركة مجموعة من الباحثين من العراق ودول أخرى، يؤمنون بأهمية البحث العلمي وضرورة جعل القرآن الكريم محورًا للدراسة والبحث ؛ ممّا يتيح التقاء الباحثين والمشتغلين بالنشاط العلمي والمعرفي وتبادل الرؤى والأفكار.

وزاد بقوله : إن "المؤتمر خرج بمجموعة من التوصيات التي ستكون دليلًا للعمل في نسخه المقبلة، لتطوير مسيرته العلمية وتعزيز أهدافه المعرفية".

وتكتسب هذه الإشادة أهميتها من تأكيدها أن قيمة المؤتمر لا تتوقف عند عرض البحوث ؛ بل تشمل تأسيس بيئة للحوار العلمي، وتوسيع نطاق التواصل بين الباحثين، والإفادة من النتائج والتوصيات في تطوير المسيرة العلمية مستقبلًا.

وتعكس المشاركة الدولية، التي شملت تسع دول، اتساع الاهتمام بقضايا الثقافة والهوية والحياة الطيبة، والحاجة إلى مواصلة دراستها بصورة معمقة، بما يتيح مقاربة التحديات المعاصرة من زوايا معرفية متنوعة.



من الأوراق البحثية إلى الوعي المجتمعي

تتجاوز أهمية المؤتمر حدود فعالياته المباشرة؛ إذ تتيح موضوعاته وتوصياته مسارات متعددة للإفادة من نتائجه في مجالات التعليم والإعلام والتربية والبحث العلمي.

فعلى المستوى المعرفي، أعاد المؤتمر طرح العلاقة التكاملية بين الدين والثقافة، مؤكدًا أن المرجعية القرآنية لا تنفصل عن أسئلة الإنسان المعاصر، وأن القيم الدينية يمكن أن تؤدي دورًا فاعلًا في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك حين تتحول إلى برامج وممارسات.

وعلى المستوى الاجتماعي، سلطت البحوث الضوء على تحديات تتصل بالتفكك الثقافي، وضعف الانتماء، وتضارب المرجعيات، وتغليب المصالح والولاءات الفئوية على الحق والعدالة، فضلًا عن الآثار التي قد تتركها ثقافة الاستهلاك في العلاقات والاستقرار النفسي.

أما على المستوى الإعلامي والرقمي، فقد أكدت الدراسات أهمية تنمية القدرة على التحقق من المعلومات ونقد المحتوى، وتحقيق التوازن بين الإفادة من التقنيات الحديثة والمحافظة على الهوية والقيم، مع تطوير خطاب إعلامي وديني قادر على التواصل مع الشباب ومخاطبة احتياجاتهم.

وفي المجال المؤسسي، سلط بحث أثر العتبات المقدسة في النهوض الثقافي الضوء على أهمية تحويل الإمكانات المعرفية إلى أنشطة علمية مستدامة، عن طريق الندوات والمؤتمرات والورش والدراسات، فيما دعت التوصيات إلى تعزيز الشراكات بين المؤسسات البحثية والجامعات والجهات التربوية والإعلامية.

ومع ذلك، فإن الأثر المستدام لهذه المخرجات يظل مرتبطًا بمدى تنفيذ التوصيات ومتابعتها، وتحويل الأفكار إلى برامج قابلة للتطبيق والتقويم ، ومن هنا، تبرز أهمية التوصية التاسعة التي دعت إلى وضع آلية واضحة للمتابعة، وتحديد الأولويات ومجالات التعاون، وتقويم ما يتحقق من النتائج.

وبهذا المعنى، فإن المؤتمر يفتح المجال أمام مسار علمي لا تنتهي مهمته بانتهاء الجلسات ؛ بل تبدأ مرحلته الأهم عندما تنتقل مخرجاته إلى المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، وتصبح جزءًا من الجهد المجتمعي الرامي إلى بناء الوعي وصيانة القيم وتعزيز المسؤولية.



خلاصة القول

قدم مؤتمر معالم الحياة الطيبة عند أهل البيت (عليهم السلام) الدولي الثاني، الذي نظمته العتبة العباسية المقدسة تحت شعار «فلنحيينه حياة طيبة» وبعنوان «الثقافة والحياة الطيبة»، قراءة علمية متعددة الجوانب للعلاقة بين الثقافة وبناء الإنسان، مستندًا إلى القرآن الكريم والهدي النبوي وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام)، ومنفتحًا على أسئلة العصر وتحدياته.

فمن مفهوم الحياة الطيبة ومرتكزاتها الإيمانية والأخلاقية، إلى علاقة الدين بالثقافة، ودور المؤسسات العلمية في النهوض الفكري، وتحديات الفضاء الرقمي والإعلام الجديد وثقافة الاستهلاك، كشفت البحوث أن بناء الإنسان لا يتحقق بالمعرفة المجردة وحدها ؛ بل بقدرة الثقافة على توجيه السلوك، وتعزيز المسؤولية، وترسيخ العدالة والكرامة والتوازن بين المادي والمعنوي.

و أظهرت المشاركة العلمية من تسع دول، واستقبال 52 بحثًا وقبول 22 منها، أهمية الموضوع والحاجة إلى مواصلة دراسته من ضمن مسار بحثي منظم، فيما قدمت التوصيات التسع خارطة عمل تشمل التأصيل القرآني، وتنمية الوعي الرقمي، وتطوير الخطاب الإعلامي، وتعزيز الشراكات المؤسسية، ومتابعة تنفيذ المخرجات.

إن القيمة الأعمق للمؤتمر تكمن في جمعه بين المرجعية المعرفية والتحديات الواقعية، وبين البحث الأكاديمي والمسؤولية المجتمعية، وبين تشخيص المشكلات والدعوة إلى معالجتها.

غير أن اكتمال هذه القيمة يظل مرهونًا بتحويل النتائج إلى برامج ومبادرات مستدامة، تتيح للمعرفة أن تغادر صفحات البحوث إلى حياة الناس.

فالحياة الطيبة، في الرؤية التي حملها المؤتمر، ليست مجرد عنوان أو أمنية ؛ بل هي مسار يبدأ من الإيمان، ويتعزز بالوعي، ويتجسد في العمل الصالح، وتظهر ثماره في سلامة السلوك، وعدالة العلاقات، وصيانة الكرامة، وتماسك المجتمع.

وبين هذا المعنى وما يفرضه العصر من تحولات، تبقى المهمة الرئيسة هي تحويل القيم إلى ممارسة، والمعرفة إلى مسؤولية، والبحث العلمي إلى أثر يشارك في بناء الإنسان والمجتمع.