ليست الأيام التسعة الأولى من المحرم عرضًا متنوعًا من المجالس والبرامج، ولا هي خارطة أنشطة ثقافية أو دينية تتكرر كل عام بصيغة جاهزة.
في الحقيقة، لا يمكن اختزال ما يجري في كربلاء أو خارجها ضمن إطار “فعاليات” أو “مناسبات”، كما لو أنها محطة تنظيمية عابرة في تقويم ديني مزدحم.
حتى فكرة أن العتبة العباسية المقدسة “تدير برنامجًا موسميًا” لا تبدو دقيقة عند النظر إلى طبيعة ما يحدث؛ فالمشهد لا يُدار بمنطق الحدث المؤقت، بل بمنطق الاستمرارية الوجدانية التي لا تنتهي بانتهاء الأيام التسعة، ولا تبدأ من فراغ كل عام.
وكذلك، فإن الحديث عن المجالس بوصفها وسيلة لاستذكار واقعة تاريخية فقط، يختزل ما هو أعمق بكثير من مجرد استعادة سردية للمصيبة.
فالحضور الحسيني في هذا السياق لا يُبنى على التكرار، بل على إعادة طرح الأسئلة ذاتها بصيغ جديدة، تجعل من كربلاء حالة تفكير مفتوحة أكثر من كونها ذكرى مغلقة.
أما الأنشطة الثقافية والتوعوية، فليست كما قد يُفهم على أنها إضافة تنظيمية إلى جوهر الشعائر، بل هي في حقيقتها جزء من اشتباك دائم مع المعنى، لا مع الشكل. فالقضية ليست “نشر معرفة” بقدر ما هي محاولة لإبقاء الوعي في حالة يقظة أمام فكرة لم تُحسم بعد.
حتى الحضور الشعبي الواسع، لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد استجابة تنظيمية أو مشاركة في برنامج ديني محدد، لأنه يتجاوز فكرة “المشاركة” ذاتها إلى حالة انتماء وجداني لا يُقاس بعدد الفعاليات أو تنوعها.
في النهاية، لا يبدو أن ما يجري في المحرم يمكن تثبيته داخل وصف واحد أو تعريف نهائي.
فكل محاولة لتأطيره تنزلق سريعًا، لأن جوهره ليس ما يُقال عنه، بل ما يتركه من أثرٍ يتجاوز اللغة، ويعيد طرح السؤال القديم نفسه بصيغ جديدة: لماذا تبقى كربلاء حيّة رغم أن كل شيء فيها قد انتهى؟
الكاتب علي مزبان البهادلي
