الى

دفن الأجساد الطاهرة: ذاكرة كربلاء التي لا تُدفن

في كربلاء، لا تنتهي الحكاية عند لحظة المعركة، ولا تُغلق المأساة بانطفاء سيوفها، بل تمتدّ إلى ما بعدها، حيث تتحول الأرض إلى شاهدٍ أبدي على أعظم مشاهد الوفاء الإنساني.

ومن بين هذه المشاهد تتقدّم شعيرة «دفن الأجساد الطاهرة»، المعروفة بـ«عزاء بني أسد»، بوصفها امتدادًا حيًّا لواقعة الطف، واستحضارًا سنويًا للحظة مواراة الشهداء في الثالث عشر من محرم سنة 61هـ.

تستعيد هذه الشعيرة معنى الدفن لا بوصفه نهاية، بل بوصفه بداية لخلود الذاكرة؛ إذ بقيت أجساد الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام) على أرض الطف ثلاثة أيام، قبل أن تبادر قبيلة بني أسد إلى مواراتها، بمعونة الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام)، في حدثٍ تحوّل إلى رمزٍ للوفاء الإنساني والارتباط العقائدي العميق بواقعة كربلاء.

ومع مرور الزمن، تطورت هذه المواساة من ممارساتٍ شعبية متفرقة إلى شعيرةٍ منظمة عُرفت منذ بدايات القرن العشرين، لتتحول لاحقًا إلى موكبٍ شعائري واسع تشارك فيه عشائر عراقية متعددة، تتقدمه قبيلة بني أسد بوصفها الامتداد التاريخي لمشهد الدفن الأول، في استعادة رمزية للحدث داخل الذاكرة الجماعية.

وتنطلق المراسيم سنويًا في الثالث عشر من محرم بعد صلاة الظهرين من محيط مرقد السيد جودة المحنّا جنوب كربلاء، حيث تتجمع الجموع في مسيرةٍ مهيبة تتجه نحو الحرمين الشريفين، في مشهدٍ تتداخل فيه الرمزية مع الحركة، والذاكرة مع الحاضر.

وتشارك النساء بفاعلية لافتة، في استحضارٍ لدور نساء بني أسد التاريخي، بينما تحمل الجموع رموزًا شعائرية تعيد تمثيل لحظة الدفن الأولى.

ولا يقتصر هذا العزاء على طابعه الشعبي، بل يتجاوز ذلك إلى أبعادٍ عقائدية واجتماعية عميقة، إذ يجسد مفهوم الوفاء الحسيني الممتد، ويعكس وحدة الانتماء الروحي بين المشاركين، حيث تذوب الفوارق العشائرية في فضاءٍ جامعٍ من الولاء والذاكرة.

كما يبرز دور العتبة العباسية المقدسة في إدارة هذه الشعيرة عبر منظومة متكاملة تشمل الجوانب الأمنية والخدمية والدينية والإعلامية، بدءًا من تنظيم حركة الزائرين وتأمين المسارات، مرورًا بالخدمات اللوجستية والإطعام والرعاية الصحية، وصولًا إلى التوثيق الإعلامي والبث المباشر بعدة لغات، بما يعكس البعد الإنساني العالمي لهذه المناسبة.

وهكذا تبقى شعيرة دفن الأجساد الطاهرة أكثر من مجرد طقسٍ سنوي، بل ذاكرة حيّة تُعاد كتابتها كل عام، تؤكد أن كربلاء ليست حدثًا تاريخيًا منتهيًا، بل حضورٌ مستمر في وجدان الأمة، لا يُدفن بل يُستعاد.



الكاتب عدي المختار
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: