الى

انتفاضات المحرّم وصفر بالعراق في قرن: جدلية المقدّس والسلطة في العراق الحديث - (1)

على مدى قرنٍ من الزمن، لم تكن مواكبُ محرّم وصفر في العراق مجردَ مسيراتٍ للعزاء، بل كانت أنهاراً من الوعي تتدفق من كربلاء إلى كلِّ بقعةٍ من الوطن، تحملُ رايةَ الحسين وتوقظُ في النفوس معنى الكرامة والرفض والثبات.

كلما حاولت السلطات المتعاقبة أن تُطفئ شموعَ العاشوراء، ازدادت وهجاً، وكلما أرادت أن تُحاصر خطى الزائرين نحو الأربعين، تحولت الطرق إلى أمواجٍ بشرية تهتف للحرية وتُعلن أن الدم الذي سُفك في الطف ما زال يصنع التاريخ.

لقد شهد العراق صراعاً وجودياً مريراً بين سلطةٍ تخشى صوتَ الجماهير، وشعبٍ وجد في الإمام الحسين (عليه السلام) مدرسةً للمقاومة وعنواناً للكرامة.

فكانت المواكب منابرَ للحق، وكانت المجالس ساحاتٍ للوعي، وكانت الزيارات المليونية استفتاءً شعبياً متجدداً ضد الظلم والاستبداد.

وفي كل انتفاضةٍ خرجت من رحم محرّم وصفر، كان التاريخ يسمع صدى النداء الخالد: «هيهات منا الذلة»، فتتقدم الجموع بصدورٍ عارية أمام الرصاص، مؤمنةً بأن الطريق الذي بدأه الإمام الحسين (عليه السلام) لا ينتهي عند حدود الزمن، وأن كربلاء ليست حادثةً في الماضي، بل موقفٌ دائم في مواجهة الطغيان.

هكذا بقيت عاشوراء والأربعين في العراق أكثر من شعيرتين دينيتين؛ بل بقيتا ذاكرةَ أمةٍ، ومخزونَ ثورةٍ، ومنبعَ صمودٍ لا ينضب.

فكلما أظلمت ليالي القمع، أشرقت من مواكب الحزن شمسُ الحرية، وكلما ظنّ المستبدون أنهم انتصروا، عاد الإمام الحسين (عليه السلام) لينهض في ضمير العراق، فتنهض معه الجماهير، وتُكتب صفحةٌ جديدة من صفحات الكرامة والخلود.



لماذا تخاف الحكومات من طقوس عاشوراء؟

لا يعود خوف بعض الحكومات من طقوس عاشوراء إلى بعدها الديني فحسب، بل إلى ما تحمله من مضامين فكرية واجتماعية وسياسية عميقة.

فواقعة كربلاء، في الوعي الجمعي لملايين الناس، ليست مجرد حدث تاريخي، وإنما رمز دائم لمواجهة الظلم والانحياز إلى الحق مهما بلغت التضحيات.

تتميز طقوس عاشوراء بقدرتها على حشد الجماهير وتنظيمها حول منظومة قيمية مشتركة تقوم على العدالة والكرامة ورفض الاستبداد.

ومن هنا تنظر الأنظمة ذات النزعة التسلطية إلى هذه التجمعات الكبيرة بعين الريبة، لأنها تخلق فضاءً عاماً مستقلاً يصعب احتواؤه أو إخضاعه بالكامل لسلطة الدولة.

كما أن الخطاب العاشورائي يستحضر باستمرار ثنائية المظلوم والظالم، وهي ثنائية تتجاوز حدود الزمان والمكان، ما يجعلها قابلة للإسقاط على الواقع السياسي والاجتماعي في مختلف المراحل التاريخية.

لذلك تجد بعض الحكومات أن إحياء عاشوراء لا يقتصر على استذكار الماضي، بل يسهم في تعزيز الوعي النقدي لدى الجماهير تجاه الحاضر.

لقد أثبت التاريخ أن محاولات منع شعائر عاشوراء أو التضييق عليها غالباً ما كانت تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تتحول الشعائر عندئذٍ إلى رمز للمقاومة والصمود.

فكلما اشتد القمع، ازداد تمسك الناس بها بوصفها جزءاً من هويتهم الدينية والثقافية.

لهذا يمكن القول إن خوف الحكومات من عاشوراء لا ينبع من الطقوس ذاتها، بل من الرسالة التي تحملها: رسالة تؤكد أن الحق لا يسقط بالقوة، وأن إرادة الجماهير قادرة على البقاء مهما اشتدت محاولات الإقصاء والتهميش.



قرن من الانتفاضات

تُشكّل انتفاضات محرّم وصفر في العراق خلال القرن العشرين وما تلاه ظاهرةً مركّبة تتداخل فيها الديني بالسياسي، والطقسي بالاحتجاجي، في سياق علاقة متوترة ومستمرة بين المجتمع الشيعي في العراق والدولة المركزية بمختلف أشكالها.

ويكشف هذا المسار التاريخي أن الشعائر الحسينية لم تكن مجرد ممارسة دينية صامتة، بل تحوّلت في محطات عدّة إلى فضاء للتعبير الاجتماعي والسياسي، وأحياناً إلى مواجهة مفتوحة مع السلطة.

في ثلاثينيات القرن العشرين، ومع تشكّل الدولة العراقية الحديثة، بدأت ملامح التوتر تظهر بين السلطة المركزية والممارسات الدينية الجماهيرية في المدن المقدسة.

فقد مثّلت مواكب محرّم في كربلاء والنجف مساحة عامة يصعب ضبطها، ما دفع الحكومة إلى محاولة تنظيمها أو تقييد بعض مظاهرها.

في محرّم 1935م برزت أولى المؤشرات الواضحة على أن هذه الشعائر يمكن أن تتحول إلى نقطة احتكاك سياسي–اجتماعي، خاصة مع تصاعد الحساسية تجاه التجمعات الجماهيرية الكبيرة.

فيما مثّلت انتفاضة صفر 1977م لحظة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الشعائر الحسينية وسلطة حزب البعث بقيادة المخلوع صدام حسين. فقد حاول النظام منع مسيرة الأربعين من النجف إلى كربلاء، وهو ما اعتُبر تحدياً مباشراً لمشاعر دينية راسخة.

ومع مطلع الثمانينيات، دخل العراق مرحلة أكثر دموية وتعقيداً، خصوصاً مع اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية ، وفي هذا المناخ، تحولت أي مظاهر دينية أو سياسية خارج إطار الدولة إلى مادة اشتباه أمني.

وفي عقد التسعينيات، وبعد أحداث 1991 وما تبعها من انهيار جزئي للسلطة المركزية في بعض المناطق، دخلت الشعائر الحسينية مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ”الصمت الحذر".

ففي ظل ما عُرف بـصدام حسين وجمهورية الخوف، أصبحت الطقوس تُمارس تحت رقابة مشددة، مع تقليص واضح للمظاهر الجماهيرية في فترات معينة، ومحاولات مستمرة لضبط المجال الديني.



خلاصة القول

إن قراءة انتفاضات محرّم وصفر في العراق عبر قرن تكشف أن هذه الظاهرة ليست سلسلة أحداث منفصلة، بل مسار تاريخي متصل، تتكرر فيه أنماط التوتر بين السلطة والمجتمع.

وبين المواجهة العنيفة في بعض المراحل، والصمت القسري في مراحل أخرى، بقيت الشعائر الحسينية إطاراً حيّاً للهوية والتعبير الاجتماعي، يتجاوز حدود الطقس إلى فضاء أوسع من الذاكرة والموقف.


يـــــــتـــــبـــع
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: