أنت في الصفحة : مقالات

مقالات
جمال الصمت في القرآن الكريم
جمال الصمت في القرآن الكريم
الكاتب : زينب حميد النصراوي

زينب حميد النصراوي
الكون كلّه يقوم على سمفونية صامتة تعزفها جميع الكائنات، وأعتنى علماء النفس بدراسة هذه اللغة التي تحتل أهمية بالغة في معيار التنمية البشرية بوصفها أقوى لغات العالم، وعُدّت هذه اللغة مفتاحًا لمعرفة شخصية الفرد من خلال تعابير الوجه والحركات، وبعض من فسّر الصمت على أنه حالة نفسية تأخذ الإنسان لأسباب عدة (الزهد، المرض النفسي، التفكير) ،وقد أكدها علماء الاخلاق لما لها من أهمية في تهذيب السلوك وحفظ اللسان من الذنوب.
فالصمت توليفية لغوية باطنية تعتري نفسية الإنسان، يميل هذا المعنى العميق من الجانب العلمي إلى عدم خروج الصوت وتكتّم القول في الدواخل، وذلك لأن الكلام الكثير يؤدي إلى تعطّل بعض الحواس لدى الانسان مثلاً حاسة الذوق في لسان، جرب أن تتكلمِ كثيراً، ترى نفسك تفقد حاسة الذوق بصورة مؤقتة، وأيضاً أن الثرثرة تذهب بلحاظ العقل، وغيرها من الأمور السلبية التي يمكن أن تُبث بسبب كثرة الكلام فهنالك مقولة تصف هذه الحالة: "يثرثرون أكثر مما يفكرون".
فتلك اللُّغة لها تأثير إيجابي على العقل من خلال خلية موجودة في عقل الإنسان، فكثرة الكلام والثرثرة تؤدي إلى تعطّل تلك الخلية وبالتالي تؤدي إلى نقص العقل لذلك يقول الحكماء " مِنْ عَلَامَاتِ الْعَاقِل‏ حُسْنُ سَمْتِهِ وطُولُ صَمْتِهِ".
وقد رسّخ الله عز وجل هذا المعنى في القرآن الكريم في آيات متعددة ولاسيما في الآيات التي يراد بها نيل حاجة معينة، فعندما دعا النبي زكريا (عليه السلام) الله عز وجل لطلب الولد في قوله تعالى: ((قالَ ربِّ أنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنّي واشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيْباً وَلمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبُّ شَقيّاً))[سورة مريم: 4] أمره الله بالتزام الصمت والاكتفاء بالايماء لتكون له آية وعلامة لقضاء حاجته، قال تعالى: ((قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيةٌ، قَالَ آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيَّا))[سورة مريم:10] واحتمل بعض المفسرين أن امتناع زكريا (عليه السلام) عن الكلام كان بإختياره ولم يكن مجبورا عليه، يقول الفخر الرازي في الرأي السابق ((أن هذا النحو من التفسير جميل ومعقول لكنه مخالف لسياق الآية، فزكريا عليه السلام طلب آية لما بُشّر بيحيى والسكوت الاختياري لا يكون دليلا على هذا المعنى إلاّ بتكلّف وتحميل على المفهوم من الآية الشّريفة))( ). أمره الله عز وجل زكريا بالصمت وعدم الكلام حتى يقضى الله له ما يريد. ويرتبط هذا المعنى بحديث الشريف ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله)" استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان".
وكذلك السيدة مريم أمرها الله بالتزام الصمت حتى يكون لها سلاحا ذا حدين بقوله تعالى: ((فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا))[سورة مريم:26]، ويذكرنا الأمر الالهي بالتزام الصمت بقول النبي محمد(صلى الله عليه وآله) "مَنْ صَمَت نَجَا" ويوجد احتمال صوم مريم عن الطعام والشراب فضلاً عن صوم الصمت وعدم الكلام وتكليف المهمة لابنها بالنطق لتكون لهما آية وليكشف عن مدى زيف القوم من خلال الافتراء والتكذيب الذي ألحقوه بالسيدة مريم(عليها السلام) وأشار الامام الصادق ( عليه السلام ) في تفسير هذه الاية بقوله((إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَحْدَهُ إِنَّ مَرْيَمَ قَالَتْ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أَيْ صَمْتاً فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُم‏))( ). من هذه الاية والروايات الشريفة التي وردت في تفسير هذا المعنى يتضح لنا اهمية الصمت وقيمته في إبراز الثقة بالله والتوكّل عليه لتسيير الامور على وفق قدرته .
وعُد الصمت علامة من علامات المؤمن كقوله تعالى: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)) [سورة المؤمنون:1-3] فاللـغو المعروف عنه الكلام الذي لا فائدة فيه، وهو الذي لا يورد عن روية وفكر، واختلف العلماء أيضا بمعنى اللغو المذكور في الآية الكريمة وقيل بمعنى الشرك، وقيل بمعنى المعاصي؛ ولكن ما يفهم من المعنى العام هو عدم الكلام الذي يقابل الصمت.
وجدير بالذكر أنه قد جاءت روايات متعددة تبيّن جمالية هذه اللغة، فقد ورد عن الامام علي  قال((بِكَثْرةِ الصَّمتَ تَكُونُ الهَيْبَةُ))، ونجد إشارة أخرى من أهل البيت عليهم السلام في وصية الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام بن الحكم، إذ يقول عليه السلام: (يَا هِشَامُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ دَلِيلٌ وَدَلِيلُ الْعَاقِلِ التَّفَكُّرُ وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْت) ولهذه الحالة أثر في تعميق الفكر وثبات شخصية الإنسان .
ويقترن الصمت بالعلم، إذ ورد عن أمير المؤمين عليه السلام قوله: "أَوَّلُ الْعِلْمِ الصَّمْتُ وَ الثَّانِي الِاسْتِمَاعُ وَ الثَّالِثُ نَشْرُهُ وَ الرَّابِعُ الْعَمَلُ بِهِ"( ).
ويعد الصمت أيضا بلاغة وإجابة بارعة لمن يحاول أن يؤذي المقابل بلسانه، فضلا عن أنه يحفظ اللسان من الوقوع بمصيدة الغيبة والكذب والنميمة وغيرها من منكرات القول، فقد ورد عن الامام علي (عليه السلام) ((ان كان في الكلام بلاغة ففي الصمت سلامة من العثار )) ( ). وغيرها من الأحاديث التي تؤكد هذا المعنى.
ولأهمية هذه لغة يعقد العلماء والأدباء -من بينهم الكليني في كتابه أصول الكافي، والجاحظ في كتابه البيان والتبيين - باباً في الصمت يبيّن به ما نمازت به تلك اللغة من علو ورفعة لصاحبها وهي تعد لغة البلاغيين والعلماء.
أخيرا ينبغي أنْ نعرف أنّ الصمت يُقاس بوقعه لا بمدته، ومعرفة متى يُكسر الصمت تحتاج إلى اتقان ذلك الجوهري الذي ينتقي جواهره.
تعليقات القرآء (0 تعليق)
لاتوجد اي تعليقات حاليا.

ملاحظة: لطفا التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر

الرجاء الضغط على المربع أدناه

جاري التحميل ...

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثواني ...

جاري التحميل ...