العدد:
120
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
لحياة أفضل
سَعَادَتُهُم - اختيار الزوج الصالح هو إنشاء جيل صالح
رنا الخويلدي/ النجف الأشرف
رموشه سقوف وأجفانهُ غطاء، وصدره كون وكفّاه سماء، قلبه كان جرحاً يسقي الحياة على الرغم من الألم، وصوته كان حزناً إذا التقاه النسيم ابتسم، الفكر فيه سحاب لا تدركه الهضاب، وهو بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خير أب لأولاده بل لجميع الناس؛ لأنّه أبو تراب والناس كلّهم من تراب، ذلك هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي له في الابوة نماذج عديدة منها، وصيته الإرشادية لولده الإمام الحسن (عليه السلام) التي أراد بها وصيّة للجميع الناس، فكان مطلعها: "من الوالد الفان، المقرّ للزمان.. إلى المولود المؤمل"(1)، ثمّ صار يوصيه بأمور دينه ودنياه، وهذا يذكرنا بأمور عديدة في مجتمعنا؛ لأنّ الشيء بالشيء يذكر ومن هذه الأمور هو أنّ الفتيات في الماضي والحاضر أغلبهنَّ يفضّلن صاحب المال على صاحب الدين والخلق، وبذلك فهنّ يخترن لأولادهنّ أباً غير مناسب؛ لأنّ صاحب المال يستطيع أن يضمن لأولاده أمور دنياهم، لكن لا يستطيع أن يضمن لأولاده دينهم وآخرتهم؛ فهو نفسه لا يفقه في الدين، وكما يُقال: "فاقد الشيء لا يُعطيه"(2)، وبذلك يكون قد ضرّهم بغفلته؛ (..مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ..(3)، وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(4))، وتكون الأُم هي أيضاً قد أضرتهم بسبب طمعها بملذات الدنيا حين فضلت صاحب المال على صاحب الدين والخُلق في الزواج، فعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لم يكن صاحب ترف، ومع ذلك رَضي به الرسول (صلى الله عليه وآله) زوجاً لابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) من بين كلّ الصحابة، ورضيت به (عليها السلام) من بينهم؛ لأنّهُ (..لا يُسْبَقُ بِقَرابَةٍ في رَحِمٍ وَلا بِسابِقَةٍ في دينٍ، وَلا يُلْحَقُ في مَنْقَبَةٍ مِنْ مَناقِبِهِ..)(5)، وبهذه الصفات كان نعم الأب لأولاده، فوجدناه (عليه السلام) يوصّي ولده الحسن وكذلك الحسين المعصومَيْن (عليهما السلام) من الزلل المطهرَيْن من الرجس، كي يتخذ الآباء ذلك عادةً بأن يوصوا أولادهم ويرشدوهم إلى الطريق الصحيح، فيطبقوا قول الله تعالى فيهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..)(6)؛ لذلك على الفتيات أن لا تغرهنّ الحياة الدنيا في اختيار الزوج، وأنْ يجعلنَ المقياس هو الدين والخلق، فهنالك كثيرٌ من الفتيات قد تزوجنَ من شبان لأجل غناهم، وكانت نتيجة زواجهم الطلاق أو المشاحنات الزوجية؛ لأنهم سيّئوا الخلق، ولا نقول إنَّ كلّ موسر هو سيئ الخلق، لكن غالباً ما نجد العوائل الغنية يدللون أولادهم فوق المطلوب ما يجعلهم في كبرهم يفشلون في تحمل مسؤولياتهم، وتفشل حياتهم الزوجية إثر ذلك، وإلّا إذا كان الخاطب موسراً و صاحب دين وخُلق فزيادة الخير خيران، كما قال الرسول (صلى الله عليه وآله): "الكفؤ أن يكون عفيفاً وعنده يسار"(7)، وعنده يسار أي عنده من المؤونة ما يسد به الاحتياجات الماديّة للزوجة، لكن على رأس ذلك هو أن يكون عفيفاً؛ لذلك قدّم العفاف على اليسار، فعلى الفتاة أن تنتبه لذلك وتجعل حديث للنبيّ (صلى الله عليه وآله) نصب عينيها، حين قال: "إذا جاءكم مَن ترضون دينه وأمانته يخطب فزوجوه..".(8)
......................................
(1) ميزان الحكمة: ج2، ص1124.
(2) فقه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): ج1، ص49.
(3) (النساء:77).
(4) (الأعلى:17).
(5) مكيال المكارم: ج2، ص88.
(6) (التحريم:6).
(7) الكافي: ج5، ص347.
(8) ميزان الحكمة: ج2، ص1181.
المَوَدَّةُ وَالرَّحْمَة- اليَومُ يَختَلِفُ عَن كُلِّ يَومٍ
آمال كاظم الفتلاوي
عاد إلى المنزل مبكراً عن موعده، فرآها غارقة في أعمال البيت ما بين الطبخ وغسيل الملابس وترتيب البيت وتنظيفه، وما بين تلبية متطلبات الأطفال. تفاجأت بوجوده واحتارت وهي خجلة من هذه الفوضى، فقد اعتاد على أن يراها في أحسن حال، لم يمهلها طويلاً، شمّر عن ساعديه وبنظرة حانية إليها مزّق ستار الحيرة الذي ارتسم على تقاطيع وجهها قائلاً: لا تحتاري غاليتي، سنتعاون وننهي هذه الفوضى، لا بأس عليك.
دخلت هي إلى المطبخ لتكمل أعمالها، وذهب هو إلى أطفاله يحاول أن يسكتهم ويلبّي احتياجاتهم، وبينما هي تكمل الغسيل أكمل هو ترتيب البيت، وفي أقل من ساعة أكملا كلّ شيء وأصبح البيت يزهو.
نظر إلى أرجاء المنزل وكانت نظراته اليوم تختلف عن كلّ يوم، إذ تفحّص كلّ ركن فيه، وكلّ قطعة أثاث وكلّ لوحة.. شعر بأنّ له حكاية مع كلّ زواياه، عجيب هذا الشعور الذي أضفى لديه حباً وحميمية لبيته لم يألفها من قبل، تحلّق حوله أطفاله يلعبون معه، ركز في تفاصيل وجوههم، صوت في أعماقه يهزّ قلبه هذا بيتك، هؤلاء أطفالك ما أجملهم، شعور بالتملك الممزوج بالحرص والحب طغى على مشاعره، نعم إحساس الأبوة لا يوصف، ولكن اليوم يختلف عن كلّ يوم، رنّ مسامعه صوت زوجته وهي تناديه للغداء.. أوه، يا الهي ما أجمل صوتها، ما أبهاها، جلس على المائدة يتفحص النعمة التي أغدقها عليه ربّ العباد، بيت وزوجة وأطفال تغمرهم السعادة، كم كان غافلاً عن هذه النعمة.
تذكّر كيف يعود في كلّ يوم منهكاً من العمل لا يكاد يرد السلام، ويجلس على المائدة كأنه آلة لا يهتم بوجود زوجته وأولاده، فإن خاطبوه ردّ عليهم بالقليل من الكلام، وإن لم يخاطبوه أطبق الصمت على البيت بكلّ خشوع.
حادث نفسه: غالباً ما نعتاد على النعم التي لدينا لدرجة أننا لا نعدّها نعمة، ولكن اليوم يختلف عن كلّ يوم.
آبَاءٌ بِلا وُجُود
زهراء حكمت/ كربلاء
بلا عمل عاش سنوات من القحط والحرمان والحصار الجائر، وإذا به يترجم ذلك الحرمان ألماً وحصاراً على أسرته التي لا ذنب لأفرادها إلّا أنّه والدهم، فإن ضاعت قطرة من الماء هدراً صاح بأعلى صوته: أولاد أغلقوا الماء، وإن شغلوا (المبردة) ليلاً صاح مهدّداً متوعداً: سأحرمكم والله منها إن تعطلت، رغم أنّ العطل والعطب كان بقلوبهم الصغيرة التي لا تعرف لماذا وُجدت تلك الأجهزة ان لم تجلب الراحة لهم ليلاً..
فصعدوا بعد صراخه المتعالي والمتواصل، وفي كلّ ليلة للنوم بأعلى السطح؛ ليكونوا متقلبين في أول الليل بالبعوض المتهالك على دمائهم الطرية، وفي آخره على الذباب الذي يجعلهم مستيقظين عند السادسة صباحاً..
سنوات حياة تمرّ بأتعس حال وبواقعها المرير اليومي..
إن خرج للسوق وقفوا طابوراً لاستقباله مع صراخه المتعالي..
لمَن جلبت الطعام؟ أليس لكم؟
لمَن أتعب؟ أليس لكم؟
حتى أصبحت هذه الكلمات نشيدهم الأسبوعي الصباحي الذي يبدل الحياة تشاءماً، أما إذ دخل ضيف للبيت زائراً، فهنا حلّت القارعة، فيغلق باب غرفته مزمجراً ضجراً متأففاً متذمراً..
وبدأ صراع الأبناء والزوجة كيف يرحبون بالقادم وأبو البيت لا يحضر لذلك..
وكيف يدعونه إلى الغذاء وهو يمنعهم من استقباله لساعات؟
ألم ما بعده ألم، وعناء تلو عناء؟
لا مال ولا هناء ولا سعادة بيت، لا يعرف إلّا الصراخ، والمنع، والحرمان ملاذاً من تعب السنين، حتى إنّهم يومياً يتمنون فقده أو موته للخلاص من العذاب المهين..
ترانا نرى هكذا صور بيوت وآباء فقدوا الحبّ وتصدعت جدرانها قبل أن تنشأ..
لكن يبقى الأمل بأنّ الغد يحمل بوادر أمل مشرق خالٍ من الظلم الأبويّ..
مَفَاهِيمُ خَاطِئَة- الأقارب عقارب
أوس محمد عبيد/ كربلاء المقدسة
تحت هذا الشعار أصبح أغلب الناس يحاولون الابتعاد عن صلة أرحامهم دون أيّ تفكير أو وعي؛ ظناً منهم أنّ جميع الأقارب هم أناس لا يتمنون الخير لهم، متناسين ما نصّ عليه القرآن الكريم والرسول (صلى الله عليه وآله) من أحاديث تحث على صلة الأرحام والمودة والاحترام، فقد بتنا نسمع تكرار هذه المقولة على ألسُن الصغار والكبار..
وبات من الصعب النقاش في هذا الموضوع لاقتناع بعضهم به قناعه تامة رغم أنهُ ينافي ما أنزله القرآن الكريم..
فمنذ متى كان جميع الأقارب عقارب؟!
ومنذ متى أصبح الغرباء أقرب من صلة الأرحام؟!
وإلى متى سنظلّ نردّد كلّ ما يُقال دون وعي؟!
ومتى سنقدّر نعمة صله الأرحام ونعطيها حقّها؟!
العمر يمضي والساعات تكاد تنقضي، وكلّ منّا بحاجة إلى مَن يستند إليه عند الأزمات والشدائد، فإن ابتعدنا عن مَن هم سند لنا فمن سيقف بجانبنا إن صفعتنا الحياة؟!
لنفكّر ولو قليلاً ونتدارك أفعالنا، وليكن دوماً شعارنا هو قول الرسول (صلى الله عليه وآله): "ألا أدلكم على خير أخلاق الدنيا والآخرة؟ تصل مَن قطعك، وتعطي مَن حرمك، وتعفو عمّن ظلمك".(1)
وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): "صلوا أرحامكم ولو بالتسليم، يقول الله تبارك وتعالى: (..وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)(2)".(3)
............................
(1) الكافي: ج2، ص107.
(2) (النساء:4).
(3) الكافي: ج2، ص155.
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات