العدد:
128
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
الحشد المقدس
هَل وَفّيْتُ يَا بنَ رَسُولِ اللهِ؟
فاطمة علي الوكيل/ كربلاء المقدّسة
مع صوت أذان الفجر فتح المقاتل البطل أحمد عينيه، لقد كان ساهراً في ليلته السابقة في حراسة الساتر، أحمد لمّا استيقظت، لم تنم سوى ساعتين؟
حسن؛ اليوم لدينا عملية جديدة ومهمة، وأنا لا أستطيع النوم من كثرة التفكير بها.
أجابه حسن: ولم ذلك؟!
فقال أحمد: في هذه القرية التي نريد تحريرها، هناك رهائن من الأطفال قد جعلهم الأرجاس درعاً لهم؛ لأنَّهم يعلمون أننا لا نستطيع أن نهجم ونضرب المنازل ما دام هناك مدنيون ولكن هؤلاء المارقين ليس في قلوبهم رحمة، فقد نُزِعت الإنسانية من ضمائرهم وقلوبهم، فلابدّ من إيجاد وسيلة للنيل من أولئك الأوغاد.
اجتمع المقاتلون مع قيادتهم للتباحث، وهناك دار نقاش بينهم في فكرة إرسال أحد المقاتلين إلى تلك القرية بعد أن يتنكّر بزي الدواعش؛ ليتمكّن من إطلاق المدنيين، تسابق الأبطال كلّ يقول أنا أذهب، وكان البطل أحمد أكثرهم شوقاً.
فقال القائد: سنجري قرعةً بأسمائكم وسنرى.
ظل أحمد يترقّب وفي تمتمات دعائه: (اللهم إنّي أسألك بحق سيّد الشهداء (عليه السلام) أن تجعلني كمولاي أبي الفضل لأكفل أولئك الأطفال والنساء واضحي بنفسي لأنال الشهادة).
وبينما هو في دعائه ومناجاته سمع صوت القائد يقول: هذه المهمة سينفّذها المقاتل أحمد.
استبشر وتهلل واستعد لهذه المهمة التي يتمنّاها، تسلل ووصل إلى القرية، وهناك سمع صوت الأطفال والنساء يتصارخون وهم محجوزون في أحد بيوت القرية، سمع لهجتهم فأستطاع أن يتحدّث إليهم وكأنه واحد منهم قائلاً: سأخذ ماء وبعض الطعام إلى هؤلاء الأطفال.
فقالوا له: أذهب ولكننا نريد أن نعذّبهم بالجوع والعطش؛ لأنّهم روافض.
توجّه أحمد إلى البيت، وعندما فتح الباب سكت الجميع؛ لأنَّهم يخافون أن يُضربوا، ناولهم الماء، وأخذ يراقب ويجلس بالقرب من البيت، وتلك كانت العلامة بينه وبين القيادة.
ما إن بدأ القتال وتشاغل الدواعش عن أمر الرهائن فتح أحمد الباب وقال لهم: اذهبوا أنتم أحرار، ومن هناك أرسلهم إلى جهةٍ آمنة لكي تستلمهم قوات حشدنا الباسل، تسارعت خطوات الجميع، ولكن القدر والمنية كانت أسرع من خطوات أحمد، فبادره أحد المارقين وأصابه في رأسه، سقط البطل إلى الأرض وقال: (السلام عليك يا أبا عبد الله هل وفيت؟) وفاضت روحه الطاهرة إلى جنات النعيم، ملتحقاً بقافلة العشق والفداء.
سَلَاماً لِلرَّاحِلِين
نجاح حسين الجيزاني/ كربلاء المقدّسة
ما أجمل الطيور وهي تعود إلى أوكارها في المساء، وما ألطف تلك الأرواح المسكونة بحبِّ الوطن والمنغرسة جذوراً في تراب الأم الرؤوم.
كم أعشق أرواحكم أيّها المغادرون عنّا جسداً، والمقيمون فينا روحاً، سلاماً لكم من قلوب تشظّت عليكم لبعد المسافات، وترامي أطراف خرائط الجغرافيا..
سلاماً للراحلين المنصفين؛ لأنّهم لم ينسوا مواعيد عودتهم إلينا، فلم يسلكوا طرق النسيان ومتاهات الخذلان، سلاماً للغرباء عن الديار، المنسيين في وسط زحام البشر فما ألفهم وما ألفوه.
سلاماً لمن خطّ على جبينه طريق العودة ولم تأخذه أيادي العابثين إلى وسط المجهول.
سلاماً على قلب أحبّ ولم ينلْ، وأشعار كُتبت لحبيب ولم تصلْ.
سلاماً لكلّ قامةٍ لم تنحنِ للعاصفات.
سلاماً لكلّ الزهور التي احتفظت برحيقها ولم تقع فريسة للذبول وعنف الفراشات.
سلاماً للشفاه الباسمة وفي أفئدتها خنادق الحزن المعتق إلى الذين قرروا الحياة ولم تحالفهم النبضات أقول لكم: هلمّوا وعودوا إلى رصيف ذاكرة لن تمحى.. وإلى حضن دافئ لم يدشن.. إلى الملتقى.
المُنقِذُ الشَّهِيد
ميعاد كاظم اللاوندي/ كربلاء المقدّسة
كان المنظر مروعاً خلّفه انفجار مهول، أحدث شعلة من دخان ملتهب أجساد ممزقة، لنازحين فارّين من بطش الدواعش الأنجاس، ولجنود أبطال هرعوا لنجدتهم، تشوّهت ملامح الجميع، وجوه اصطبغت بالدماء فلم يعد يُعرف الصغير منهم من الكبير، سمعتُ أنيناً من بين الجثث المطروحة، عرفت أنّ أحدهم ما زال على قيد الحياة، أسرعت نحو مصدر الصوت المختنق، وصلت إليه وبالكاد استطعت انتشاله، حملته على ظهري وبدأت أسابق الريح محاولاً إيصاله إلى السواتر الخلفية لقطعات جيشنا الباسل، صار الجريح ينزف بشدة وشعرت بحرارة الدماء تغزو جسدي، فأخذت أناديه بكلّ ما أوتيت من قوة مخافة أن يفقد وعيه.
أنفاسه العالية تنبئ بنهاية تدنو إلينا رويداً رويداً، أحسست أنّ شيئاً يحوم فوق رؤوسنا كأنه يريد استرجاع شيءٍ ما، فجأة وعند احتدام اللحظات الحرجة تراصفت أمام ناظري صور وأحداث كثيرة قريبة منها وبعيدة، تمرُّ سريعاً بتفاصيلها كبثٍّ مباشرٍ بالصوت والصورة، أمي إخوتي وذاك وجه أبي المتوفى و.. و.. ظلام تارة وأخرى ضياء بهي أخضر ناصع انشرحت له سرائري، ثم سرعان ما عدت لأنادي رفيقي المحتضر لكن هذه المرة لا أنفاس ولا أنين، ترحمت عليه وأغرورقت عيناي بدموع ساخنة، فحدّثته بخاطرٍ منكسر يا صنديد يا ملبّي دعوة الحق، هنيئاً لك ادعو لي لأنال ما نلته من وسام الشهادة.
لا أدري ما حلَّ بي كأن سحابةً من صقيع التفّت حولي تكبّلني عن الحراك، على الرغم من ذلك لم أتقاعس وبقيت مهرولاً، فهذا الشهيد المحمول على ظهري أمانة في عنقي أحاول إيصاله إلى أهله سالماً، فالعدو كافر لا يفتأ يفتك أجساد الشهداء إن وقعت بأيديهم، لكن ما هذا الوجه الحسن؟ ربّاه ما أجمله من وجهٍ لا أظنه من وجوه أهل الدنيا، تُرى من أين أتى؟ ولماذا يحدق بي هكذا؟ بلطف أخذ يومئ لي مرحباً أقترب لي، كان الزغب الفضي المتناثر من جناحيه لامعاً قد خطف لبّي وعطّر لمسك خالج فؤادي يذكرني بشذا عطر الحضرة الحسينية المقدّسة حين ميعاد زيارتي عند ليالي الجمع المرتقبة، يا سبحان الله أوجاعي بدأت تضمحل وجسمي لا أكاد أشعر به كأني عصفور مرفرف فوق غمائم السعادة البيضاء.
استقبلني المسعفون وأنزلوا الشهيد من على ظهري، فهويت إلى الأرض دون شعور وتثاقلت نبضات قلبي وعجزت عن الكلام تماماً، ناولني أحدهم قدحاً من الماء، نعم كانت أنفاسي متلهفة لمن يخمد لظاها، لكني لم استطع الشرب فسرعان ما اندلقت الدماء من فمي وامتزجت مع الماء، فالشظية التي اخترقت رأسي جواز لانتقل إلى ذلك العالم الفسيح، فتذكّرت سفير سيّدي الإمام الحسين (عليه السلام) مسلم بن عقيل (عليه السلام)، وسلّمت عليه وعلى الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين (صلوات الله عليهم أجمعين)، وأدركت حينها أنَّ الدماء التي كانت تتقاطر على وجهي كانت دمائي، فحمدت الله تعالى أن وهب لي لحظات أخرى كي نكون أنا ورفيقي بين أيادي أمينة.
نطق الشهادتين وبعدها حلّق به ذاك الطائر الفضي، عارجاً بروحه الطاهرة إلى العلا حيث جنة عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين.
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات