العدد:
141
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
أنوارقرآنية
ذَمُّ الإسْرَافِ والتَّبذِيرِ فِي القُرآنِ الكَرِيم
م. م. إيناس محمد العبادي/ النجف الأشرف
لم يترك القرآن الكريم خِصلة من خصال الشر، أو خُلُقاً من الأخلاق المذمومة إلّا وحذرنا منها، سَواء أكان ضررها يرتبط بالفرد أو يمتد إلى المجتمع كالتبذير والإسراف، فهما سبب لهدر الموارد وعدم صرفها في محلها, ويؤديان إلى الكبر والغرور وطلب العلو في الأرض، فكم من ثروة عظيمة وأموال طائلة بدّدها التبذير وأهلكها الإسراف، وأفناها سوء التدبير، فيحذرنا القرآن الكريم منهما في قوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً)(1)، (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).(2)
ولابدّ لنا من معرفة المعنى الدقيق لكلّ من المصطلحين والفرق بينهما في التعبير القرآني، فالتبذير من بذّرَ ماله: أي أفسده وأنفقه في السَّرَف، وكلّ ما فرّقته وأفسدته فقد بذّرته(3)، أمّا الإسراف: فهو مجاوزة القصد، والسَّرَف ما أُنفق في غير طاعة الله قليلاً كان أم كثيراً(4)، فالإسراف يُطلق على تجاوز الحد في الإنفاق والصرف؛ ذلك لأن الحدّ المسموح به في الصرف والإنفاق هو ما ترتفع به الحاجة، فيكون الزائد إسرافاً، أمّا التبذير فهو الصرف في غير الوجهة الصحيحة. قال العلّامة الطريحي: (وقد فرّق بين التبذير والإسراف في أنّ التبذير: الإنفاق فيما لا ينبغي، والإسراف: الصرف زيادة على ما ينبغي).(5)
أمّا مظاهر الإسراف والتبذير فتشمل: المطعم، والمشرب، والملبس، والمسكن، وفي الكلام أو الصمت، وفي المدح أو الذم، وفي السهر، والنوم، وفي المناسبات، والأفراح، والإسراف في إهدار الطاقات، وليس الماء إلّا أنموذجٌ لها، وإضاعة الأوقات، وهي من أغلى ما نملكه في هذه الحياة، والإسراف في نقد الآخرين، أو تزكية الذات وغيرها.
والمجتمع اليوم يُعاني من هذه الآفة الخُلقية الّتي نهى عنها القرآن الكريم في أكثر من مناسبة، ولابدّ من الوقوف بحزم ضدّ مظاهرها وممارساتها الّتي نراها حتّى في وسائل التواصل الاجتماعي في الولائم والأفراح، وكيف يُلقي الأغنياء بقايا الأطعمة الّتي تكاد تكفي أسراً فقيرة دون وعي أو رادع من قرآن أو سلطان، في حين لا تجد بعض الأسر ما يكفيها، وهذا واقع ملموس في مجتمعنا.
وفي المقابل نلاحظ أنّ القرآن الكريم شجّع الأخلاق الّتي تقوي الأواصر في المجتمع المسلم وتشدُّ لُحمته كـترشيد الإنفاق والتكافل الاجتماعي والتقوى والنزاهة، وحارب الممارسات الّتي تهدُّ المجتمع وتعمل على تفكيكه كالفساد المالي، والاحتكار، والرّبا، والتبذير، والإسراف.
ويجدر بنا التمسك بما أنزل الله تعالى في كتابه الكريم وطبّقه النبيّ الأكرم (صل الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار واقعاً معاشاً في حياتهم المباركة، ومَن اقتفى أثرهم من عباد الله الصالحين إلى يوم القيامة، ففي سنّتهم عِبرة لنا ورادع للمتكبّرين المتفاخرين، ولا أظن أنّ ذلك محال يصعب تحقيقه على المؤمن الذي أدرك أنّ هذه الحياة الدنيا متاع زائل.
.................................
(1) (الإسراء:26). (2) (الأعراف:31).
(3) ينظر: لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت ـ لبنان، (د.ط)، (د.ت): مادة (ب، ذ، ر): 4/50.
(4) ينظر: المصدر السابق، مادة (س، ر، ف): 9/148.
(5) مجمع البحرين: العلامة فخر الدين بن محمد الطريحي، مكتبة المرتضوي، طهران ـ إيران، ط2: 3/217.
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات