العدد:
141
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
الحشد المقدس
ابتِسَامَةُ الرِّضَا
سارة محمد علي/ مركز الحوراء زينب
هناك في شمال العراق، بينما الفضاء مفعم بعبق تسبيح المجاهدين، والأرض تكاد تئّنّ من وطأة الإرهاب.
أُنيطت بـ (عليّ) مهمة تطهير الأرض من المتفجرات للتقدّم..
لم يكن يبالي بخطورة عمله، يتقدّم دون الآخرين، يفكّك العبوة تلو الأخرى، يعمل بصمت وذكاء, وقلبه يلهج بالدعاء.
اشتّد وهج الشمس في تلك الرمضاء، واصطبغ شعره الأسود بغبرة الصحراء، أزاح خصلات منه جانباً؛ ليُحكم ربط شريط أحمر على جبينه، خُطّ عليه (لبيك يا حسين).
ألقى ببصره على خارطةٍ للمنطقة، فازدادت ابتسامته ألقاً، إذ إنها العبوة الأخيرة، تمتم بكلمات سجّلتها ملائكة الرحمن، وما هي إلّا لحظات حتى رفع رأسه مبتسماً رافعاً بإصبعيه شارة النصر لمَن خلفه، ليتقدّم من بعده المجاهدون؛ كي ينقضّوا على عدوٍ اتخذ من الجحور مخبأً له.. وصل إليه فريق الإعلام الحربي, بادره المراسل متسائلاً:
- أخبرنا عن سرّ انتصاراتكم؟
- أجابهم مبتسماً مشيراً إلى جبينه:
لبيك يا حسين.. فبها نتقدّم، وبلبيك يا زينب ننهي إجرام المتفجرات.. وأضاف بثقة عالية:
أوصي الجميع بأن يتمسّكوا بالمرجعية الدينية؛ فهي مَن تأخذ بنا إلى برّ الأمان، عليكم بمرجعكم الأعلى فقائدنا سماحة آية الله العظمى السيّد عليّ الحسيني السيستاني (دام ظلّه الوارف) كـ (مسلم بن عقيل (عليه السلام))، يأخذ البيعة لنصرة الحسين (عليه السلام).
عَلِمَ (عليّ) أن اشتياق أمّه يؤلمها، فأراد أن يوصل إليها رسالته، ليثبت لها أنها معه في كلّ لحظات عمره، فأرسل إليها كلماته عِبْر عدسة الكاميرا.
(أمّي جُزيتِ خيراً عمّا قدّمتِ، رضاكِ يا أمّي فمالي في الدنيا سواه، لا تخافي ولا تحزني وقرّي عيناً، فنحن سلكنا طريق الولاية، وهو امتداد لثورة الطف).
أنهى حديثه، ليترك أمّه في شوق الانتظار، أمّه الّتي طالما تمنّت أن تزفّه إلى عروسه وتحتضن أطفاله، كم تمنّت لو أنّه يوماً ما يُثقل عليها بطلباته، يأمرها أن تعدّ له ما يشتهيه من الطعام أو تُحضّر له ما يريد ارتداءه من الملابس، فهكذا تسمع من الأمهات سواها كثرة طلبات أبنائهنّ، إلّا (عليّ).. ولدها (عليّ) يأبى أن يكلّف غيره بأيّ عملٍ كان، يسعى هو إلى خدمة أمّه، لا لأن تخدمه أمّه.. تمنت لو كان عاقّاً بها، لكان فراقه أهون عليها، مرّت أيام شعبان سِراعاً، وها هي أيام الإجازة الصيفيّة قد أطلّت على الأطفال، وهم في شوق إلى معلّمهم (عليّ) وهو يتلو على مسامعهم آيات السور القصار ويعلّمهم معناها، في حلقات دائرية، تحفّها الملائكة، تنتشر في أروقة مسجد الحيّ في بغداد تماماً كما في كلّ عام، أمّا عليّ فما زال في تلك القرية في جبال سنجار شمال العراق، ارتفع صوت أحد المجاهدين متهجداً بفصول أذان فجر السادس من شهر رمضان، بعد أن أتمّ صلاته بدأ يتهيأ (عليّ) لواجبه، ربط الشريط الأحمر المخطوط بـ (لبيك يا حسين) على عضده.
حمّل أدواته الهندسيّة وبدأ بالعبوات لتفكيكها، تلوّن الفضاء بألوان الخراب حين دوّى انفجار أحدها..
في تلك اللحظات ارتقى عليّ شهيداً إذ تمنّى, بعد أن قدّم دروسه في التواضع، والرفعة، والسمو بالنفس.. انتصر على عدوّه تماماً كما انتصر في ميدان تحرير النفوس والارتقاء بها، نال ما ابتغاه من ربّه بعد أن جاهد لإرضائه، ابتسامة الرضا تلك لم تفارق مُحيّاه حتّى حين تلقّى جسده شظايا العبوات المنفجرة.. ليترك أمّه في شوق لا ينقطع.
صِنَاعَةُ السَّمَاء
مها حمادة الصائغ/ إذاعة الكفيل
رجال تصنعهم السماء، فيصلحون الأرض بدمائهم، هبني لغة رجال أنتجهم القرآن، فرسمت ملامحهم على السواتر، لتقف النفس عن البوح بأقفال صفات المؤمنين، وتفتح أقفالها في سورة الأنفال والتوبة، فوهبوا لبني البشر بعض أمان الفردوس من نهر دمائهم، ولحن للإباء نظم بوزن الحزن وقافية مطلقة، مفاده أنَّ الشمس ستشرق قريباً وإنْ حجب الجسد وتلاشى، سننحني كانحناء الدالية في كرم لا يرى من ألوان التميّز غير لونه النادر، لون الكرم بالروح والنفس، فهم وردة حمراء فاقع لونها، وأخرى بيضاء تسرّ الناظرين، وبين هذه وتلك يعيش وسام الشرفاء، لن نسقط إلّا شهداء.
نَشِيدُ الخُلُود
زهراء فاضل الحسيني/ مدرسة لغة عربية/ كربلاء المقدّسة
سأحملُ روحي علَى راحتِي
وأُلقي بِها في مَهاوِي الرَّدى
فأمّا حياةٌ تسرّ الصديق
وأمّا مماتٌ يغيضُ العِدا
قالها مرتدياً بدلته العسكريّة، ودّعني وكان حاملاً بندقية, أوصى أمّي أن احرسي بيتي إذا ساقت الريح الغيوم، وغار ضوء القمر، وارعي صغاري فأنا في سفر وسفرتي طويلة المشوار، أقلع فيها الشوك عن طريقكم وأزرع السنابل, وأنثر الورود من بنادق الجحافل, وأدقّ القهوة السمراء من بارودها, وأسقيها الضيوف, فتمتلئ بها مضايف البواسل، فإذا طال الفراق, وآلت الشمس منّي للمغيب, وتضرجت منّي الأراضي بالدماء، وتضوّعت بالمسك منّي كربلاء, وتكلّلت بالغار أسراب الطيور لتحمل الروح المطهّرة الزكيّة، فأقرئي أمّي السلام, وأبلغي والديّ عنّي التحيّة, واسأليه بأن: هل قد وفى ذاك الذي علّمته أنَّ المبادئ جعفرية؟ أمي، وهل قد وفى ذاك الذي علّمته أنّ الكرامة حيدرية؟ عذراً أبا الأحرار، جلّ هديتي لك والدي مَن كان يحميني ويجبر خاطري, وها أنا ذا أحاول طبع صورته الجميلة بداخلي لأبرهن أنه ما مات، بل أحيا بميتته الضمائر، وأنَّ أبي نبراس مجد للسواتر، وأنَّ أبي أنشودة الأمّ في مهد الوليد تفاخرت به كلّ الحرائر، واليوم في مدرستي كلُّ أناديه أبي، حتّى أنا صرت أبي، حتّى اليراعة والمقاعد والدفاتر، حتّى الكنائس والجوامع والشعائر، حتّى فرات الخير ودّع جرفه، ورمى بنفسه في نار نمرود السعيرة، فهوت تقبّل دجلة منه الجبين، وأكملت عنه المسيرة، وأمّا النخيل فقالها لا، أنا لا أساوم، أنا لن أبيع العزّ والشرف المصون، وأمّا الشهيد فأسكنته حدق العيون، حتّى النخيل قالها مرتدياً بدلته العسكريّة، ودّعني وكان حاملاً لبندقيّة.
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات