العدد:
140
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
الحشد المقدس
صَانِعَةُ الفِدَاء
زينب عبد الله كاظم العارضي/ النجف الأشرف
حينما تحزَّب جند الباطل وأتباع الشيطان لذبح الأمل والحياة واغتيال الغد المشرق للإنسان هبَّ الغيارى أسوداً متدرعين بحبّ الرحمن، قد تمنطقوا بعزم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإباء السبط الشهيد وغيرة أبي الفضل العباس، وكان زوجها الشهيد في ضمن هذه القافلة المباركة.
مضى عنها بعد أن ودّعها، وكانت آخر صورة منه ابتسامته التي بقيت في مخيلتها، ثم أحرز النصر تلو النصر، إلّا أنه لم يعُد إليها، عادت جثته التي تحكي لها بطولاته وعشقه ومحبته لدينه ووطنه، فصار الحزن يرافق أيامها، والوجع من ألم الفراق يأكل ساعاتها، يا تُرى، كيف ستواجه غيابه المضني؟ وكيف ستقضي أيام حياتها من دونه؟ ومسؤوليتها القادمة جليلة وصعوباتها كثيرة.
لكنها مؤمنة، صبورة مجاهدة، فهي زوجة شهيد نذر حياته لربّه، وأعطى كلّ شيء في حبّه؛ لذا ستنهض وتستوي في مواجهة مسؤولياتها بثبات زينبي.
ستُحيي ذكرى رجل كان شريك رحلتها إلى الله تعالى، ستتصالح مع الغياب، وتتوافق مع الألم؛ لتصنع خبزاً ومهداً دافئاً لأولادهما، سيبقى حجرها آمناً لتصنع جيل الغد، وسيفتخر الشهيد من عليائه بثباتها وجهادها وتربيتها.
فألف تحية لكلّ زوجة شهيد لم تزحزحها فداحة المصيبة ولا عظم الرزية عن مواصلة الكفاح، ألف تحية لكلّ دمعة وأنّة وآهة في هذا الطريق المقدّس، ألف تحية لكلّ مَن وقفت مع زوجها في أيام المحنة وقدّمت أكبر التضحيات، ألف تحية لكلّ مَن شاركته الألم والأمل والتوجهات، هنيئاً لكنّ أيّتها الزينبيات الصابرات، فبصبركنّ وإيمانكنّ وثباتكنّ أعدتنّ أمام نواظرنا صورة كربلاء، ومواقف الأفذاذ من النساء، مَن استسهلنّ العطاء، وواصلن المسير فداءً لرسالة السماء.
نعم، نحن نعلم أنّ جرحكنّ أيّتها الصابرات عميق، وأنكنّ بفقدكنّ لأزواجكنّ قد فقدتنّ الحبيب والأنيس والرفيق، مَن كنتنّ تعشن تحت ظل رعايتهم آمنات مطمئنات؛ لذا لن يكون الفقد هيّناً، ولا النسيان أمراً ميسوراً، لكن ما يهوّن الخطب، ويبرّد القلب، إنه شهيد حيّ عند الله تعالى، ذهب ليكون شافعاً لكنَّ في الآخرة، ومصدر فخر وعزّ في الدنيا.
لم يبذل نفسه من أجل شيء رخيص وتافه، بل ضحّى بمهجته من أجل الله تعالى والمقدّسات، وأنتنّ بلا شك شريكات جهاده وتضحيته، ولكُنَّ عند الله تعالى ما ليس لغيركنّ.
لذا أقول لكلّ زوجة شهيدٍ أبيٍّ:
أيّتها الموفقة، اصمدي وواصلي واعلمي، إنّ جهادك الحقيقي مستمر حتى تحفظي رسالة زوجك الشهيد، وتصوني دماءه، وتحرسي بكلّ وجودك أهدافه، وتكملي مسيرته.
وأول مَن يحظى باهتمامك هم بقية الشهيد (أولاده)، فاحرصي على أن تكوني لهم أباً وأمّاً ومعلّمة وملهمة، واعلمي -رعاك الله- (عزّ وجل) أنك المؤتمنة عليهم، وهنيئاً لكَ هذا الوسام الإلهي، فلقد أضحت علاقتك مع الله تعالى مباشرة، فأنت وأطفال الشهيد مورد الرحمة الإلهية الخاصة في الدنيا والآخرة، فزوجك قدّم روحه لله فماذا تتوقعين؟ كيف سيردّ الله تعالى هذا الفعل الجميل والبذل العظيم؟
عَلَى صَهْوَةِ البُطُولَة
إسراء محمد العكراوي/ مجلة نفحات قرآنية
تعدو أشجار الكاربس على مرآة السيارة الجانبية، ترافقها ألوان الأبنية السائرة إلى الخلف بينما تنهب السيارة الأرض الإسفلتية الممتدة تحت أشعة الشمس الذهبية، ما أشبه التماعها بخصلات شعر (آيات).
تحسّس خدّه متلمساً آثار تلك الخصلات عليه، وفي روحه عطرها وهي تضمّه هذه المرة بقوة أكثر، وكأنها تقول: أبي.. اجعلني جزءاً من روحك كي أبقى معك، إيه يا بنيّتي، أنتِ روحي كلّها.
لمعان عينيها المغرورقة بالدمع يشبه لمعان عينيْ جدتها (أمّه) وهي تسكب الماء في إثر خطوته قائلة: (الله ومحمّد وعليّ وياك يمّه، مّودع بيد الزهرة أم الحسين)، ثم اختفى صوتها وربّما غلبته العبرة فاختنق.
أطرق (عليّ) رأسه متيحاً لدمعته السقوط على ذراعه المتكئة على شبّاك السيارة، فجذب نظره لون الخيط الأخضر المشدود على رسغه، وطفح في عينه وجه (أسماء)، آه يا حلم الصبا والشباب، فتبسّم ودار في خلده حديثها وهي تربط هذا الخيط على رسغه قائلةً: جلبت هذا الخيط من شبّاك أبي الفضل (عليه السلام)، (عليّ) هذا ليس مجرد خيط، إنها قلوبنا معلّقة بيدك، فلا تظنّ أنك وحيداً في المعركة، قلوبنا ودعاء أئمتنا معكم يا عليّ، فاضرب بيد تطلب الثأر لعين أبي الفضل (عليه السلام) ولا تدع الإمام الحسين (عليه السلام) وحيداً يطلب ناصراً ودونك الشهادة والجنة، ثم بكت وأطرقت هامسةً: عدْ لي منتصراً سالماً.
أسند رأسه إلى مقعد السيارة وهو يسحب نَفَساً عميقاً وتحدّثه نفسه، آه يا وطن العذوبة والأحباب، كلّ نسمة منك تدخل الرئة تعانق القلب، كأنه في شوق دائم إليك.
لفح وجهه رمل ساخن، ففتح عينيه وكأنّ ذاك الرمل أيقظ مواجع كربلاء في داخله، تُرى أيّ رمل لفح وجه الإمام الحسين (عليه السلام) حين بقي وحيداً!؟ فصرخ ألا من ناصر ينصرنا ألا من..
انتصب عليّ في جلسته وقد ذابت ذكرياته وأشواقه ومواجعه ونطقَ لبّيك.. لبّيك يا حسين.. لبّيك يا إمام السلام والحرية.
فِي رُبَاك
ضمياء حسن العوادي/ كربلاء المقدّسة
على سواترِ العشق تقفُ بقايا خطوات الحبّ، وتعانقها رصاصات أفرغت غضبها في ساحات الخلود، فتصطاد وحوش الفلا، تلك الآثار تزاحمتْ هناك، ما زالت الأرض تحتفظ بنبضاتِ أقدامهم وتتبعهم إلى مكان انقطاع النبض حيث توقفت الخطوات، وتلوّنتْ بأزاهير الإباء، لم تكن تلك دماءً، بل ثوبَ عزٍّ صان للحقّ بقاء، وقفتْ القدمان هناك، بل كانت واحدة وأخرى، ضَلّتْ تواجه العراك، ترفض وقع هزيمتها على الرغم من فوزٍ تحقّق وهو يحمل جنان الخلد بين طياته، متمتماً بين خرير أنهارها.
هل أراك.. بلداً تحررت جبهته من ضيم أوغاد فتبدو في علاك؟ سالماً منعّماً وننثر عبير التضحية هناك في ثراك، حيث أرواحٌ تعالت في سناك، تُهدي جلَّ مهجتها في رُباك..
في رُبَاك.. أطفال فقدتْ ربيع أيامها لتعانق خريف اليتمْ..
في رُبَاك.. نساءٌ ترمّلتْ بعد أن أهدتْ إلى أرضكَ رجالَ حلمْ..
في رُبَاك.. أمٌ نذرتْ أن تعلو أهازيجها مسبوقةً بدمعة أمْ..
في رُبَاك.. تعفّنتْ أجساد مَن آذانهم عن الحق تُصَمْ..
في رُبَاك.. ستبقى حكاية فخر يرويها تاريخ من دمائهم وُسِمْ..
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات