العدد:
140
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
النور الزاهر
كَفَى بِي عِزّاً
شمس الضحى البحراني/ البحرين
(أنتم عباد الله) بهذه العبارة وهذه الصيغة وجَّهت الزهراء (عليها السلام) خطابها لمن في المجلس ولنا! لتنبّهنا ولتلفت انتباهنا لأمرٍ مهم.
كلمة أَجِد فيها حلاً وعلاجاً لكلِّ مشكلة، وإجابةً لكلِّ سؤال! كلمة تعطينا منهجاً وبرنامجاً يحقق لنا الخير والسعادة والعزّة.
هي نفسها كلمة الله، كلمة الأنبياء والأوصياء عليهم الصلاة والسلام، وهي أن نكون عبيداً لله (عزّ وجل)، أي أن نعرف مَنْ نحن؟ (مَنْ أنا ومَنْ أنتم؟).
فسبب كلّ مشكلة نفسية أو جسدية أو اجتماعية أو اقتصادية هي أننا لا نعرف مَنْ نحن؟
ننسى أو نتناسى أننا عبيد ومن ثمّ نقع في المشاكل!
فنبيّ الله وروحه عيسى (عليه السلام) قال وهو في المهد، وكان أول كلام له (عليه السلام): (..إِنِّي عَبْدُ اللهِ..)/ (مريم:30).
والله (سبحانه وتعالى) يصف أنبياءه (عليهم السلام) فيقول في وصف رسول الله (صل الله عليه وآله): (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ..)/ (الإسراء:١).
مثلما أمرنا أن نشهد له بأنّه عبده ورسوله، وهذا أكبر افتخار له (صل الله عليه وآله).
وقال: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ..)/ (ص:٤١)، وغيرها من الآيات المباركة.
ففي العبودية حرّيتنا وعزّتنا وفِي ذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إلهي، كَفَى بِي عِزّاً أنْ أكونَ لَكَ عبداً، وكَفَى بِي فَخْراً أنْ تكونَ لِي ربّاً».(1)
صحيح أنّنا ومع كلّ الموجودات من الناحية التكوينية عبيد لله (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)/ (مريم:93)، إلّا أنَّ الإنسان يختلف عن غيره من المخلوقات بأنّه مختار ومريد، هو تكويناً عبدٌ ولكن تفعيله وتطبيقه العملي باختياره وإرادته.
وقد وضّحت الزهراء (عليها السلام) وقالت: (تعبّداً لبريته) تعبداً تعني باختياره وإرادته يتعبّد ويعبد الله (سبحانه وتعالى).
فالعبودية تعني الطاعة والتسليم المطلق لله (عزّ وجل)، فكلّما صار عبداً زاده الله تعالى فضلاً وكان سبباً لشمول الرحمة والفضل.
فلا يمكن لأحد أن يتصوّر أنّه لا يستطيع تحقيق القرب الإلهي أو أن يحقق الخير والسعادة من دون الطاعة، قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)/ (الأحزاب:٧١).
ومن أجل ذلك وجب علينا الآن أن نعرف ما دورنا؟ وما هي مسؤولياتنا؟ لأننا فقراء (أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)/ (فاطر:١٥)، فالعبودية لا تتحقق إلّا بالالتزام بالشريعة والتكاليف، والاهتمام بالمستحبّات وترك المكروهات والمحرّمات.
هذه الأحكام هي المسؤوليات التي بأدائها سنحيا وسنحقق السعادة وستُحل كلّ مشاكلنا، فنبيّ الله وروحه عيسى (عليه السلام) بعد أن قال: (إِنِّي عَبْدُ اللهِ) بيّن الدور والوظيفة فقال: (آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)/ (مريم:٣٠).
كذلك الزهراء (عليها السلام) بعد أن قالت: (إِنِّي عَبْدُ اللهِ)، قالت: (نصب أمره ونهيه) نصب: يعني أنتم أول المخاطبين بالأوامر والنواهي، «أَنْتُمْ عِبادَ الله نُصْبُ أمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَمَلَةُ دينِهِ وَوَحْيِهِ، وِأُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ..».(2)
وقد ختمت هذه الفقرة بآيات تؤكّد أنَّ العبد والعالم الحقيقي الذي يلتزم بالتكاليف والواجبات ستغرس لديه وتنمو الخشية من الله (سبحانه وتعالى)، (..اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)/ (آل عمران:102) وَأطيعُوا اللهَ فيما أمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ، فَإنَّه (..إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ..)/ (فاطر:28).
...................................
(1) مستدرك سفينة البحار: ج1، ص332.
(2) ميزان الحكمة: ج1، ص55.
الصِّبْغَةُ العِبَادِيَّةُ للسّيّدَةِ الزَّهْرَاء (عليها السلام) وَأبْعَادهَا الاجْتِمَاعِيَّة
د. راغدة محمد المصري/ لبنان
الصبغة العبادية صفة ملازمة للمجتمع الإسلامي كتلازم الروح للجسد، أكّد عليها القرآن الكريم: (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)/ (البقرة:138). تُطلق تسميات مختلفة على صبغة الله منها: الفطرة، التوحيد، هي كلّ ما تقرّب به(1)، معرفة أمير المؤمنين (عليه السلام) بالولاية والميثاق(2)، وقيل: إنّها الولاية وهو باطن الآية(3)، ويمكن القول إنّ الصبغة هي الاعتقاد الفكريّ والروحيّ، والاتّباع العمليّ الّذي يُعطي الرفعة والمكانة السامية في الدنيا والآخرة، هي تشخيص الهويّة لفرد أو جماعة متميّزة بالفكر والعقيدة والقيم والسلوك.
وقد تجلّت الصبغة العبادية لدى السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأدوار مختلفة، مليئة بالعمل والسعي والتكامل والسموّ الروحيّ للإنسان، لتكون النموذج المحوري النابض للمرأة في حركة المجتمع والتاريخ. ومن أبرز أدوارها:
إنَّ من أبرز أدوارها حفظ الهوية الإنسانية التكاملية؛ إذ تمثّل الزهراء (عليها السلام)، الامتداد الرسالي لحركة المرأة في التاريخ الإنساني، ومن خلالها استمر خط النبوّة المتمثّل بالإمامة، فجسدت شخصيتها وهويّتها الكمال في قيمة الإنسانية، فهي (فاطمة سيّدة نساء العالمين).
وهي النموذج الأسمى للأسرة القدوة، فهي الابنة البارّة المفعمة بالعطف حتّى لُقِّبت بأم أبيها، والزوجة الصالحة، والأم المربّية الرؤوم لأبناء شكّلوا مدرسة لأحرار العالم، بقيم التضحية والجهاد والشجاعة، والإصلاح ومحاربة الظالم ونصرة المظلوم.
كذلك الدور الإنساني مع الفقراء والمساكين بالإحسان والإيثار كعطفها على الأعرابي(4)، إلى رعاية اليتيم، والاهتمام بالأسير، والمسكين لتعطي فهماً خاصاً لعبادة الصوم: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا  إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)/ (الإنسان: 8، 9).
ورسمت السيّدة الزهراء (عليها السلام) الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية لإقامة الصلاة والدعاء: عن الإمام الحسن قال: «رأيتُ أمي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم، وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمّاه، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت يا بني، الجار ثم الدار»(5). وقد تركت السيّدة الزهراء (عليها السلام) العديد من الأدعية المرتبطة بالقضايا الاجتماعية مثل: دعاء لأداء القرض(6) ودعاء للمهمّات(7) ودعاء في الحوائج(8) ودعاء للفرج من الحبس والضيق.(9)
وأيضاً الدور السياسي والجهادي ومشاركتها الفاعلة والمؤثّرة في الدعوة والجهاد مع الرسول (صل الله عليه وآله)، وحضورها في القضايا المصيرية كالمباهلة مع النصارى، ودفاعها عن الإمامة.
أمّا عن دورها الثقافي، وتأسيس أول مدرسة نسائية في الإسلام، فقد رفدت الأجيال بالمعرفة، وكان بيتها موئلاً للداخلات والخارجات(10) قصدتها نساء المدينة، وجيران بيتها(11) وروى عنها بعض الصحابة.
أعطت السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) الخيّر الوفير في التنمية الاجتماعية المستدامة، بإنجازاتها في نشر الدعوة وتأصيل مفاهيمها، وحفظ استمراريتها لخط الإمامة، عملت على مكافحة الفقر، والجهل، والتخلّف، بنشر الوعي والمعرفة والأخلاق.
إنّها اليوم بيننا حاضرة مع حسينيّ العصر: الحشد الشعبي والمقاومة الإسلامية، والفاطميات والزينبيات الصابرات اللواتي شاركن في الدفاع المقدّس والجهاد وصناعة النصر.
......................................
(1) لسان العرب: ج8، ص437. (2) بحار الأنوار: ج1، ص209.
(3) تفسير الميزان: ج1، ص31. (4) بحار الأنوار: ج43، ص56-58.
(5) علل الشرائع: ج1، ص182.
(6) مهج الدعوات: ص142. (دعاء آخر لفاطمة الزهراء( (عليها السلام).
(7) مهج الدعوات: ص139-141. (دعاء علمها إياه رسول الله (صل الله عليه وآله)).
(8) مهج الدعوات: ص141. (دعاء آخر عن مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)).
(9) مهج الدعوات: ص142-143. (دعاء آخر لمولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)).
(10) شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد: ج9، ص198.
(11) شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد: ج9، ص193.
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات