العدد:
140
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
مناسبات
ذوا الجَنَاحَيْنِ
سمية إبراهيم علي الجنابي/ بابل
كلماتي هذه هي في ذاكرة العناوين الكبيرة من تاريخ الإسلام ووجوده، فالرموز هم الذين شكلّوا محددات الخيال الثقافي والاجتماعي للمسلم، والمطلّع على حال شبابنا ونخوتهم وصولاتهم في الدفاع المقدّس يعلم أنَّ حضور هذه الرموز كان باعثاً ومحفّزاً في الذود عن حرم المقدّسات الإسلامية.
وقد أعدَّ الله الجنّة دار الخلد والكرامة للسعداء من عباده المؤمنين، كما أعدَّ النار في يوم القيامة للأشقياء من عباده كما ذكر سبحانه في محكم كتابه: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)/ (هود:105) ولي الشرف أن أتفرّد بالكتابة عن شخصية عظيمة من الشهداء والسعداء الذين فازوا بالجنة والخلد في سبيل الله (عزّ وجل)، وبعد هذه المقدّمة أتحدّث عن سيّدنا جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) ابن عم النبيّ محمد (صل الله عليه وآله) وأخ الإمام عليّ (عليهم السلام) وهو أكبر عمراً من الإمام علي (عليه السلام) بعشر سنين، وهو ثالث من أسلم وصلّى مع رسول الله (صل الله عليه وآله)، بعد الإمام عليّ (عليه السلام) وخديجة (عليها السلام)، حيث كان النبيّ (صل الله عليه وآله) يتقدّمهم للصلاة وعليّ (عليه السلام) عن يمينه، وجعفر (عليه السلام) عن يساره، وخديجة من خلفه (عليه السلام)، ويُقال إنّه كان أشبه الناس بالرسولِ محمدٍ خَلقاً وخُلُقاً، إذ كان يقول عنه مع رسول الله (صل الله عليه وآله): «خُلق الناس من أشجار شتّى، وخُلقت أنا وجعفر من شجرة واحدة».(1)
ورُوي أنَّ جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول لأبيه: «يا أبه أني لأستحي أن أطعم طعاماً وجيراني لا يقدرون على مثله، وكان يقول له أبوه: إني لأرجو أن يكون فيك خلف من عبد المطلب».(2)
وعن عمران بن حصين قال: (..وذلك أنه مرَّ أبو طالب ومعه ابنه جعفر برسول الله (صل الله عليه وآله) وعليّ عن يمينه، فقال أبو طالب لجعفر: صل جناح ابن عمّك..)(3)، فكانت أول صلاة صلّاها رسول الله (صل الله عليه وآله) في جماعة.(4)
كما آزر النبيّ بهجرته إلى الحبشة لنصرة رسول الله (صل الله عليه وآله) ودعا النجاشي إلى الإسلام فأسلم، وكان جعفر (عليه السلام) يوم بدر بأرض الحبشة فضرب له رسول الله (صل الله عليه وآله) بأجره وسهمه، وقد وفد على رسول الله (عزّ وجل) يوم فتح خيبر من أرض الحبشة، فقام إليه النبيّ (صل الله عليه وآله) وقبّله بين عينيه ثم قال: «ما أدري بأيهما أنا أسر: بقدوم جعفر، أو بفتح خيبر».(5)
وفي غزوة مؤتة المعركة الحاسمة بين المسلمين والروم على حدود الشام، حيث كان عدد جيش الروم في جمع عظيم والمسلمون في قلّة ثبت جعفر (عليه السلام) حاملاً الراية بيد ويقاتل بالأخرى, فضرب على يده فقطعت، فأخذها باليد الأخرى فضرب عليها فقطعت، فاعتنق الراية وثبت مكانه حتى استشهد، وفي الطف أعادها كرة أخرى بطل العلقمي العباس بن عليّ بن أبي طالب الذي فدى بنفسه من أجل دين النبيّ (صل الله عليه وآله) يوم عاشوراء.
ما إن أتى نعيه من مؤتة إلى المدينة حتّى وجد فيما أقبل من جسده تسعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف وقطعت يداه في الحرب فأعطاه الله جناحين يطير بهما في الجنة، فلقِّب ذا الجناحين.(6)
وقال أيضاً (صل الله عليه وآله): «لقد سار في ملءٍ من الملائكة له جناحان خضيبان أبيض القوادم»(7) وحزن عليه حزناً شديداً
وكانت شهادة جعفر في غزوة مؤتة في جمادى الأولى (سنة ٨هـ) وهو ابن ثلاثين سنة، فكان إنموذجاً لشباب اليوم في سوح القتال فكم عباسٍ، وكم جعفرٍ وأخي الشهيد مصطفى منهم أمثاله من الشباب يقاتلون ويقتلون دفاعاً عن الوطن ومقدّساته وكانوا فخراً لوطنهم وأولادهم وأجيال المستقبل.
..........................................
(1) بحار الأنوار: ج21، ص64.
(2) الدرجات الرفيعة: ج1، ص87.
(3) بحار الأنوار: ج35، ص121. (4) المناقب والمثالب: ص107.
(5) الخصال: ج1، ص85. (6) الكافي: ج2، ص178.
(7) المناقب والمثالب: ص107.
شَمْسُ بَاخمْرَا وَضُحَاهَا
أريج المنظور/ البصرة
شموس الآل تبقى ساطعة منيرة مهما حاول الظالمون إطفاء أنوارها فتزداد وهجاً على مرّ الأزمان وإن تناثرت تلك الشموس في الأصقاع لتنير ظلمتها الحالكة بنور الإيمان والبصيرة.
ومن هذه الشموس شمسٌ رتّل في حياته آيات سورة الشمس واستنطقها آية بمواقف تزلزل الجبال الرواسي من عظم المأساة، بعد أن خرج من مدينة جدّه رسول الله (صل الله عليه وآله) خائفاً يترقّب، يشق طريقه على نهر الفرات حتّى وجد ضحاه على ضفاف نهر سورى وهي تلك الفتاة التي كانت تقسم ببيعة صاحب الغدير فاطمأن قلبه، وكانت سبباً في إشراقة شمسه المضيئة على حي باخمرا(١)، الذي لم تشرق عليه شمس مثله من قبل مهما حاول شمسنا أن يخفي أنواره، ونعت نفسه بـ (الغريب) ليعمل شمسنا سقاء في ذلك الحي، وظل يرسل أشعّته الذهبية من ورع وتقى وعلم وشجاعة إلى أهل باخمرا حتى قدّر الله تعالى للشمس أن تقترن بضحاها بنت كبير الحي (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) لتأتي (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا) هي الطفلة (فاطمة) التي كانت سلوى الشمس على فراق الأحبّة وضياء حياته، فكانت (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) بكلّ ما يحمله النهار من نور ونشاط وعطاء حتّى جاء (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا)؛ حيث أفل نور شمس القاسم، بن الإمام الكاظم (عليه السلام) وهو في عزِّ شبابه وعمّ الظلام على حي باخمرا وافتقد ذلك النور البهي من أنوار العترة الطاهرة، الذي أوصى بأن يلتحق قمره ببقية الأقمار والشموس من أهله في مدينة جدّه الرسول (صل الله عليه وآله)، فخيّم الحزن على حي باخمرا وجميع ما أقلّت (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا) خاصة بعد رحيل القمر (فاطمة) إلى مدينة جدّها؛ إذ أخذت تدرج في سكك المدينة لتأخذها ريح العشق العلوي إلى حيث الآه المستقرة في منزل الأرامل واليتامى، تخطو خطواتها وعواصف الهم تضرب رأسها وتهدأ خفقات قلبها المضطربة بقوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، ولاحت تباشير اللقاء على أعتاب منزل الأقمار من آل محمد (صل الله عليه وآله)، كان قمرنا الصغير (فاطمة) تأمل أن ترى ولو شمساً مضيئة تعوّضها عن شمس أبيها القاسم، وإذا تُفاجأ بكمٍّ من الأقمار الثواكل وحولها جمعٌ من الأيتام، فأسقمها الحزن وتوفّيت كمداً لعظم الرزية.
والتحق قمر باخمرا الصغير بباقي أقمار بني هاشم التي عانت من ظلم بني العباس وتشريدهم وقتلهم لرجال بني هاشم، وموت الهاشميات كمداً على تلك الشموس العلوية وكسوفها الواحد تلو الآخر؛ لترسم لنا ملامح عاقبة الظالمين لآل محمد في الدنيا قبل الآخرة( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا)/ (الشمس:11-15).
وبقي قمر باخمرا وجميع أقمار بني هاشم يرقبون بزوغ شمس آل محمد آخر الزمان لتشرق على المظلومين والمعذّبين في الأرض ليرتل الكون معه آيات سورة الشمس؛ ليبسط العدل على هذه البسيطة ويأخذ بثأر شموس العترة الطاهرة ودموع أقمارها.
............................................
(1) باخمرا نسبة إلى شيخهم المعروف آنذاك، وقيل: لأنَّ المدينة كانت تشتهر بتخمير الطين مع التبن وتُدعى الآن مدينة القاسم تقع في بابل واسمها الآرامي سورى.
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات