العدد:
139
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
الحشد المقدس
التَّغْيِيرُ وَصِنَاعَةُ الشَّخْصِيَّةِ المُقَاوِمَةِ
زهراء آزادي/ جامعة الزهراء الإسلامية
اختلفت الأساليب والطرائق في صناعة الشخصية الفذّة والمقاومة لصعوبات الحياة ومعوّقاتها, لكن من أهم تلك الأساليب التي قد يغفل البعض عنها لعدّة أسباب هو التغيير.
فكرة التغيير على كافّة الأصعدة ضرورة لازمة في بناء ذاتنا, فالتغيير هو تبديل أو زيادة أو إنقاص من شيء, وجعل الشيء بمظهرٍ مختلف عمّا كان عليه.
تغيير النفس منطلق سماوي شجّعت عليه كافّة الرسالات وجاءت منادية به ليغيّر الإنسان من نفسه ليصعد مدارج الكمال ويرتقي سلّم التكامل النفسي والفكري والروحي.
هي النفس تسعى للتغيير دوماً حتّى لو لم نلاحظ ذلك لكن التغيير طبيعي في كلّ الموجودات, ومن تلك التغييرات حالات السعادة والفرح والحزن والكآبة التي نحصدها جرّاء تغيّرات في أعمالنا وحركاتنا.
التغيير نحو الجهة الإيجابية هو المطلوب منّا لتحقيق وجود شخصية فعّالة في مجتمعنا الإنساني وانطلاقة التغيير تبدأ من نفس الإنسان لا من غيره وإن كان للآخر دور لكن الإصرار والتصميم نابع من ذات الشخص وله الدور الأساس في إيجاد التغيير واقعاً لا نظرياً فحسب.
التغيير بآثاره ونتائجه يحفّز الإنسان على الحركة أكثر نحو تغيير أكثر فاعلية, فكلّما رأى الإنسان من حركته خيراً وبركةً رغب في تغيير نفسه أكثر نحو المنفعة والمصلحة التي تحقق له المنافع.
وربّ العالمين جلّ جلاله قال: (..إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم..)/ (الرعد:11).
وهذا يدل على ضرورة انطلاق الإنسان نحو الحركة التكاملية من نفسه.
عندما يبدأ كلُّ فردٍ بتغيير ما بذاته من نقص وجعل نفسه محطّ التغيير والتبديل نحو الأفضل فهو سيسهم في تغيير ركنٍ من أركان المجتمع المكوّن من عدّة أفراد وهو منهم.
قال الإمام (عليه السلام): «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته»(1) وهذه المسؤولية تبعث في النفس ضرورة تغييرها نحو إقامة المسؤولية على أكمل وجه.
فلا أم تستطيع تسلّم منصب الأمومة حتّى يحدث لها التغيير المطلوب والمناسب لتتحمّل تلك المسؤولية, فتُنمِّي مواهبها وخبرتها وتجاربها وتتعلّم وتتثقّف لتكون أمّاً نموذجية, وكذلك الأب فلا يمكنه تسلّم قيادة أمور البيت إلّا بعد أن يغيّر من نفسه ويجعلها أهلاً لتحمل قيادة البيت من تربية ونشر وعي وصبر وغير ذلك.
كلّنا نحتاج إلى التغيير وهذه الحاجة نابعة عن حاجتنا لمنافع التغيير، إذ ينصح علماء النفس لمرضى الاكتئاب بأن يسافروا ويغيّروا الأماكن ويبدّلوا ألوان ملابسهم كي ترتاح نفسيتهم.
كذلك ينصح علماء التربية طلبة الثانوية عند بدء الامتحانات بأن يغيّروا من نفسياتهم ولا يخافوا ويبعدوا أنفسهم عن مخاوف الامتحان الوهمية ويضعوا ذواتهم مواضع الشجاعة والقوّة ويحدّثوا أنفسهم بأنَّها قوية وتستطيع تخطّي الصعاب لتنال الدرجات العالية في الامتحان.
ومهما أردنا توضيح مفهوم التغيير يبقى اللسان عاجزاً, فالعمل أفضل صورة توضّح معناه ومضمونه.
......................................
(1) ميزان الحكمة: ج2، ص1212.
سَمَّيْتُهُ (عَبَّاس)
سارة محمد علي/ كربلاء المقدسة
قصة الشهيد السعيد (عباس حسن شاكر)
لم تكن تعلم أنّها ستفقد بصرها تدريجياً بعد أن فقدت ولدها، ما في عينيها من ألم يشعل فتيل الحنين إلى فلذّة كبدها، فتقلّب كفيّها أسفاً لفقده, على الرغم من أنَّها وبقلبها المُحصَّن بالإيمان تضرّعت إلى بارئها ليُفرح قلبه، بعد أن بانت على وجهه سيماء الحزن لطول انتظار مبتغاه.
خشي أن يكون هناك ذنب يحول دون ذلك، فأخذ يلتمس أمّه راجياً أن تدعو له لينال مغفرة الله ورحمة منه، وبات يراجع ما تصرّمت من أيام عمره، لم تدم حيرته طويلاً حتّى تناهى لسمعه جواب أمّه حين طمأنته قائلة: (بني مُذ كنتَ طفلاً وإحساس يراودني إنك لا تدوم لي طويلاً)، لا تقلق فإنَّ مكوثك هنا لن يطول، هي أيام معدودة ليس إلّا.
تلك الأم لطالما كانت تغبط نفسها على ما أنعم الله عليها من ولدٍ بار، نجيب، أبيّ، مقدام، أفنى حياته لخدمة والديه وتربية أطفاله، ففي الوقت الذي عاشت فيه العائلة تحت وطأة الفقر أو دون ذلك، كانت هي تتقاسم ما يقع بين يديها من نزر الطعام كي تسد جوعتهم فتجد ولدها يكتفي بشربة الماء، بذلك القليل حامداً شاكراً لأنعم الله (عزّ وجل)، فلم تذكر يوماً أنّه تأوّه أو تأمّر أو تضجّر من شظف العيش بل شمرّ عن ساعديه منذ نعومة أظفاره ليعين والديه في تخطّي صعاب الحياة، فعمل جاهداً ليلاً ونهاراً ليُسهم في تأمين إيجار دارهم, وكم من مساءٍ عاد فيه إلى داره خالي اليدين، ليخبر أمّه أنّ فرحته اليوم أكبر من فرحته في يوم يعود بين يديه مال.
سرعان ما بدد استغراب أمّه لمّا سمعت ذلك منه، حين أخبرها أنَّه وهب ماله لأطفالٍ فقدوا أباهم وأدخل السرور على قلوبهم المُيتَّمة.
لا أحد يستطيع أن يحدد مدى تعلّقها به وسببه، أ لأنّه فلذّة كبدها؟ أم لأنّه أغدق عليها من البر والاهتمام ماعزّ نظيره؟ أم لأنّه رفع رأسها شامخاً حين أهدى روحه فداءً لسيّد الشهداء وحامل اللواء بعد أن قاتل وقاتل، وفي كلّ هجوم يعزموا عليه يُمنّي نفسه بالشهادة غير أنّها لا تدنو منه.
كان جلّ ما يرجوه أن يرى كرامة الشهداء وسيّد الشهداء (عليه السلام).
لطالما تحدّث مع أمّه مستفهماً:
- أيّهما أفضل؟! أن يتلقّاني في قبري الحسين والعباس مبشّرين لي بالجنة؟ أم يتلقّاني منكراً ونكيراً منذرين لي بسوء ما اقترفته من أعمالي.
كانت مستيقنة ثبات ولدها؛ فهي حين سمّته (عباس) وهبته لمولاها العباس وسيّده الحسين.
تناهى إلى سمعها كلماته المعاتبة: أو لستِ تقيمين العزاء على سيّد الشهداء (عليه السلام)؟ ألم ترددي يا ليتنا كنّا معكم؟ فأين إذن كلّ هذا؟ وهذه فرصتنا الوحيدة لنكون من أنصار الحسين (عليه السلام).
استقوت روحها بصبر مولاتها زينب (عليها السلام) وتأزَّرت بإزار السكينة والطمأنينة لتودّعه محفوفاً بدعواتها له ليصل بعد أيام إلى مبتغاه ويواسي مولاه أبا الفضل العباس (عليه السلام).
فها هي بقايا جسده تُجمع بعد أن تناثرت بانفجار قذيفة هاون، وعادوا به إلى أهله، رأته أمّه محمولاً على أكف الأحبة، أرادت أن ترى كيف سيلقى إمامه، رأته بعد أن أصرّت على ذلك جسداً دون ساقين، يده اليمنى وجزءاً من جانبه الأيمن تناثر هناك على قمم حمرين، لم تصدّق أنّه هو إلّا بعد أن تفحّصت ما بقي من وجهه، هو ذاته الوجه النحيل ذو الابتسامة المنعشة للفؤاد، وجه قرّة عينها (عباس).
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات