العدد:
139
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
مناسبات
عُشُّ آلِ مُحَمَّد
سمية إبراهيم الجنابي/ بابل
إنّ التاريخ الإسلامي مليءٌ بل حافلٌ بالشخصيات وتلك الأسماء التي يصدح بها الماضي والبعض منهم إلى يومنا، ألا وهو آل بيت المصطفى (عليهم السلام), فبهم ضجّ الكون منذ بزوغ شمس محمد (صل الله عليه وآله)، وإلى يوم يظهر القائم وبهم يهدي الله البشرية إلى الحقِّ والخير وهم القدوة والمثل الأعلى لنا، ومن هنا نُسلط الضوء على شخصيةٍ مهمةٍ تركت أثراً في وجودنا ولا سيّما الشخصيات النسوية ألا وهي كريمة أهل البيت فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، فهذه سطور تشرّفت بزهرةٍ من أغصان شجرة الإمامة، وذكر بعض الجوانب المنيرة من حياة سيدة جليلة من البيت العلوي الطاهر، الذين تبوّأوا موقع الصدارة بين الناس من دون فرق بين رجالهم ونسائهم، فكان رجالهم خير الرجال، ونساؤهم خير النساء، على أي حالٍ فإنَّ في تسميتها بفاطمة المعصومة وكريمة أهل البيت (عليهم السلام) دلالة على المقام الرفيع الذي بلغته سيّدة آل محمد, وإنَّها صادرة عن المعصومين.
عاشت السيّدة المعصومة (عليها السلام) في كنف أخيها الإمام الرضا (عليه السلام) ورعايته مدّةً من الزمن, وتلقَّت التربية والتعليم اللائقين بمقامها على يد أخٍ شقيق لم يكن في علمه ومقامه كسائر الناس، فقد كانت لها بأخيها الإمام الرضا (عليه السلام) صلة خاصة قلّ نظيرها, وإنَّ من أهم أسباب بلوغها هذا المقام الشامخ علمها ومعرفتها بمقام الإمامة والإمام، فقد كان إمام زمانها فهو الإمام المعصوم وهو المربّي والمعلّم والكفيل.
والمصادر وإن لم تسعفنا بذكر شيءٍ ممّا تلقّته الأخت من أخيها، وبماذا حدَّثها، وكيفية حديثه إليها، إلّا أنَّ لدينا ما يكفي للكشف عن بلوغها مرتبة عالية من العلم والمعرفة والمقام السامي، ومنه قول معلّمها ومربِّيها الإمام الرضا (عليه السلام), إذ رُوي عنه أنَّه قال: «مَنْ زارَ المعصومة بقمٍّ كمن زارني»(1)، ولا يغيب عن بالنا أنَّ القائل معصومٌ لا ينطق عن الهوى، وأنَّ وراء هذه الجملة على قصرها ما يدلّ على المقام الرفيع في العلم وغيره، وممّا يؤيّد ذلك ما نقله العلّامة الشيخ عليّ أكبر مهدي پور حكايةً عن أحد الفضلاء عن المرحوم السيد أحمد المستنبط عن كتاب كشف اللئالي لابن العرندس الحليّ، وحاصلها أنَّ جمعاً من الشيعة قصدوا بيت الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) للتشرّف بلقائه والسلام عليه، فأُخبروا أنّ الإمام (عليه السلام) خرج في سفرٍ وكانت لديهم عدّة مسائل فكتبوها، وأعطوها للسيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) ثم انصرفوا.
وفي اليوم التالي -وكانوا قد عزموا على الرحيل إلى وطنهم- مرّوا ببيت الإمام (عليه السلام)، ورأوا أنَّ الإمام (عليه السلام) لم يعد من سفره بعد، ونظراً إلى أنَّه لابدّ لهم أن يسافروا طلبوا مسائلهم على أن يقدّموها للإمام (عليه السلام) في سفرٍ آخر لهم للمدينة، فسلّمت السيّدة فاطمة (عليها السلام) المسائل إليهم بعد أن كتبت أجوبتها، ولما رأوا ذلك فرحوا وخرجوا من المدينة قاصدين ديارهم.
وفي أثناء الطريق التقوا بالإمام الكاظم (عليه السلام) وهو في طريقه إلى المدينة، فحكوا له ما جرى لهم فطلب إليهم أن يروه تلك المسائل، فلمَّا نظر في المسائل وأجوبتها، قال ثلاثاً: فداها أبوها.(2)
إنّ لقبها بالمعصومة، فليس المراد بالعصمة هي تلك العصمة الخاصة اللازمة والأفراد من أهل البيت (عليهم السلام) كأبي الفضل العباس، والسيّدة زينب بنت أمير المؤمنين، والسيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، وإنمَّا المراد أنَّهم بلغوا مرتبةً عاليةً من الكمال لم ينلها سائر الناس.
فهذه دعوة عامة لنساء هذا الجيل بالاقتداء بتلك السيّدة الجليلة والتحلِّي بأخلاقها.
..............................
(1) فاطمة المعصومة: ص80. (2) فاطمة المعصومة: ص76، 77.
الكَأسُ المُصَبَّرَةُ
أريج المنظور/ البصرة
هو رجل ثائر، امتطى الصعاب منذ صباه، لصليل حسامه إذا امتشقه في ميادين النزال رهبة في قلوب أعدائه، له من العلياء والهيبة أعلاها؛ فهو من أقحاح العرب وفحولها ومن شخصيات عصره البارزة، عُرِفَ بالفطنة والذكاء منذ الصغر وشهد له الإمام عليّ (عليه السلام) بالكياسة(1)، حبسه الظالمون ليمنعوه من نصرة العترة، إنّه غلام ثقيف المختار الثقفي الذي تنبّأ له ميثم التمّار في سجن ابن زياد: إنّكَ تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين فتقتل هذا الجبار (عبيد الله بن زياد)(2)، فتشوّق لهذه المهمّة, ولكن لم تكن الأرضية مهيأة له في ظرف قل الناصر, وتنكيل الأمويون بالشيعة وزجّهم في السجون بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) فضلاً عن ظهور الحزب الزبيريّ على الساحة ممّا زاد الأمر تعقيداً على أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، حتّى لاحت بشائر القيام ورفع راية (يا لثارات الحسين) من توفّر الأنصار من الشيعة ووجهائها خاصّة بعد شهادة التوابين والتحاق الباقين منهم معه, فضلاً عن اعتماده على القواعد الشعبية من الموالين الذين سئموا من اضطهاد الأمويين لهم, وكذلك الحزب الزبيريّ الذي لم يفرق كثيراً عن الأمويين في الفساد والظلم والتجبّر خاصة بعد الغضب الشعبي على عاملهم في الكوفة بعد مسألة الخراج(3) وإشراكهم قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) في الحكم ممّا ألّب الناس ضدّهم(4)، ومن أهم أسباب نجاح قيام المختار هو انضمام إبراهيم بن الأشتر كبير النخعيين وزعيمهم(5), فكان هو الكأس المصبّرة على قتلة العترة تماماً كما وصفه الإمام الحسين (عليه السلام): «..وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبّرة ولا يدع فيهم أحداً إلّا قتله قتلة بقتلة وضربة بضربة ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم..».(6)
إنّه فعلاً المختار لهذه المهمّة فهو المنتقم لشهداء كربلاء, حيث ادخل السرور على قلب إمام زمانه وقلوب العلويين بعد عاشوراء وكان يقول: (والله لو قتلت به -أي الحسين- ثلثي قريش ما وفوا بأنملةٍ من أنامله)(7)، ولهذا فقد شنّع عليه أعداؤه من الأمويين والزبيريين كثيراً والصقوا به أبشع التهم فاتهموه بالكذب وادّعاء النبوة والكهانة وغيرها؛ ليسقطوا ثورته ويقضوا عليها بأحاديث موضوعة عن الأئمة (عليهم السلام) تذمّه, ولكن يبقى تاريخنا الروائي حافلاً بالعديد من الروايات المادحة له التي ورد في بعضها ترحّم الأئمة عليه(8) أو المنع عن شتمه وسبّه؛ فعن الإمام الباقر (عليه السلام): «لا تسبّوا المختار فإنّه قَتَلَ قتلتنا وطلب بثأرنا..»(9)، وبتأملٍ بسيط فيما تقدّم نستطيع القول: بأننا نستطيع الآن أن نكون المختار وأن نثور ثورته وأن نسهم في قتل قتلة الحسين (عليه السلام) برفضنا لمبادئ أعداء الإمام الحسين (عليه السلام) وأتباعهم ومقاومة فكرهم الأموي ومجابهة شبهات إعلامهم المضلل، وكذلك بتطبيق مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) وتثبيتها في المجتمع والثبات عليها على الرغم من التحدّيات الكبيرة التي نواجهها من التيارات المضادّة, علّنا بذلك ندخل السرور على قلب إمام زماننا ونمهّد الأرضية لذلك اليوم الذي نرفع معه راية (يا لثارات الحسين).
..........................................
(1) عن الأصبغ بن نباتة قال: «رأيتُ المختار على فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يمسح رأسه ويقول: يا كيس يا كيس»، راجع معجم الرجال للخوئي: ج18، ص102.
(2) سفينة البحار: ج1، ص343.
(3) ابن الاثير: / 94 /4
(4) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: ج2، ص59
(5) انظر التوابون، ص175، 176.
(6) مستدرك سفينة البحار: ج3، ص246.
(7) الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: ص122.
(8) راجع رجال الكشي: ص127.
(9) بحار الأنوار: ج45، ص343.
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات