العدد:
142
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
الحشد المقدس
أحْلَامُ المَلَائِكَةِ
زهراء فاضل الحسينيّ/ مدرسة لغة عربية/ كربلاء المقدّسة
أنا طفلة عراقية كان من المفترض أن أُولد على جنح حمامةٍ بيضاء في أحضان المحبّة والحنان، وأن أنام على غصن وردةٍ حمراء، أشمُّ من شذاها عبقَ المستقبل الملوَّن، وأركبُ الأرجوحةَ الوردية، وأرتدي القبَّعة الصفراء وعندما تهبُّ الريح تحملني إلى السماء، صحيح أنني وُلدتُ لكني لم أجد أرجوحتي، ونمت على صوت إطلاق الرصاص، واستيقظتُ أبحث عن أبي، أين أبي؟ وناديتُ حتّى حضرت عباءة مترّبة أنهكها الحرمان تحمل في طياتها قلماً تقول: بنيّتي هذا طريق المدرسة، بنيّتي تعلَّمي كلّ الحروف واكسري بكلّ حرف شوكة التفرقة، وازرعي وردةً في باب كلّ مدرسةٍ، واعلمي بأنّي سأسقيها ما دمتِ أنتِ تدرسين، بنيّتي كاد صوتي أن يختفي من العناء فكوني أنتِ الصوت والأنشودة المستقبلية، أنا صوت طفلٍ عراقي حمل على ظهره الصغير آهات سنين وسنين، وذكريات حب، وحرب، وسلام، ودمعات شوق وخوف، وحنين، فكان كلّ من ينظر في عيني يرى بريق الأمل فيها ويرى على وجهي أخاديد الزمان حتى إنّ أشهر الرسّامين حاول أن يرسمني فكانت لوحةً غريبةً فيها النخيل الشامخات، فيها دجلة الخير وماء الفرات، فيها السنابل تنحني بتواضع، فيها منار الحق مصباح الحياة، فيها الحسين أبو الأئمة يرتجز اقصدوني فأنا اسمي الحسين، وأنا أنادي بافتخارٍ انظروني فأنا نجل الحسين وانظروا تأثيري في أمسي، ويومي، وغدي، وانظروا إخلاصي، وحبّي السرمدي لأمي وأبي، ولشعبي والوطن، ولكم إجلالي وإكباري على مرّ الزمن.
تُرَابٌ يُفْهَمُ
ولدان حســــين/ مدارس العميد
هل هو تراب عادي؟
ما قدسيّة هذا التراب؟
أصبحت ذرّاته تنتظر مجيء أجسادٍ تُضيف إليه رونقاً، ألماً، عطراً، لتنبت حبّاً ووفاءً..
تُسقى من دموع الأمهات واليتامى، فكلّما ارتوت من جسد شهيدٍ رغبت بالمزيد، لماذا يا أرضي؟
لماذا؟ ألم تعرفي ماذا يتركون وراءهم؟!
شعرتِ ذات يوم أنَّ أطفالك يحبّون (الأحمر) قررتِ إسعادهم بتحوّلكِ لذلك اللون، لكنّكِ لم تكوني صائبةً بقراركِ..
هم لا يريدون دماء آبائهم..
اصرخي بأعلى صوتكِ، ردّدي (لا لشهداء حشدي) دعيهم يمشون بأمانٍ، بسلام..
مهلاً.. مهلاً دعيني أحكي لكِ مشهداً عسى أنْ يؤثّر فيكِ فترحمي من هم فوقكَ، ذات يوم أحدهم زرع على ذرّاتكِ ورداً، نبت هذا الزرع، سقاه الشهيد، اعتنى به، أصبح منظرُكِ أجمل بكثيرٍ من سابقه..
ألم تتذكَّري؟! فكّري جيداً..
هل رغبتي بما هو أجمل من الورد؟!
هل طمعتِ بشبابٍ أن ينبتوا في أحشائكِ؟ هل ارتويتِ بدمائهم؟
يكفي أرجوكِ، فترابكِ تراب غيور يعرق جبينه (من غير مطر) وينادي لا للذلّة..
بَرَكَاتُ الدُعَاءِ
سارة محمد علي/ مركز الحوراء زينب
وصل للتوّ فرحاً مستبشراً، قد أنهكه بُعد المسافة بين شمال العراق وجنوبه، ازداد حنينه لأَزِقَّة مدينتهِ وفيها ارتفعت رايات الثأر لأبي الأحرار (عليه السلام) واعتلت مآذنها ترانيم العشق الحسينيّ، فكيف لا وهي أيام يتجدد فيها العزاء لسيّد الشهداء (عليه السلام).
مضى عشرون يوماً على مغادرته البصرة إلى ميادين المجد؛ لمقارعة الإرهاب في تلال مكحول، كان مسبقاً قد تعبّأ لوفادتها وتهيّأ لخوضِ معاركها مع رفاقه المجاهدين..
أربعة أيام فقط قضاها مع والديه وحَلّ يوم الوداع..
لم يكن صعباً عليه، فمَنْ له أمّ كأمّهِ، يرى السير في طريق الموت كشَرْبةِ ماءٍ بعد ظَمَأ صيَام الحَرّ..
افترش الأَرْضيَّة أمام والدته، وهي بين يدي خالقها تؤدِّي فرض الظُّهْرين..
مسك يديها بقُوَّةٍ بعد أن أَتَمَّت صلاتها عسى أن يزيدهُ عزمها وقُوتهَا بسطة في العَزْمِ والقوّة..
خاطبها بصوتهِ الفتيّ مودِّعاً:
- أمي إن كنتِ تحبينني فعلاً، فأدعِ لي أن يجري عليّ ما جرى على الحسين الشهيد يوم عاشوراء، لا تنسِ يا أمي أن تهدي لي بعضاً من خطواتكِ في كلِّ زيارة أربعينية، وأوصي مَنْ يتشرَّف بالْمَشْي لقِبْلَة الأحرار بذلك، تَذكَّريني بهذا الفضل..
أمي شكراً لأنكِ ربيّتني لأكون على ما أنا عليه، أرجو أن تسامحيني على كلّ إساءةٍ منّي، أمّي سأشتاق لكِ في كلّ لحظة..
كان صوت السيارة التي تنقلهم إلى مكحول كفيلاً بإنهاء الوداع بينهما، أسرع ليلتحق مع المجاهدين، وعلى قمّة الجبال في مطلع الشتاء انخفضت درجات الحرارة وازداد البرد القارس هناك، لا يُعلم أهي حِمَمٌ من السماء أم هِمَمٌ من أبطال اللواء، إذ تصاعدت في نفوس مقاتلي لواء علي الأكبر (عليه السلام) حرارة الاندفاع للإنهاء على العدو..
و(حسين) يُبهر الجميع بصموده وقوّته، يُركّز في تصويب عدوّه، ويناجي معبودَه بقلبه:
(إلهي مُنَّ عليّ بمثل ما جرى على الحسين (عليه السلام) في كربلاء)
وبعد مدّةٍ وجيزة ارتفعت تكبيرات أذان الـفجر لثلاثٍ خلت من صفر في البصرة حيث تسكن والدة (حسين)، أتمّت صلاتها، وأمسكت بيدها مسبحة ذات مائة خرزة وخرزة - تكوَّرت خرزاتها من تربة كربلاء - وبدأت تديرها بذكر الصلاة على محمد وآله، هدية إلى صاحب العصر والزمان لتعجيل فرجه ونصرته..
لم تُمحَ آية الفجر إلّا عن أخبارٍ وصلت إلى (جعفر) والد (حسين) عبر اتصالٍ هاتفي..
أسرع بالعودة إلى داره وكان قد صلَّى الفجر في المسجد..
غسقت عيناها دمعاً وهي ترى زوجها يحمل نبأ استجابة الدعوة بتحقيق أمنية ولديها، لم تستطع أن تكبح جماح حزنها دون البكاء..
سألته بصوتٍ مازجته العبرات وهي تحتضن صغارها..
أحدهما أم كلاهما فداءً لابن الزهراء؟
فاضت عيناه رضا بقضاء الله (عزّ وجل) وفضله عليهم وأجابها قائلاً:
- جُرِح صادق واستشهد حسين مع اثنين من أبناء عمّه..
وبعد تحرير المنطقة تمكّن المقاتلون من إحضار الجثامين العَطِرة للشهداء الثلاثة، ومن معهم من الشهداء الآخرين بعد أن بقيت ثلاثة أيام مطروحة في العراء تماماً كما حلّ بالحسين (عليه السلام) وأنصاره في أرض الطفوف.
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات