العدد:
142
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
مناسبات
نَبْضُ الطَّودِ
أريج المنظور/ البصرة
جبل ككل الجبال الشوامخ تعانق قممها عباب السماء رفعةً وعلياءً، جبل له من الصلابة ما للجبال الرواسي من الثقل والقوّة، جبل يثبِّت الأرض الواسعة بأوتاده العظيمة تحت الأرض (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا)/ (النبأ:7)، جبل ليس ككل الجبال فمادته ليست صخوراً صمّاء وإنّما مادة مختلفة تماماً، مادة معنوية لكنها أقوى وأصلب بكثيرٍ من الصخور، طود عظيم من أطواد الأمة تنحني البشرية له إجلالاً وإكباراً عند ذكر اسمه، جبل مجلل بالهيبة والوقار ومكلل بالقداسة اسمه (جبل الصبر زينب).
زينب، كتلك الرواسي الشمّاء بعليائها وثباتها وقوتها، إلّا أنّ الجبل يبقى صامداً ثابتاً لا تتزعزع أركانه ولا تتصدَّع جوانبه مهما زمجرت العواصف والأعاصير من فوقه، ومهما اهتزت الأرض وتزلزلت من تحته، فكذلك زينب (عليها السلام) تسامقت لقمم الجبال في الصبر والثبات وشمخت كالطور في بيانها المسطور في قدرٍ مقدور في جميع مراحل حياتها نور على نور، وجبل الصبر هذا له قلب استثنائي، قلب صبور موقن، إلّا أنّ أحداثاً مرّت به اعتصر لها ألماً ككلّ القلوب الحنونة فازدادت خفقاته واضطربت نبضاته لهول تلك المصائب، اعتُصِر لأول مرَّة في طفولتها حينما فارقت معدن الوحي ومهبط الرسالة جدّها الرسول (صل الله عليه وآله)، وتدكدك بشدّة وهي لم تنفض غبار حزنها على جدِّها النبيّ (صل الله عليه وآله) حتّى شاهدت أمّها سيّدة نساء أهل الجنّة تُعصر بين الباب والجدار، ونبت في صدرها المسمار، وسقط جنينها على أعتاب الدار، واعتُصر أيضاً عندما شاهدت أباها وصي الرسول (صل الله عليه وآله) وأمينه على رسالة السماء وقالع باب خيبر، وقد فُلِقت هامته غدراً بسيفٍ مسموم، وتصدّع قلبها عندما رأت كبد أخيها شبيه الرسول (صل الله عليه وآله) وريحانته وسيّد شباب أهل الجنة مسموماً وهو يلفظ كبده في طشت، إلّا أنَّ اضطراب قلب الجبل هذا لم يزلزل كيانه، فالجبل يبقى جبلاً قوياً لصلابة مادته الأساس وقوة أوتاده ولأنَّ سيّد الشهداء (عليه السلام) كان قد مسح عليه بيديه الحانيتين في لحظة دعاءٍ وخشوع وخضوع ودموع قائلاً: اللهم اربط على قلبها بالصبر؛ لأنَّ الآتي أدهى وأعظم، إنَّها كربلاء التي تزلزل الكون لِما مرّ بها من أرزاء، فاجعة أبكت أهل الأرض والسماء، إذ مصارع الأحبّة والأنصار على الرمضاء، ورؤوس مرفوعة على الرماح، وأطفال تركض مذعورة من ألسنة النار وخوفاً من سحق الخيول، وقافلة سبايا من أرامل وأيتام، وشماتة الأعداء في رحلة السبي، ودخول حرائر الوحي ومخدَّرات الرسالة في مجالس الأدعياء وأبناء الطلقاء، كلّ تلك الصور التي اعتصر لها قلب جبل الصبر إلّا أنَّها ما رأت به إلّا جميلاً، لله درّكِ يا قلب زينب (عليها السلام) كيف رُبِطت بالصبر؟ فأصبحت نبض الطود الحامد الشاكر العارف الذي رفع ما تبقّى من أوصال مقطّعة، وعظام مهشَّمة، ليشكر القلب قبل اللسان بقوله: اللهم تقبل منّا هذا القربان.
ومرّت صور هذه المآسي سريعاً على شريط الذكريات لزينب (عليها السلام) وهي تصارع الموت بين أطباق المنفى في أرض الشام التي عانت فيها ما عانت.
واضطرب نبض الطود لهول تلك الصور المؤلمة إلّا أنّ اضطرابه هذه المرّة كان مختلفاً، فقد اضطرب الاضطراب الأخير وتوقّف نبض الطود ليلتحق بالرفيق الأعلى صابراً محتسباً إلّا أنّه سيبقى ذلك الجبل الشامخ العظيم الذي لا يهتز ولا يتزلزل قيد أنملة مهما ماجت الأرض من تحته؛ لأنَّها ثبتَّت إيمانها بأوتاد اليقين والتوكّل على الله (عزّ وجل) لتصبح جبل الصبر، وصرخة الحق، ورسالة الإعلام الحسينيّ الملتزم على مرّ العصور.
الكُوْفَةُ المُضِيْئَةُ بِمَاضِيْهَا وَحَاضِرِهَا وَمُسْتَقْبَلِهَا
نادية محمد شلاش/ النجف الأشرف
اتخذ الرسول (صل الله عليه وآله) المدينة المنوّرة عاصمةً له عندما هاجر من مكّة إليها، وكذلك اتخذها الخلفاء الثلاث من بعده، لكن عندما آلت الخلافة للإمام عليّ (عليه السلام) قرر أن يتّخذ عاصمةً له غير المدينة، فوقع اختياره على الكوفة بتوصية من رسول الله (صل الله عليه وآله) واختياره هذا لم يكن اعتباطاً بل لعدّة أمور منها:
1. الكوفة من المدن القديمة في العراق ولها تاريخ عريق منذ اختطاطها وعمرانها، واختيار أمير المؤمنين (عليه السلام) لها كان مبنياً على دراسةٍ عميقة ورؤية صائبة لعاصمة الإمامة العالمية، وسبباً من أسباب التمهيد لدولة الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ومقرّاً لحكمه إذ قال (عليه السلام): "الكوفة كنز الإيمان، وجمجمة الإسلام، وسيف الله ورمحه يضعه حيث يشاء، والذي نفسي بيده لينصرن الله جلّ وعزّ بأهلها في شرق الأرض وغربها كما انتصر بالحجاز".
2. تُعدُّ منطقة القوّة والنفوذ العسكري وتميّزت بأنّها مركز جاذب لدائرة الجند العربي الفاتح والفخور بقوّته وإيمانه وبأنسابه، حيث كانوا ينتمون لأشهر البيوت العربية الموالية لأمير المؤمنين (عليه السلام) والمهيّأة عند النفير والخروج للجهاد في ردِّ الهجمات والغزوات التي لها دور كبير في الفتوحات الإسلامية المنتصرة، فالكوفة كانت فيها منطقة تُدعى (الإسباغ) وهي مناطق عسكرية لحشر مقاتلي القبائل وتحت أمرة قيادات مستعدة لمواجهة محاولات شقِّ وحدة المسلمين، كما أنّ أهل الكوفة أبدوا استعدادهم لنصرة الأمير حتّى أُطلق عليهم في كتاب بعثه إليهم (جبهة الأنصار وسنام العرب)، فأهل الكوفة معروفون بالولاء السياسي لآل بيت النبيّ (صل الله عليه وآله).
3. تُعدُّ الكوفة أقرب مدينة لحماية الدولة الإسلامية بكلّ أبعادها من هجمات التمرّد الذي خلّفه معاوية كما ساندوه في حرب البصرة، فقد جمع إليه رؤوس أهل الكوفة ووجوه الناس فيها وخطب فيهم معرباً عن اعتزازه بأهل الكوفة وولائهم، وكذلك قوله لعمر عندما استشاره في معركة نهاوند (اكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم).
4. وجود العامل الاقتصادي؛ إذ كانت الكوفة تتمتع بموارد اقتصادية متنوّعة فهي تتمتع بالاكتفاء الذاتي، وعن طريق تنظيم الإدارة المالية التي تولّاها الإمام (عليه السلام) استطاع دعم القوّة العسكرية للقضاء على الناكثين.
5. وجود مقوّمات أساسية لقيام حضارة عربية إسلامية إنسانية مادية وغير مادية وروحية.
6. فيها أرشيف لكلّ نبيّ وفي جوفه رخامة فيها صور كلّ المرسلين، وهي سرّ من الأسرار الّتي يستخرجها الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في دولته المرتقبة بإذن الله، وفيها يظهر عدل الله (عزّ وجل)، عن محمّد بن الحنفية قال: إنّ الكوفة دار هجرة فكانوا وزراء أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنصاره وسيكونون وزراء المهدي وأنصاره وقال أيضاً: الكوفة حرم نوح, وحرم هود, وهي حرمنا آخر الزمان.
7. تميّزت بوصف أمير المؤمنين (عليه السلام) كأنّي بكِ يا كوفة تمدّين مد الأديم, تعركين بالنوازل, وتركبين الزلازل، وإنّي لأعلم أنه كانت الكوفة وما زالت ملاذاً ومنبراً للعِلم والعلماء والأدباء والمفكّرين قديماً وحاضراً ومستقبلاً، وما ازداد من قيمتها التاريخية كونها ذات قداسة، والمركز الوحيد للثقافة الإسلامية الذي مدَّ العالم الإسلامي بالعلوم والمعارف الإسلامية.
........................................
نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ص363، ج16.
خطط الكوفة: ص40.
تاريخ الكوفة: /77-78,/10/164
صبح الأعشى في صناعة الانشا: ص333.
معجم البلدان: ج5، ص272.
نهاية الإرب في فنون الأدب: ص429.
ماضي النجف وحاضرها:ج1، ص8.
المفضل في تاريخ النجف الأشرف: ج1، ص10.
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات