العدد:
144
كلمة العدد
العَفْوُ تَاجُ المَكَارِمِ
الكثير من الناس يبذلون الأموال في مجال مساعدة الفقراء والمحتاجين، وهو مظهر من مظاهر الجود والكرم، وهو أمر جيد أن ينتشر بين الناس مثل هذه الصفات والأفعال، لكن قمّة الكرم والشهامة أن نعفو عمّن ظلمنا وأساء إلينا، ولا نُسجّل مخالفةً ضدّ الأشخاص الذين تسبَّبوا لنا بألمٍ وأذية بقصدٍ أو من دون قصد، إذ علينا مقاومة غرورنا وهوى النفس الأمّارة ونتَّبع التعاليم الإلهية التي توصي بذلك، وأن نتطلّع إلى الفوز بالجنة وهي من صفات المؤمنين بالله تعالى ومحبِّي الرسول (صل الله عليه وآله) المزيد
إشتراك ألكتروني
ليصلك العدد الجديد في حال صدوره عبر البريد الالكتروني.. اترك بياناتك هنا.
اعدت هذه النافذة للأرشيف الالكتروني للمجلة
إقراء في هذا العدد
 
 
عقائد
شُبْهَةُ تَحْرِيمِ التَّوسُّلِ بِالأنْبِيَاءِ وَالأوْلِيَاءِ (عليهم السلام)
ولاء قاسم العباديّ/ النجف الأشرف
عندما تُتبع الأهواء ويُقاس الحقُّ بالرجال، تُعمى البصيرة فيُرى الحقُّ باطلاً والعكس أيضاً، بل قد يُستساغ الباطل مع العلم ببطلانه ويُستقبح الحقُّ مع جلاء رجحانه، وهذا ما تسبَّب في ترجيح البعض للكثير من البدع بل والتصريح بتحسين بعضها، كما تسبَّب في رفض الكثير من المسائل الحقّة وتحريمها والقول بشرك القائم بها، ومنها مسألة التوسل بالأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، قال العثيمين: (وأمّا القسم الثاني فهو التوسل بذواتهم: فهذا ليس بشرعي؛ بل هو من البدع من وجه، ونوع من الشرك من وجه آخر، فهو من البدع؛ لأنه لم يكن معروفاً في عهد النبيّ (صل الله عليه وآله) وأصحابه، وهو من الشرك؛ لأنَّ كلّ مَن اعتقد في أمر من الأمور أنه سبب ولم يكن سبباً شرعياً فإنّه قد أتى نوعاً من أنواع الشرك، وعلى هذا لا يجوز التوسل بذات النبيّ (صل الله عليه وآله)).(1)
وللردِّ على ذلك نقول:
أولاً: التوسل مَنْ توسّلَ، يُقال: توسَّل فلان إلى فلان بوسيلة: أي تسبَّبَ بسبب، وتقرّب إليه بحرمةِ آصرةٍ تعطفه عليه، والوسيلة: الوصلةُ والقُربى(2). وقد حثَّ الله تعالى على اتخاذ الوسيلة للتقرّب إليه كما في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)/ (المائدة:35)، فإذا كان الأمر كذلك فأي وسيلةٍ للتقرب إلى الله تعالى تُرى هي أعظم حرمةً عنده من أنبيائه وأوليائه (عليهم السلام) لاسيّما سيّدهم وعترته (صل الله عليه وآله)؟!
ثانياً: وأمّا كون التوسل بدعة لأنه لم يكن معروفاً في عهد النبيّ (صل الله عليه وآله) فهذا افتراء جلي، فقد رُوي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ (صل الله عليه وآله) فَقَالَ ادْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، قَالَ إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ فَهُوَ خَيْرٌ، فَقَالَ ادْعُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَامُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي لِي اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ"(3)، كما أورده الترمذي في سننه وصحّحه الشيخ الألباني. وأسلوب التوسل في الدعاء المذكور واضحٌ غاية الوضوح، وهل توجد أوضح من العبارات (أتوجّه إليك بنبيّك، يا محمّد إنّي توجّهتُ بك) للدلالة على التوسل؟!
ثالثاً: وأمّا قوله بأنّ التوسل به (صل الله عليه وآله) شرك لأنّه ليس بسبب شرعي، فمن الواضح جداً بُعده عن الصواب لوجود أدلّة يُستند عليها في جواز التوسل به (صل الله عليه وآله) في حياته وبعد مماته، فأمّا في حياته فتوجيه النبيّ الأكرم (صل الله عليه وآله) بنفسه الأعمى للتوسل به، وأي سببٍ شرعي أجلى من ذلك؟!
وأمّا بعد مماته فقد نقل (السمهودي) أنَّ صاحبَ حاجةٍ جاء في زمن عثمان إِلى قبر النّبيّ (صل الله عليه وآله)، فجلس بجوار القبر ودعا الله (عز وجل) بهذا الدعاء: (اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمّد (صل الله عليه وآله) نبيّ الرحمة، يا محمّد إِنّي أتوجّه بك إلى ربّك أن تقضي حاجتي)(4)، ولم يتّهمه أحدٌ من الصحابة بالابتداع فضلاً عن الشرك، بل ولم يعترض عليه أحدٌ منهم أبداً أو يتّهمه بمجانبة الحق، وثمّ يضيف (السمهودي) إِنّه لم تمض مدّة حتّى قُضيت حاجة الرجل.
رابعاً: سيرة العلماء تدلُّ بوضوح على جواز التوسل بالأنبياء والأولياء، ومن الذين اشتُهِرَ عنهم ذلك الإِمام (الشافعيّ)، وهو أحد أئمّة السنّة الأربعة المشهورين وقد نقل عنه ذلك (القندوزيّ) صاحب كتاب (ينابيع المودّة) مستشهداً بقوله:
آل النَّبيّ ذريعتي
أرجو بهم أُعطى غداً
وهم إليه وسيلتي
بيدي اليمين صحيفتي(5)
..........................................
(1) مجموع فتاوى ورسائل فتوى رقم 377.
(2) تهذيب اللغة: ج4، ص320.
(3) مسند أحمد: ج35، ص109.
(4) وفاء الوفاء: ج3، ص1373.
(5) ينابيع المودّة: ج2، ص446.
تعليقات القراء
 
 
أضف تعليق
لاتوجد تعليقات