2019/02/25

قري في بيتك فان الله يرزقك الشهادة

160


إن قصة هذه المرأة من المعالم التي تشير إلى دلائل النبوة، ومن الآيات البينات، إذ كان النبي صلى الله عليه واله يزورها ويسميها (الشهيدة) وقد تحقق ما كان يتنبأ به صلى الله عليه واله.
كانت (رحمها الله) من الصحابيات الأنصاريات، ذات النسب، والحسب الرفيع، وذات الثروة والمال، آمنت وأسلمت مع رسول الله صلى الله عليه واله، وأقبلت على القرآن تقرأه وتحفظه، وأدركت معانيه وأحكامه، حتى أصبح محور حياتها، و دستوراً لها في أمورها الخاصة والعامة.
تكنى بأم ورقة، وهي بنت عبد الله بن الحارث الانصارية(1)، فحينما استنفر النبي صلى الله عليه واله المسلمين للخروج إلى معركة بدر الكبرى رغبت أم ورقة بالخروج معه، إذ جاءته فقالت له: (يا رسول الله ائذن لي أن أخرج معكم أداوي جرحاكم، وأمرض مرضاكم، لعل الله يرزقني الشهادة!!!)، فقال لها صلى الله عليه واله: (قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة)، فكانت منذ يومئذ تسمى الشهيدة.
لقد تأثرت بمفهوم الآية: (إِنَّ اللهَ اشترى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وذلك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(2)، وعدتها عقد مبايعة بين الخالق عز وجل وعباده المؤمنين، وكانت مؤمنة بأن الرزق ليس بالأمور المادية، وإنما بصور الجنة ونعيمها الذي لا يحول ولا يزول، وفيما أعدّ الله فيها لأهلها خصوصاً مقام الشهداء.
بالفعل التزمت أم ورقة بما قاله لها الرسول صلى الله عليه واله، وقرّت في بيتها، ولزمت دارها، وانشغلت بالقران تتلو آياته في خشوع وورع، وتزداد مع الأيام قرباً من الله تعالى حتى وصلت إلى درجة من العبادة حيث إنه في يوم من الأيام استأذنت النبي صلى الله عليه واله أن تتخذ لنفسها في دارها مؤذناً ومصلى، فأذن لها، فجعلت في ركن من الدار مصلى تقوم فيه إمامة تؤمُ بعض النساء المؤمنات من أهلها وقراباتها ممن يجتمعن عندها.
لم تكن أم ورقة متزوجة لكن كان يعيش معها في دارها غلام وجارية يقومان على خدمتها، وكانت تعاملهما معاملة الأم الحنون، وقد اعتقتهما ولكن أجلت عتقهما لحين وفاتها فيصبحا حرين، وقد أسعد هذا القرار الغلام والجارية، وانتظرا قرار الله فيها، وبمرور الأيام تقدم بها السن وهي غارقة في الطاعة والعبادة وتواصل الصلاة والقراءة فلا تقطع، وفي ليلة آن أوان الرحيل ونيل الشهادة، إذ استشهدت عليها السلام على يد الغلام والجارية، إذ وسوس الشيطان في نفسيهما بأن الانتظار قد طال، فقاما إلى خنقها ولفها بقطيفة، وجعلاها في جانب من الدار، وانطلقا هاربين، وظنا أنهما قد نجيا بفعلتهما.
صعق الخبر أهل المدينة ودار الناس بالتفتيش عن الجناة، حتى امسكوا بهما فقدموا للمحاكمة واعترفوا بما اقترفت أيديهم ونالوا جزاءهم العادل بأن صلبا، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وآله النبوءة، فلقد رزقت أم ورقة الشهادة (3).
......................................................................
1- اعلام النساء المؤمنات، ج5، ص284.
2- التوبة، 111.
3- موسوعة نساء ورجال حول الرسول، ص568.




تعليقات القراء 0 تعليقات

اضافه تعليق