2019/06/08

في ضيافة السيدة طوعة

39


في التاريخ نماذج رسالية تركت بصماتها مخلدة في جبين الانسانية، فذاكرة الطف زاخرة بالنساء المجاهدات الخالدات، وهنَّ بحق مفخرة التأريخ، فقد نهلنَ من منبع الإمامة، وقد جسدت امرأة بمواقفها الجهادية نوعاً من هذه النماذج عندما وقفت وقفة الأبطال في ظروف عجز فيها الرجال.
هي السيدة طوعة الكوفية مولاة الأشعث بن قيس الكندي، أعتقها أُسيد الحضرمي وهما من المبغضين لآل البيت عليهم السلام، وقد تزوجت من أُسيد وأنجبت له بلالاً، وطلبت الطلاق مراراً من زوجها، لكنه رفض فصبرت على مرافقته التعيسة، لكن عداء هذين الزوجين لأهل البيت عليهم السلام لم يؤثر على ولاء هذه المرأة المؤمنة فقامت بما تخلى عنه ذوو النفوس الضعيفة، فشعّ نورها في ظلام تلك الفترة الزمنية.
وقد عاصرت زمن عدالة الإمام علي عليه السلام مع أهل الكوفة، وشهدت بمظلومية البيت العلوي، وأحقية خلافة الإمام الحسن عليه السلام، ومواجهة حكم معاوية الفاسد، إلى أن جاء وقت كربلاء فاستعدت له بتسجيل موقف مشرف اذ وطنت نفسها وفتحت بيتها وعملت بتكليفها ازاء ثورة الإمام الحسين عليه السلام لنصرة سفيره عليه السلام، كيف لا وهي من احتضنت الثائر العلوي الشهيد مسلم بن عقيل عليه السلام حين تخلى عنه الجميع واصبح يبحث عن ملجأ، ولم تتردد لحظة واحدة في ايوائه بعد ما عرفته، وهيأت له مستلزمات الضيافة، حتى رجع ابنها الذي كانت تنتظر عودته، فلاحظ كثرة ترددها على تلك الدار، فألحَّ عليها لتخبره بسرّها، وتحت إلحاحه أخبرته بالحقيقة بعد أن أخذت عليه الأيمان الغليظة أن لا يبوح بالسر لأحد، فنام على جمر ينتظر طلوع الصباح ليفشي سراً أقسم أن لا يفشيه، وانتهت وشاية هذا الغادر بمسلم وهو فوق قصر الإمارة المشؤوم، وقد ضرب عنقه الشريف، وأُلقي بجسده من فوق القصر.
بعد استشهاد مسلم عليه السلام، أمر ابن زياد بإلقاء القبض على السيدة طوعة وهدم دارها، فجيء بها وهي مكبلة بالحديد وأوقفوها أمامه، فلما رآها قال لها: ما الذي دعاك إلى إيواء مسلم بن عقيل؟ فقالت: كيف لا آوي ابن عم ابن رسول الله، وسفير سيدي الإمام الحسين عليه السلام، فقال لها ابن زياد: هؤلاء خوارج، فقالت له بجرأة نابعة من عمق إيمانها وولائها: إن هؤلاء أئمة الدين، وإن الخارجي هو أنت وأبوك، فقال لها: اسكتي أيتها المرأة الضالة، ثم أمر بها إلى السجن، والذي كان يغصُّ بالمئات من المواليات لأهل البيت عليهم السلام، واستمر حبسها فترة من الزمن إلى أن تدخل أحد أقاربها ممن كان من أعوان السلطة فأطلق سراحها وخرجت من السجن عليلة هزيلة الجسم ولم يمضِ وقت طويل على خروجها حتى اشتد بها المرض الذي أدّى إلى وفاتها رضوان الله عليها.
تلك صورة وضاءة عن الموقف الخالد الذي وقفته تلك المرأة المخلصة لمبادئ آل أبي طالب عليهم السلام أمام الذين تنكروا لمبادئ الدين الإسلامي وعملوا على الإساءة لأهدافه من خلال محاربة أهل البيت عليه السلام، مما جعلها تنال بذلك المقام الرفيع وهو نيل شفاعة النبي محمد صلى الله عليه واله، وخلد ذكرها مع ذكر الشهيد مسلم بن عقيل عليه السلام، فكانت نِعم المرأة المجاهدة الموالية، فلنِعم عقبى الدار.(1)
.......................................................
1- نساء الشيعة، ص 225.




تعليقات القراء 0 تعليقات

اضافه تعليق