2019/06/21

فضة النوبية

85


هي شخصية تنفستْ عبَق الرسالة، واقتبست من ضياء النبوة وارتشفت من معين الإمامة، وتشرفت بخدمة من كان جبرائيل بخدمتهم، وكانت على درجة عالية من الإيمان والتقوى، هي فضة النوبية المصرية جارية فاطمة الزهراء عليها السلام وخادمتها، وكانت صحابية جليلة القدر عظيمة المنزلة على درجة كبيرة من العبادة والتهجد والتفقه في الدين، عاشت تغمرها الألطاف الإلهية في بيت من يشتري ثوبين فيعطي لخادمته أفضلهما، وقد كانت مقربة من أهل البيت عليهم السلام ولها مكانة خاصة عندهم، وقد نالت دعاء أمير المؤمنين عليه السلام لها إذ قال: "بارك الله في فضتنا".
دخلت فضة بيت السيدة الزهراء عليها السلام ولها من العمر عشر سنوات فاقترنت حياة فضة بحياة أهل البيت عليهم السلام، فهي تفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم وتستشعر في قلبها آلامهم ومصائبهم فعايشت مصيبة مولاتها الزهراء عليها السلام إذ إن الصديقة قالت وهي مستندة على الجدار: "آه يا فضة إليك فخذيني فقد قتل ـ والله ـ ما في أحشائي من حمل"(2)، وقد تولت فضة دفن المحسن السقط، ووقفت إلى جانبها في احتضارها واستشهادها، كما كانت من ضمن الخاصة الذين أعلمهم أمير المؤمنين باستشهاد الزهراء عليها السلام، وممن شاركت في تغسيلها.
كانت نعم المرأة المؤمنة الطاهرة التي اصطفاها رسول الله صلى الله عليه وآله لخدمة ابنته الزهراء عليها السلام فكانت تشاطرها الخدمة يوماً بيوم، وانتهلت من البيت العلوي المبادئ السامية والخلق الرفيع بعد أن قضت فيه عمراً طويلاً، وتعلمت من السيدة الزهراء عليها السلام علوماً كثيرة حتى حفظت أحاديثها وأقوالها، وقد مدحها الله تبارك وتعالى في كتابه المجيد في سورة (هل أتى) إذ قال: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا  عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا  يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا، فقيل: هي عين في دار النبي صلى الله عليه واله، وعبارة (يوفون بالنذر) تخص علياً وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة(3).
كانت من المواليات لهذه الأسرة الرفيعة الدرجات العالية المقامات، قضت عمراً في خدمة الخمسة الطيبة، وكانت دائبة في خدمتها، لم تغفل لحظة عن القيام بواجبها، مقدمة رضاهم على رضاها، ساهرة على تطييب خاطرهم وتنفيذ مرادهم، مهتمة غاية الاهتمام بالعبادة وإطاعة الرب المتعال، مستقيمة على امتثال أوامر سيدة العصمة وأميرة العفة الصديقة الطاهرة عليها السلام متميزة عن أقرانها وأترابها بالحلم والصبر والتحمل والثبات في البلايا والشكر والإخلاص، أما منزلتها عند الإمام الحسين عليه السلام فقد كان يتفقدها يومياً حتى قرر السفر إلى العراق.
بقيت فضة في خدمة أولاد الزهراء عليهم السلام وتعمل كما أوصتها مولاتها الزهراء، وبقيت فضة مخلصة لهذا البيت الطاهر في كل الأحداث التي مرت به وتؤكد الروايات وجودها مع السبايا بعد معركة الطف ورافقت الحوراء زينب عليها السلام في رحلتها ولازمتها حتى وفاتها.
وجاورت قبرها الشريف حتى توفيت ودفنت بالشام وقبرها الشريف يقع في الباب الصغير للجامع الأموي، وبقيت ملازمة للبيت العلوي الى آخر يوم من حياتها، لا عجب في أن هذه السيدة نالت هذه المنزلة السامية والمرتبة العظيمة لأنها أخلصت الطاعة لله ووالت أولياءه وعادت أعداءه.
--------------------------------------------------
(1) أعلام القران: ص 792.
(2) الخصائص الفاطمية: ج 2 ، ص 188.
(3) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج 30 ، ص 244.




تعليقات القراء 0 تعليقات

اضافه تعليق