2019/07/17

راهبة آل محمد عليهم السلام

76


هذه المرة سنغوص في رحلة قصيرة بحثاً عن حياة إحدى بنات الوحي والإمامة هي سيدة جليلة ظلمها التاريخ كما ظلم آباءها وأبناءهم عليهم السلام فلم يكتب عنها إلا القليل، هي السيدة فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم عليه السلام، شقيقة الإمام الرضا عليه السلام، ووالدتها السيّدة تكتم، ولدت سلام الله عليها في المدينة المنورة في غرة ذي القعدة من سنة 173 هـ، نشأت في كنف ورعاية إخوتها بسبب وجود أبيها في سجن هارون، لذلك تعلّقت وارتبطت روحها بأخيها الإمام علي الرضا عليه السلام.
كانت عابدة مقدّسة مباركة، شبيهة جدّتها فاطمة الزهراء عليها السلام، وأنّها على صِغر سنّها كانت لها مكانة جليلة عند أهل البيت عليهم السلام، وقد لقبت السيدة فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم عليه السلام بعدة ألقاب أشهرها: المعصومة، وكريمة أهل البيت عليهم السلام، لم تنل هذا اللقب إلا لكونها الفتاة التقية المنقطعة إلى الله تعالى.
بلغت السيدة المعصومة عليها السلام منزلة ومكانة مرموقة، قد صرّح الشيخ عباس القمي بأن "أفضل بنات الإمام الكاظم عليه السلام السيدة الجليلة المعظمة فاطمة والشهيرة بالمعصومة"(1).
أما مكانتها العلمية: فقد عُرِفَت بثلاثة ألقاب تدل على مكانتها العلمية بين أهل البيت عليهم السلام التي لم يصل إليه أحد في زمانها وهي: (العالمة والراوية والمحدّثة)، اختصها الله تعالى بملكة العقل والرشاد والإيمان، إذ حدّثت عن آبائها الطاهرين عليهم السلام، وحدّث عنها جماعة من أرباب العلم والحديث، وأثبت لها أصحاب السُّنن والآثار روايات ثابتة وصحيحة من الفريقين، وما يدل على ذلك ما ورد في بعض الوثائق التاريخية من أنّ جماعة من الشيعة قصدوا المدينة يريدون الإجابة عن بعض الأسئلة التي كانت معهم، وكان الإمام الكاظم عليه السلام مسافراً خارج المدينة، فتصدت السيدة فاطمة عليها السلام للإجابة، وكتبت لهم جواب أسئلتهم، وفي طريق رجوعهم من المدينة التقوا بالإمام عليه السلام، فعرضوا عليه الإجابات، وعندما اطّلع الإمام عليه السلام على جوابها قال ثلاث مرات: "فداها أبوها"(2).
إنّ السيدة المعصومة عليها السلام ـ كسائر أخواتها ـ لم تتزوج، وعدم تزويج الإمام إياهن لا ينافي الترغيب والأمر بالزواج، ولكن لمّا كان في هذه القضية معصوم فلابدّ من كون الفعل معصوماً موافقاً لمقتضى الحكمة، فقد ذهب اليعقوبي أن بنات الإمام موسى الكاظم عليه السلام بما فيهن السيدة فاطمة المعصومة لم تتزوج بأحد من رجال زمانها، لكون الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أوصى ألّا تتزوّج بناته من بعده(3).
وهو رأي لا يمكن القبول به بوجه من الوجوه:
أولاً: كيف يمنع الإمام الكاظم عليه السلام بناته من الزواج وهو شرع الله الذي حثّ عليه الإسلام وندب إليه؟ ونفر من العزوبة وحذر منها، لكنها قد ترجح في بعض الأزمنة.
ثانياً: لم يزوجهن لعدم وجود الكفؤ لهن، فإنهن ودائع النبي صلى الله عليه وآله وكريماته، فينبغي أن لا يتزوجن إلا بمؤمن تقي يعرف مكانتهن، ويقدر منزلتهن، بل قد يكون تزويجهن من غير الأكفاء عامل ضغط على الإمام عليه السلام تمارسه الحكومة العباسيّة لتكبيله وتقييد حريته أكثر.
ثالثاً: إن ظروف الأئمة كانت صعبة للغاية، ولم يكن هناك من يجرؤ على الاتصال بهم خصوصاً في أمر الزواج، من غير الأقارب وأبناء العم ولا سيما من زمن المنصور إلى زمان هارون الذي حصد شجرة النبوة(4).
إن وصيّة الإمام موسى الكاظم عليه السلام لم تنص على منع بناته من الزواج، وإنّما نصت بجعل أمر زواج بناته بيد أخيهم الإمام الرضا عليه السلام، إذ قال عليه السلام: "فإنه أعرف بمناكح قومه"(5).
ويبقى أمر عدم زواج السيّدة المعصومة، وأغلب أخواتها الأخريات من بنات الإمام الكاظم عليه السلام أحد الشواهد على الظلم والإرهاب اللذين تعرّض له أهل البيت عليهم السّلام في زمن العبّاسيين عامّة، وفي عصر الرشيد على وجه الخصوص.
.................................................
(1) منتهى الآمال: ج 2 ، ص 378.
(2) كريمة أهل البيت: ص 63 و64 نقلاً عن كشف اللئالي.
(3) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ، ص 415.
(4) سيدة عش آل محمد: ص 47.
(5) الكافي: ج 1 ، ص 316، وعيون أخبار الرضا: ج 1 ، ص 33.




تعليقات القراء 0 تعليقات

اضافه تعليق