2019/08/25

فاطمة بنت أسد وحجر النبوة

63


كانت من أولياء الله المقرّبين الذين شفّعهم في قوله عزّ وجل من قال: (ولا تَنفَعُ الشفاعةُ عِنَدهُ إلاّ لِمَن أَذِنَ له)(1)، هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وزوجها أبو طالب بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وآله، أول امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة على قدميها وبايعته بعد خديجة عليها السلام، وقال أهل السير: هي أول هاشمية ولدت هاشمياً ولا يعرف خليفة أبواه هاشميان سوى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكانت بمحل عظيم من الأعيان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت عليها السلام صُلبةَ الإيمان، لا تتزحزح عن توحيد الله المتعال، وقد نالت هذه السيّدة الجليلة المقامَ الرفيع في الدنيا، وعُدّت في الآخرة في عداد الشفعاء الذين يَشفَعون فيُشفّعهم الله تعالى، ولم تَنَل عليها السلام مقام الشفاعة السامي إلاّ في ظِلّ متابعة النبيّ صلّى الله عليه وآله، والتنزّه عن عبادة الأصنام، والثبات في توحيد الله عزّ وجل، وقد برهنت هذه المرأة أنّ المخلوق الضعيف يمكنه أن يرقى في الكمالات، وأن يصون نفسه أمام سيل الحوادث والبلايا، متمسّكاً بعبادة الواحد الأحد الذي لا شريك له.
لقد عاشت السيّدة فاطمة بنت أسد عليها السلام إلى جانب أبي طالب عليه السلام، وقامت بأعباء المسؤولية في إدارة بيته وتدبير شؤون منزله، بصبر وصدق وإخلاص، وطهارة وصفاء ومحبّة وإيمان وطيب، وأنجبت لـه أولاداً بين ذكور وإناث هم: (طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي عليه السلام، واُم هانئ، وجمانة)(2).
إن من أكبر فضائل السيدة فاطمة بنت أسد عليها السلام أن الله اختارها من بين نساء العالمين لتلد مولودها الطاهر في بيته الحرام، حيث استضافها الله تعالى في جوف الكعبة ثلاثة أيام فولدت أسد الله الغالب وسيف الإسلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في ذلك المكان الطاهر، فحينما جاءها المخاض دعت الله تعالى بكلمات مؤثرة قائلة: (أي ربّي، إني مؤمنة بك وبما جاء بهِ من عندك الرسل، وبكلّ نبيّ من أنبيائك وبكلّ كتاب أنزلته، وأني مصدقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل، وأنه بنى بيتك العتيق، فأسألك بحقّ هذا البيت ومَن بناه، وبهذا المولود الذي في أحشائي، والذي يكلمني ويؤنسني بحديثه، وأنا موقنة أنه إحدى آياتك ودلائلك لما يسّرت عليّ ولادتي)(3)، فانشقّ جدار الكعبة فدخلت وولدت وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله ورأت وليدها وتقوى الله بارزة في ملامحه ومكثت في الكعبة ثلاثة أيام وهي تأكل من ثمار الجنة، فخرجت وهي تحمل الإمام علياً عليه السلام لتفخر بهِ ليكون ولي الله وأخاً لرسوله صلى الله عليه وآله وليكمل رسالته السماوية.
من الكرامات التي خصها الله بها ما يبين مكانتها عند الله عز وجل هي أنها حظيت برعاية سيد المرسلين صلى الله عليه وآله، وكانت عليها السلام تعنى به في صِغره عناية فائقة، ورَبَّته، وحَنَت عليه حُنوَّ الأم الشفيق على ولدها، وأولَتْه رعايتها وحبّها، وكانت تُؤثِره على أولادها في المطعم والملبس، وكانت تغسّله وتدهن شَعره وتُرجّله، وكان النبي صلى الله عليه وآله يحبّها ولا يناديها إلاّ بـ أمّي، فجزاها الله تعالى عن حُسن صنيعها في نبيّه الكريم بأنْ حرّم عليها النار، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّه صلى الله عليه وآله: (إنّي حرّمتُ النارَ على صلبٍ أنزَلَك ، وبَطنٍ حَمَلَك، وحِجرٍ كَفَلَك، وأهلِ بيتٍ آوَوك)(4)، فعبدُ الله بنُ عبد المطّلب الصُّلب الذي أخرجه، والبطن الذي حمله آمنة بنت وهب، والحِجر الذي كفله فاطمة بنت أسد، وأمّا أهل البيت الذين آوَوه فأبو طالب.
لم تكن تربية السيّدة فاطمة بنت أسد لرسول الله صلى الله عليه وآله عبثاً، بل هي مشيئة الله له، فحين وفاة جدّه عبد المطلب عليه السلام ربّاه بعد ذلك عمّه أبو طالب لترعاه زوجته عليها السلام، فكانت كما قال فيها: "هي أمّي بعد أمّي".
أما عن وفاتها فقد نقل المؤرّخون أن وفاتها كانت في السنة الثالثة ـ أو الرابعة ـ من الهجرة النبويّة، ودُفنت في المدينة المنوّرة، وكان لها عند وفاتها 65 عاماً تقريباً، وكفنها النبي صلى الله عليه وآله فحمل جنازتها على عاتقه، فلم يَزَل تحت جنازتها حتّى أوردها قبرها، وحَزِن عليه الصلاة والسلام حين وفاتها فلم يجد منها إلّا المعلمة الطيبة، فتربى في حجرها ما يقارب العشرين عاماً، فكانت تفضّله على أولادها، وصدّقته وصدّقت رسالته، فساندته وبايعته منذ البداية، فظلّ يستذكر صفاتها الجميلة من مخافة الله عزّ وجل ومن عفة وطهارة واجتنابها المنكر، ومن حبّه الشديد وبرّه لها كفّنها بقميصه واضطجع في لحدها ليخفف عنها ضغطة القبر، وقال فيها: "رحمك الله يا أميّ، كنتِ أميّ بعد أميّ، تجوعين وتُشبعيني، وتعرين وتَكسيني، وتمنعين نفسكِ طيب الطعام وتُطعميني، تُريدين بذلك وجه الله والآخرة"(5).
......................................................
(1) سبأ: 23.
(2) أعلام الورى: ص 144.
(3) فخر الفواطم بنت أسد: ص 47.
(4) روضة الواعظين: ج 1 ، ص 139.
(5) أعلام الهداية، ج 3 ، ص 45.




تعليقات القراء 0 تعليقات

اضافه تعليق