2019/09/20

السيدة رملة ونداء المرجعية

256


كان للمرأة في واقعة الطف دور متميز في نصرة الإمام الحسين عليه السلام، إذ طرزت صفحات التاريخ الرسالي بأروع لوحات الصبر والتضحية، حينما ضحت بفلذات الأكباد، وتقبلت استشهادهم بالرضا والاطمئنان، وبذلك تخطت طبيعتها الفطرية المعتادة في الحرص على سلامة أبنائها وزوجها إلى أسمى حالات التضحية والفداء حين قامت بدفع الأبناء والزوج معاً للدفاع عن المبادئ والقيم التي نادى بها الإمام الحسين عليه السلام، والاستشهاد بين يديه وحثهم على الصمود ببسالة.
وها هن نساء البيت العلوي بقين في حالة من الشموخ، والقوة، والتماسك، والعنفوان والتضحية طيلة رحلة السبي الأليمة، والتي أفشلت المخطط الأموي، والسيدة رملة أم القاسم بن الحسن إحداهنَّ، ورد اسمها في واقعة الطف باسم أم القاسم أو أم ولد واسمها رملة(1)، وبذلك كان لها الدور المتميز في رسم ملامح الثورة الكربلائية، وإظهار قبح العدو الأموي وكشف قناعه الفاسد، وقد أورد المرحوم المقرم نقلاً عن أعلام الورى للطبرسي أن السيدة رملة ورد اسمها في واقعة الطف باسم أم القاسم أو أم ولد، وأن لها من الأولاد (القاسم وعبد الله) اللذين استشهدا في واقعة الطف(2).
لقد عاشت هذه السيدة عمرها الشريف، بين كنف البيت العلوي عاصرت محنته وأعدت ولدها القاسم ليوم عاشوراء، وكانت نعم الزوجة المخلصة للإمام الحسن بن علي عليهما السلام والأم الحنون التي ربّت أبناءها وبالأخص القاسم الذي شجّعته لنصرة إمام زمانه الحسين سلام الله عليه، طول الطريق إلى كربلاء تشجّعه وترفع معنوياته للدفاع عن الإسلام وأهل بيت النبوة عليهم السلام مما زاد في شوق ابنها للتضحية فوق تشوقه الشديد، فأعطته لامة حربه ودفعت إليه بوصية والده، لنصرة عمه في يوم كربلاء، فتشرّف بالشهادة حفظاً للدين والعقيدة، واتجهت بعملها هذا صوب المجد، خاصة وأن ولدها لم يكن قد بلغ الحلم، وكان وجهه كفلقة القمر، حتى عمه الحسين عليه السلام نظر إليه واعتنقه وبكى حتى غشي عليه، فاستأذنه في القتال فأذن له بعد إلحاح منه، والسيدة رملة تقف بباب الخيمة بقلبها المفجوع تنظر لولدها وهو يرتجل ويستعد للقتال، مدهوشة ولم تجزع، صابرة محتسبة، لأنها تدرك أن إشارة النصر قريبة، وذكر ولدها سيبقى خالداً عبر السنين، وأنه سيُسقى شربة ماء لا يظمأ بعدها أبداً.
فبرز القاسم بن الحسن على صغر سنّه يقاتل قتال الأبطال، ليؤتى لها به وقد مزقت بدنه الزاكي السيوف والرماح، ومثل أي أم كانت تأمل أن تشهد زفاف عرسه، لكنها رأته يزف للشهادة مدافعاً بدمه الزكي عن عمه وأهل بيته عليهم سلام الله، فصبرت واحتسبت ذلك في سبيل الله، فراحت بعده لتنضم إلى ركب السبايا والأسر راحلة عن كربلاء، تاركة فيها حبيبها القاسم طريحاً على رمال الطف إلى جانب تلك الأجساد الطاهرة لعمه الحسين وأبناء عمه وأهل بيته وخيرة الأصحاب الأبرار(3).
وبذلك قدمت السيدة رملة عليها السلام درساً عندما قدمت فلذة كبدها فداء للإمام الحسين عليه السلام وقضيته، والذي من المفترض أن تتهيأ لأيام زفافه القريبة، لكنها بشجاعة الهاشميات العلويات، زفت ابنها البار مع موكب شهداء الطف، ليكون في عليين مع الشهداء، وبذلك قدمت للعدالة قرباناً ومثلاً أصبح بعد ذلك امتداداً لسيل شبابي هادر لبى نداء المرجعية وفتوى الجهاد للدفاع عن الأرض والعرض.
...............................................
(1) معجم أنصار الحسين عليه السلام: ج 1، ص 296.
(2) الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: السيد المقرم، ص 1154.
(3) أعلام النساء المؤمنات: ص 419.




تعليقات القراء 0 تعليقات

اضافه تعليق