2020/02/29

السيّدة لبابة زوجة أبي الفضل العبّاس (عليه السلام)

88


هي سيّدة لها مكانتها ودورها المميّز في التأريخ، ويكفيها فخراً أنّها اقترنت ببطل من أبطال الملحمة الحسينيّة الخالدة أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) وكان من نسلهما الرجالُ العظماءُ الذين ملؤوا الدنيا علماً وخيراً وبركة.
ذكرَتْ العديدُ من الروايات أن العبّاس (عليه السلام) تزوّج من امرأةٍ واحدةٍ فقط هي لبابة بنت عبيد الله بن عبّاس، حيثُ كانت من سيّدات عصرها وأفضلهنّ نسباً وطهارةً وعفّة، فهي تنتمي إلى البيت الهاشمي خِيرة الله من الخلق، الذي شرّفه الله بأن اختار منه خاتم الأنبياء والمرسلين، أبوها هو عبيد الله بن عبّاس وكان والياً على اليمن من قِبَل الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأمّها السيّدة الجليلة أمّ حكيم بنت خالد بن قرض الكنانية وكانت من أجمل النساء وأوفرهنّ عقلاً، وقد فُجعت هذه السيدة الفاضلة بمقتل ولدَيْها الصغيرين عبد الرحمن وقُثم أخوي السيّدة لبابة من قِبل السفّاح بُسر بن أرطاة أحد قادة جيوش معاوية بن أبي سفيان عندما احتلّ اليمن، حيث لم يتمكّن عبيد الله من الصمود أمام الجيش الأموي، الأمر الذي دعاهُ إلى ترك اليمن لكنّه لم يتمكّن من أخذ طفلَيْه معه؛ لأنّه كان قد أرسلهما إلى البادية ليَنْشَآ هناك - وكان هذا الأمرُ مألوفاً عند أهل الجزيرة العربية - ولمّا علم بسر بن ارطأة بوجود هذين الطفلين أرسل لهما رجاله وأمر بذبحهما، وأضاف بذلك صفحة سوداء أخرى إلى تاريخ الأمويين الحافل بالجرائم، وقد أنكرت عليه إحدى السيّدات من اليمن فعله فقالت له : إنّ سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الأطفال الأبرياء لسلطان سوء.(1)
ولمّا بلغ قتلُهما أميرَ المؤمنين (عليه السلام) دعا على بسر وقال: اللهمّ اسلبه عقله ودينه، فلم تمضِ مدّةٌ طويلة حتى انتقم الله سبحانه وتعالى منه فخَرِفَ وسُلب عقلُه وأخذ يتصرّف تصرّفاتٍ تشمئزُّ منها النفوس حتّى أهلَكَه الله وأورده النارَ وبئس المصير.
لقد فتحت السيدة لُبابةُ عينيها على الدنيا والصراع قائم بين البيت الهاشميّ والبيت الأمويّ، وهو صراعٌ دينيّ وعقائديّ، مثلما قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): (نحن وبنو أمية تعادينا في الله، قلنا صَدَقَ الله وقالوا كذب الله)، حتى بلغ ذلك الصراع ذروته باغتيال الإمام عليّ (عليه السلام) في محراب الصلاة وبعده الإمام الحسن (عليه السلام)، وبعده سيد الشهداء الامام الحسين (عليه السلام).
وقفت السيدةُ لبابة مع زوجها في كربلاء موقفاً شجاعاً ونبيلاً حيث آزرته وساندته وحثّته على المضيّ قُدُماً في الوقوف مع أخيه سيّد الشهداء، وظلّت بجانبه وهو يرفع راية الإيمان والعزّة والفداء ضد السلطة الاموية، فسجّل أروع مواقف البطولة والوفاء التي أصبحت سيرة هذا الولي على مرّ الزمن، واستمرّت هذه المرأة تُقارع السلطة وتُقاسم السيّدة زينب (عليها السلام) المصائب والألم، وصمدت أمام تعسّف أزلام السلطة وقسوتهم، وشاركت عقيلات الرسالة رحلة السبي المؤلمة من كربلاء إلى الشام وحتى العودة إلى المدينة المنوّرة، حيث أكملنَ بمسيرهنّ النهضة الحسينيّة مثلما أرادها الحسين (عليه السلام) وخطّط لها بحنكةٍ وذكاء ودراية، وتمكّنَّ بجهادهنّ وصبرهنَّ وتصدّيهنَّ للطغاة من فضح الزيف الأموي وجرائمه ، وقلبنَ نصرهم إلى هزيمةٍ وأذقنَ العدوّ كأس السمّ الزعاف.
اختلفت الروايات فيما حصل للسيّدة لُبابة بعد يوم الطفّ، فهناك روايةٌ تقول إنّها لم تعشْ بعد استشهاد العباس (عليه السلام) إلّا قليلاً، وتذكر هذه الرواية أنّها توفّيت سنة 63هـ أي بعد استشهاده بسنتين فقط، وكان عمرها وقت وفاتها ثمانية وعشرين عاماً، وقيل إنّ عمرها كان خمسة وعشرين عاماً لكن محنتها كانت كبيرة ولم تستطع تحمّل شدّة الصدمة وعمق المصيبة فرحلت عن الحياة صابرةً محتسبةً، ورجعت إلى ربّها راضيةً مرضيةً.
لقد أنجبت هذه السيّدة المظلومة للعبّاس (عليه السلام) خمسة أولاد ذكور وبنتاً واحدة، والأولاد هم( الفضل، عبد الله، القاسم، محمد)، بينما تذكر مصادر أخرى أنّ أولادهما هما: الفضل وعبيد الله فقط.(2)



..............................................................................
(1) العباس بن علي عليه السلام الوفاء الخالد ، ص211.
(2) العباس بن علي جهاد وتضحية، ص27-28.




تعليقات القراء 0 تعليقات

اضافه تعليق