مفاهيم القرآن ـ جلد الأول ::: 151 ـ 160
(151)
    ولكن هذا الرأي وهذا الاستدلال مضافاً إلى أنّه ثبت بطلان هـ كما قلنا ـ لبطلان أدلّته ، وثبت أنّ حركة الأجسام الفلكية ليست حركة واعية ، توجيه بعيد عن هدف إبراهيم ( عليه السَّلام ) ، لأنّ هـ كما قيل ـ لم يكن الخليل ( عليه السَّلام ) في مقام إثبات الصانع و إبطال الإلحاد ، بل هو في مقام استنكار الشرك وإبطال فكرة الشريك للّه في التدبير.
كلمة أخيرة حول هذه الآيات
    وآخر ما يمكن قوله حول هذه الآيات هو أن نقول :
    إنّ هذه الآيات تتحدث مباشرة عن محاربة الشرك في التدبير ولكنّها تتعلّق ـ بصورة غير مباشرة ـ بإثبات الصانع أيضاً ، بتقريب أنّ أُفول هذه الكواكب يدلّ على كونها مسخّرة وأنّ هناك مسخّراً هو الذي خلقها وسخّرها.
    وفي هذه الصورة لا يمكن أن تكون هي مدبّرة ، إنّما التدبير لذلك الخالق الذي خلقها وسخّرها.
    وفي هذه الحالة يكون أُفول وغياب هذه الأجرام حين كونها دليلاً على عدم ربوبيتها دليلاً قاطعاً وشاهداً واضحاً على ربوبية مسخّرها ومالك أمرها.


(152)
التوحيد الاستدلالي : البرهان الثالث
خلق السماوات والأرض
دليل على وجود الخالق
     ( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالأْرضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَان مُبِين ) (1).
    كيفية الاستدلال بهذه الآية واضحة. فالقرآن الكريم يطرح مسألة « الشك في وجود اللّه » في صورة استفهام إنكاري ، إذ يقول : ( أَفِي اللّهِ شَكٌّ ) ؟
    ولكي يرد هذا الشك ويدفعه يذكّر بخلق السماوات والأرض وفطرها ، إذ يقول : ( فَاطِرِ السَّمواتِ وَالأرْضِ ).
    أي وهو فاطر السماوات والأرض.
    و « الفطر » تعني لغة : « الخلق ».
    وإطلاق الفطر على الخلق بمناسبة أنّ الخالق يشق بطن العدم ، ويستخرج
    1 ـ إبراهيم : 10.

(153)
منه « الشيء » الذي يريد خلقه وإيجاده.
    خلاصة القول : إنّ الآية تعني أنّ خلق السماوات والأرض ووجودهما بعد العدم ، خير دليل على وجود موجد لها ، وخالق خلقها ، وأتى بها إلى حيز الوجود.
    لهذا يجب أن لا نسمح للشك في هذا الأمر « أي وجود الخالق » ونحن نرى هذه المخلوقات الجسام العظيمة الصنع.
    والاستدلال في هذه الآية على نمط الاستدلال بوجود الأثر والمصنوع على وجود المؤثر الصانع ، وهو ما يصطلح عليه بالبرهان الأنّ ـ ي (1).
    و قد بيّ ـ ن هذا البرهان في كتب الكلام والعقائد في صور مختلفة متنوعة.
سؤال حول الآية
    لقد بعث الأنبياء والرسل المذكورون في الآية لهداية أقوام نوح وعاد وثمود (2) في حين كان جميع هذه الشعوب والأقوام مؤمنين باللّه خالقاً لهذا الكون وفاطراً للسماوات والأرض ، ولكنّهم كانوا يعبدون الأصنام باعتقاد أنّها شفعاء مقرّبة ، ومقرّبة عند اللّه أو لأسباب أُخرى ، وفي هذه الحالة لماذا طرح القرآن الكريم موضوع الشك في « وجود » اللّه ، وأقام البرهان على « وجوده » تعالى ، وليس المقام مقام شك في وجوده سبحانه ؟
    وبتعبير آخر : لم تكن هذه الأقوام التي مر ذكرها ، ملحدة ، ومنكرة لوجود
    1 ـ الاستدلال الإنّي هو الاستدلال بالمعلول على وجود العلة عكس البرهان اللّمي الذي يستدل فيه بالعلة على المعلول وستوافيك كلمتنا حول الاستدلالين.
    2 ـ كما يلاحظ ذلك من مراجعة الآية السابقة لهذه الآية إذ تقول : ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ ) (إبراهيم : 9).


(154)
اللّه ، بل كانوا يعانون من عبادة المعبودات المتعددة. ومن المعلوم أنّ الأنبياء لم يبعثوا إلاّ ليجنّبوا البشرية عن عبادة غير اللّه ، ولذلك يتحتم ـ عند المحاورة والدعوة ـ إبطال أساس الشرك العبادي ، وإقامة البراهين على وهنه وضعفه وفساده ، لا على إثبات وجود اللّه ، فلماذا طرح أُولئك الأنبياء قضية إثبات وجود اللّه كما نرى في الآية المبحوثة ؟
    إنّ الجواب على هذا السؤال يتضح من الإمعان والتدبّر في ما قبل وما بعد هذه الآية.
    فمن تأمل رأى كيف أنّ الأنبياء عندما دعوا هذه الأقوام ـ في بداية الأمر ـ إلى توحيد العبادة ، ونهوا عن عبادة غير اللّه قوبلوا من جانب تلك الأُمم بهذا الرد : ( إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيب ). (1)
    لقد كانت دعوة الأنبياء مركبة من أمرين :
    1. عبادة اللّه.
    2. ترك عبادة الأوثان.
    وقد رفضت تلك الأقوام ـ وبشهادة الآية 9 ـ كلا المطلبين ، أو المطلب الثاني على الأقل.
    ولذلك عمد الأنبياء إلى البرهنة على صحة المطلبين بطرح مسألة خالقية اللّه للسماوات والأرض فقالوا : ( أَفِي اللّهِ شَكٌّ ) ؟
    1 ـ إبراهيم : 9.

(155)
    يعني كيف يجوز ويمكن الشك في وجود اللّه وآيات وجوده ظاهره ساطعة .. وأعظمها هو خلق السماوات والأرض : ( فَاطِرِ السَّمواتِ وَالأرْضِ ) وإذا لم يكن له وجود لما كان لهذه السماوات والأرض من وجود.
    وبعد أخذ هذا الاعتراف من تلكم الأقوام ، أصبح الطريق ميسّراً لإثبات المطلبين على النحو الآتي :
    1. إذا كنتم تعتقدون بمثل هذا الإله ، الخالق والمالك للكون ولأرواحكم وأجسادكم ، أذن لابد ـ وبحكم أفضليته وعلوّه وبحكم مالكيته للكون والإنسان ـ من عبادته والخضوع أمامه خضوع العبيد.
    ولأجل هذا جاء في ذيل الآية قوله حكاية عنهم ( عليهم السَّلام ) : ( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ).
    2. إذا كنتم تعتقدون بمثل هذا الإله فلماذا تعبدون الأصنام التي هي جزء من مخلوقات هذا العالم ، وشأنها شأن بقية الكائنات في هذا الكون في الضعف والعجز ، إذن لابد أن تعبدوا اللّه المنعم المحسن لا المخلوق المملوك الضعيف. (1)
    بناء على هذا فإنّ الهدف من الإشارة إلى « مسألة خالقية اللّه للسماوات والأرض » إنّما هو إثبات انحصار العبادة فيه تعالى وأنّه يجب أن لا يعبد سواه ، من خلال إثبات خالقيته التي هي ملاك العبادة وموجبها.
    وصفوة القول : إنّ ضمائر تلك الأقوام كانت تنطوي على مقدمة ضمنية ، وهي « من كان خالقاً كان مدبّراً أيضاً » ولهذا وبحكم فاطرية اللّه للسماء والأرض تثبت مدبّريته للكون .. وإذا لم يكن من مدبّر سواه إذن فبيد هـ دون غير هـ مفاتيح
    1 ـ تفسير الفخر الرازي : 5/229 طبعة عام 1308 هـ .

(156)
كل الخيرات .. ولأجل هذا يجب أن يعبد وحده ولا يعبد غيره ، ذلك لأنّ الغير لا يملك أي خير وأي أمر.
    وبهذا يكون القرآن قد اعتمد على مقدمة وجدانية واستفاد منها لإثبات انحصار العبادة في اللّه.
    وهذا الاستدلال يشبه ما إذا راجع عامل مؤسسة ، من لا يستطيع حل مشكلته وفك عقدته فتقول له لأجل منعه عن مراجعة من لا ينبغي مراجعته ـ
    من هو صاحب المؤسسة ورئيسها؟
    ومن الذي بيده مقاليد الأمر فيها؟
    وهدفك من هذه العبارات المعروف جوابها عند المخاطب ، هو ردعه عن مراجعة الآخرين.
    وكأنّك تريد أن تقول له : أيها العامل أنت الذي تعرف أنّ صاحب المؤسسة هو غير هذا ، فلماذا لا تراجع صاحب المؤسسة ولماذا تراجع هذا؟


(157)
التوحيد الاستدلالي : البرهان الرابع والخامس والسادس
    1. برهان الإمكان
    2. برهان امتناع الدور
    3. برهان حاجة المصنوع إلى الصانع
    1. المعلول بلا علة محال.
    2. خلق الشيء لنفسه مستلزم للدور المحال.
    3. وجود السماوات والأرض دليل على وجود الخالق.
    ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) (1).
    ( أَمْ خَلَقُوا السَّمواتِ وَالأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ) (2).
    ( أمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ سُبْحَانَ اللّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (3). (4)
    تتألف دعوة رسول الإسلام ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) من ثلاثة أُصول أساسية ، وهي الدعوة إلى :
    1 ـ الطور : 35.
    2 ـ الطور : 36.
    3 ـ الطور : 43.
    4 ـ لمزيد الاطلاع راجع نص الآيات من 36 ـ 43 من السورة المذكورة ، وقد اكتفينا منها بنقل هذه الآيات التي تتضمن أصل الاستدلال رعاية للاختصار.


(158)
    1. الاعتقاد بالمعاد.
    2. الاعتقاد بنبوته.
    3. التوحيد بمعناه الواسع الجامع الذي من شعبه : الاعتقاد بوجود الصانع.
    وقد بحثت هذه المواضيع الثلاثة في سورة « الطور » بنحو بديع.
    ففي الآيات 1 إلى 28 طرحت مسألة « المعاد » وبعث الناس في يوم القيامة وما يلابس ذلك.
    وفي الآيات 29 إلى 34 طرحت مسألة « نبوة الرسول الأعظم » ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) .
    وفي الآيات المبحوثة هنا طرحت مسألة « وجود اللّه الواحد » (1).
    وقد هدى القرآن الكريم الإنسان الباحث إلى الاعتقاد بوجود اللّه بطرح مجموعة من الاحتمالات والأسئلة ، كما نشاهدها في هذه الآيات.
    وهذه الاحتمالات وإن كانت واضحة ، يدركها كل أحد بمجرد ملاحظة نصوص الآيات لكننا نشير ـ مرة أُخرى ـ إلى مضامين هذه الاحتمالات والتساؤلات لغرض الاستنتاج.
    وإليك مجموعة هذه التساؤلات والاحتمالات التي تطرحها هذه الآيات حول مبدأ الإنسان وعلة وجود العالم :
    1. أن تكون الكائنات البشرية قد وجدت بلا علة (علة مادية كانت كالأب والأُم والخلية التناسلية ، أو علة مجردة عن المادة كاللّه تعالى) بمعنى أن تكون قد وجدت مصادفة ، ومن تلقاء نفسها.
    1 ـ تفسير الرازي : 28/259 الطبعة الجديدة.

(159)
    وقد طرح هذا السؤال في قوله تعالى : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء ) (1).
    2. أن تكون هي الخالقة لنفسها وهي الصانعة لذاتها والموجدة لها.
    وإلى هذا الاحتمال أشارت جملة : ( أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ) ؟
    3. على فرض أنّها هي الموجدة لنفسها فإنّه يبقى سؤال آخر في هذا المجال وهو : من خلق السماوات والأرض؟
    هل يمكن القول بأنّ هؤلاء الأفراد هم الذين خلقوا السماوات والأرض؟
    وإلى هذا السؤال أشار قوله سبحانه : ( أَمْ خَلَقُوا الْسَّماواتِ وَالأرْضَ ) (2) ؟
    4. أن يكون لهم إله غير اللّه وهذا الاحتمال أشار إليه قوله : ( أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ ) ؟
    هذه هي الاحتمالات التي طرحها القرآن الكريم ليفكر الناس فيها ثم يهتدوا إلى اللّه الواحد ، وهي كلّها باطلة وغير صحيحة في منطق الوجدان الحي ، والضمائر اليقظة.
    1 ـ بملاحظة ما بين القوسين يمكن إرجاع كثير من الاحتمالات التي ذكرها المفسرون لكلمة « غير شيء » إلى معنى جامع واحد ولمعرفة هذه الاحتمالات يراجع تفسير الرازي : 29/260 ، والميزان : 19/19.
    2 ـ الطور : 36.


(160)
    فلابد إذن من الإذعان بوجود اللّه الواحد ، ولابد من التزام العبودية أمامه.
    يبقى أن نعرف وجه بطلان هذه الاحتمالات فنقول :
    أمّا بطلان الاحتمال الأوّل ففطري ، لبداهة أنّ لكل ظاهرة وحادث موجداً ومحدثاً لدلالة الفطرة السليمة ، والضمير اليقظ والتجربة المتكررة ، والبرهان العقلي عليه ، بحيث لو ادّعى أحد إمكان وقوع معلول دون علة لسخَّر منه العقلاء أجمعون.
    وبرهان الإمكان يؤيد هذه الآية.
    وأمّا بطلان الاحتمال الثاني فهو كذلك بديهي كالأوّل لبداهة أنّ كل ظاهرة إذا كانت موجدة لنفسها كان معنى ذلك رجوع الاحتمال الثاني إلى الأوّل ، وهو « تواجد المعلول بلا علة موجدة له خارجة عن ذاته » وقد عرفت فساده.
    وخلاصة القول : إنّ الشيء إذا كان غير موجود بالذات (أي لم يكن وجوده نابعاً من ذاته) فهو إذن حادث ، فهو إذن يحتاج ـ بحكم ما قلناه في الاحتمال الأوّل ـ إلى محدث.
    وأما لو كان وجود الشيء نابعاً من ذاته فهو ليس إذن بحادث ، بل هو أزلي أبدي في حين أنّهم (أي الملحدين) مذعنون بأنّ هذه الأشياء (أي البشر) ليست سوى أُمور حادثة مسبوقة بالعدم.
    وبعبارة أكثر وضوحاً : انّ خلق الشيء لنفسه يستلزم « الدور » الواضح بطلانه.
    لأنّ معنى قولك : « خلق الشيء نفسه » هو أن يكون الشيء موجوداً قبل ذلك ليتسنّى له خلق نفسه. ومعنى هذا : توقف الشيء وتقدمه على نفسه
مفاهيم القرآن ـ جلد الأول ::: فهرس