مفاهيم القرآن ـ جلد الأول ::: 261 ـ 270
(261)
الموجودات تسبّح للّه ، عن شعور وإدراك لا بلسان « الحال » والتكوين كما ذهبت إليه النظريات الأُخرى.

البرهان العقلي على هذا الرأي
    ويمكن إثبات هذا الرأي بالدليل العقلي ، وأُصول « الحكمة المتعالية » (1) وخلاصة ذلك هي : أنّ الوجود ـ في كل مراتبه ـ ملازم للشعور والعلم والوعي ، وكل شيء نال حظاً من الوجود ، فإنّه يتمتع بالوعي والعلم والشعور بقدر ما نال من الوجود.
    ويتألّف الدليل الفلسفي لهذا الادّعاء من مقدمتين ونتيجة :
    1. انّ ما هو أصيل في الكون ، ومصدر لجميع الآثار والكمالات هو : « الوجود ».
    فهو منبع كل فيض معنوي ومادي وهو منشأ كل علم وقدرة وكل إدراك وحياة.
    فكل ذلك ناشئ من وجود الأشياء ، بحيث لو انتفى الوجود من البين ، لتوقّفت جميع الحركات وسكنت جميع النشاطات وانعدمت كل الفيوض وآل كل ذلك إلى العدم.
    2. ليس للوجود ـ في كل مراحله من واجب وممكن ومجرد ومادي وعرض وجوهر ـ إلاّ حقيقة واحدة لا أكثر.
    وحقيقة الوجود وان لم تكن واضحة لنا ولكننا يمكننا أن نتعرف عليها
    1 ـ هذه اللفظة تشير إلى مدرسة شيخ المتألّهين صدر الدين الشيرازي ـ رحمه اللّه ـ .

(262)
بسلسلة من المفاهيم الذهنية ونقول :
    إنّ الوجود هو الذي يطرد العدم وتفيض العينية والتحقّق منه للأشياء.
    وبعبارة أُخرى : ليست للوجود ـ من أشرفه إلى أخسّه ، من واجبه إلى ممكن هـ إلاّ حقيقة واحدة ، تتفاوت في الشدة والضعف حسب تفاوت مراتبه ودرجاته وليست الشدة إلاّ نفس الوجود ، لا أمراً منضماً إليه وليس الضعف إلاّ محدودية الوجود.
    فللوجود ـ في جميع مراتبه ـ حقيقة واحدة ، ونشير إلى تلك الحقيقة الواحدة بأنّها « طاردة للعدم » أو كونها نفس العينية الخارجية ، وإن كانت لتلك الحقيقة مراتب مختلفة من الشدة والضعف لكن الاشتداد ليس إلاّ نفس الوجود لا أمراً زائداً عليه ، كما أنّ الضعف ليس إلاّ محدوديته ، لا أمراً ينضم إليه.
    فإذا اعتبرنا الوجود منبعاً للكمالات ، وأنّه ليس له إلاّ حقيقة واحدة لا أكثر وجب أن نستنتج من تلك المقدمات هذه النتيجة وهي : إذا كان الوجود في مرتبة خاصة من مراتبه ـ كوجود الحيوانات ـ ذا أثر ، وهو العلم والشعور فلابد أن يكون هذا الأثر سارياً في كل المراتب بنسبة ما فيها من الوجود.
    وغير هذه الحالة يجب إمّا أن لا يكون الوجود منشأ للكمالات ومنبعاً للآثار وإمّا أن نتصور للوجود حقائق متباينة ، أي أن نعتبر حقيقته في مرتبة الحيوانات متغايرة عما هي في مرتبة النباتات والجمادات.
    إذ ليس من المعقول أن يكون لحقيقة واحدة أثر معين في


(263)
مرتبة دون مرتبة أُخرى منها.
    وبتعبير آخر إذا كان الوجود ذا حقائق متباينة جاز أن يكون ذا أثر معين في مورد ما بينما يكون فاقداً لذلك الأثر في مورد آخر.
    ولكن إذا كانت للوجود حقيقة واحدة ، ولم تختلف مصاديقها إلاّ في الشدة والضعف فحينئذ لا معنى لأن يكون الوجود ذا أثر في مرحلة بينما يكون فاقداً لذلك الأثر في مرحلة أُخرى.
    هذه هي خلاصة البرهان الفلسفي الذي تحدث عنه المرحوم صدر المتألّهين في مواضع مختلفة من كتبه.
    على أنّ ظواهر الآيات القرآنية تؤيد هذه الحقيقة إذ تقول : ( وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ). (1)

سريان الشعور والعلم الحديث
    من حسن الحظ أنّ العلوم الحديثة ـ اليوم ـ أثبتت بفضل جهود المحققين والباحثين : « وجود الوعي والعلم » في عالم النبات إلى درجة أنّ علماء روس اعتقدوا بأنّ للنبات أعصاباً على غرار الإنسان ، وأنّها تصرخ وتظهر من نفسها ردود فعل معينة.
    وإليك ما نشرته صحيفة اطلاعات في هذا الصدد :
    « كشفت إذاعة موسكو عن نتائج جديدة لتحقيقات علماء روس في عالم النبات حيث قالت : بأنّ العلماء توصلوا مؤخراً إلى أنّ للنباتات أجهزة عصبية شبيهة بالأجهزة في الحيوانات.
    ولقد توصل العلماء إلى هذه الحقيقة بعد أن علّقوا أجهزة سمع وبث
    1 ـ الإسراء : 44.

(264)
الكترونية دقيقة على ساق نبات القرع ثم لاحظوا ـ بوضوح ـ ظهور ردود فعل غريبة على ساق النبات المذكور عندما راحوا يقطعون بعض جذوره!!
    وفي الوقت ذاته كانت قد أُجريت اختبارات مشابهة في المختبر الفسيولوجي للنبات بأكاديمية العلوم الزراعية أفرزت نتائج مشابهة أيضاً!
    ففي هذه الاختبارات وضعوا جذور إحدى النباتات في ماء ساخن فضبطوا على أثره صيحات ألم وأنات صدرت من النبات غير أنّ هذه الأصوات لم تسمع بالطبع بالأُذن المجردة ، وإنّما أجهزة تسجيل الأصوات الالكترونية الدقيقة هي التي التقطت هذه الصرخات ، وسجلتها على أشرطة خاصة ». (1)
    1 ـ جريدة اطلاعات.

(265)
الفصل الخامس
اللّه والتوحيد الذاتي
« وانّه لا نظير ولا مثيل له »


(266)
اللّه والتوحيد الذاتي
    1. أنواع الوحدات.
    2. شهادة اللّه على وحدانيته سبحانه.
    3. بحث حول كيفية شهادته سبحانه.
    4. إجابة عن سؤال.
    5. وجود اللّه غير متناه.
    6. عوامل المحدودية منتفية في ذاته تعالى.
    7. اللامحدود لا يتعدد.
    8. سؤال وجواب.
    9. سؤال آخر وجواب.
    10. أحاديث أئمّة أهل البيت حول وحدانية اللّه.
    11. وحدة اللّه ليست وحدة عددية.
    12. الآلهة الثلاثة أو خرافة التثليث.
    13. كيف تسرب التثليث إلى النصرانية؟
    14. رأي القرآن في التثليث.
    15. آثار المسيح البشرية.


(267)
التوحيد في الذات
    قبل الخوض في دراسة الآيات القرآنية وتحليل الدلائل العقلية والمرتبطة بوحدانية الذات الإلهية المقدسة يلزم أن نذكّر القارئ الكريم بنقاط هي :
    1. قلنا فيما تقدم أنّ المحقّقين الإسلاميين اختصروا ولخصوا مراتب التوحيد في أربع هي :
    أ. التوحيد الذاتي.
    ب. التوحيد الصفاتي.
    ج. التوحيد الإفعالي.
    د. التوحيد العبادي.
    لكن مراتب التوحيد ـ في الحقيقة ـ لا تنحصر في هذه الأقسام الأربعة ، بل ثمة مراتب أُخرى له قد ورد ذكرها في الكتاب العزيز ، وسوف يوافيك شرحها ، وبيانها تدريجياً.
    والمقصود من « التوحيد الذاتي » هو أنّ اللّه لا شريك ولا نظير ولا شبيه ولا مثيل له.
    وبتعبير أوضح ، إنّ « التوحيد الذاتي » هو أنّ الذات الإلهية لا تقبل التعدّد


(268)
ولا يمكن أن يتصوّر الذهن مصداقاً وفرداً آخر للّه في عالم الخارج ، فالذات الإلهية تكون بحيث لا تقبل التعدّد والتكثّر.
    2. يتركز اهتمام القرآن ـ في الأغلب ـ على : مسألة « التوحيد الافعالي » و« التوحيد العبادي » وقلّما يهتم القرآن ـ في الظاهر ـ بالتوحيد « الذاتي » و التوحيد في « الصفات » وقلّما يتناولهما بالبحث والبيان.
    بيد أنّ الناظر في المفاهيم والمعارف التي يتناولها القرآن الكريم لو أجاد النظر في الآيات القرآنية لوجد أنّ القرآن تعرض للمسألتين الأخيرتين أيضاً ، ولكن في مستويات أرفع يحتاج فهمها واستيعابها واستنتاجها إلى مزيد فحص وإمعان.
    3. لقد قسّم الفلاسفة الإسلاميون الوحدة إلى أربعة أنواع :
    أ. الوحدة الشخصية (العددية).
    ب. الوحدة الصنفية.
    ج. الوحدة النوعية.
    د. الوحدة الجنسية.
    ولتوضيح ذلك نقول :
    هناك « وحدة شخصية » و « واحد بالشخص » كما أنّ هناك « وحدة صنفية » و « واحداً بالصنف » ثم « وحدة نوعية » و « واحداً بالنوع » كما أنّ هناك « وحدة جنسية » و « واحداً بالجنس ».


(269)
    وربما يخلط بينهما وإلى هذا الاختلاط والالتباس يشير الحكيم السبزواري في منظومته الفلسفية قائلاً :
    و واحد بالنوع غير النوعي في مثله التمييز أيضاً مرعي
    وعمدة الفرق بين الصورتين أنّ الأمرين اللّذين يقعان تحت الصنف أو النوع الواحد مثلاً يسميان « واحداً بالنوع أو بالصنف أو بالشخص أو بالجنس ».
    فزيد وعمرو بما أنّهما داخلان تحت « نوع واحد » وهو « الإنسانية » فهما واحدان بالنوع كما أنّ مفهوم الإنسانية له « وحدة نوعية ».
    و الإنسان والفرس بما أنّهما داخلان تحت جنس واحد فهما « واحدان بالجنس » أعني الحيوانية ، كما أنّ ذلك المفهوم « أي مفهوم الحيوانية » له وحدة جنسية.
    وقس عليه الوحدة الصنفية مثلاً ، فالطالبان بما أنّهما داخلان تحت عنوان طلبة العلم فهما واحدان بالصنف ويكون لمفهوم الطالبية « وحدة صنفية ».
    4. على هذا الأساس لا يمكن ولا يجوز أن نصف اللّه تعالى بالوحدة العددية بأن نقول اللّه واحد ليس باثنين.
    إذ أنّ هذا التعبير إنّما يجوز استعماله فيما يمكن تصور فرد « ثان » للشيء الموصوف بالوحدانية ، في الخارج ، أو في عالم الذهن ، وان لم يكن للمفهوم المعين سوى مصداق واحد.
    ولكن إذا كانت كيفية وجود الشيء بحيث لا يمكن تصور فرد آخر مثيل له أبداً ، كما بالنسبة إلى اللّه سبحانه ، ففي هذه الصورة لا تتحقق الوحدة العددية مطلقاً ، ولا يصح إطلاقها واستعمالها في مثل هذا المورد بتاتاً.


(270)
    إنّ الدلائل العقلية ، التي سنذكر طائفة منها ـ في هذا المقام ـ لتذكرنا وتهدينا إلى النقطة الهامة ، وهي : أنّ الذات الإلهية « حقيقة خارجية » لا تقبل التعدّد والكثرة بأي شكل من الأشكال وحتى لو أمكننا افتراض « ثان » له فإنّه سيكون نفسه لا غيره (1).
    هذا مضافاً إلى أنّ « الوحدة العددية إنّما تصح إذا اندرج الفرد الواحد المعين تحت ماهية كلية كالفرد أو الفردين من أفراد الإنسان التي تندرج تحت عنوان الإنسان.
    وهذا التصور باطل في شأن « اللّه » ، إذ لا تندرج ذاته سبحانه أبداً تحت أية ماهية كلية.
    وبتعبير فلسفي ، إنّ اللّه منزّه عن الماهية وأن يندرج تحت مفهوم ذاتي.
    5. سنبحث في الفصل التاسع من هذا الكتاب حول لفظة « الإله » و « اللّه » وسوف نقول هناك أنّ لفظة إله ولفظة اللّه ترجعان ـ لفظاً ومعنى ـ إلى شيء واحد غير أنّ لفظة « إله » عامّة ولفظة « اللّه » اسم خاص ، ولذلك يجمع الأوّل لكونه اسماً عاماً ، في حين لا يمكن جمع الثاني لكونه اسماً خاصاً ، وعلماً.
    فعلى هذا تكون الآيات التي وردت في القرآن الكريم بشكل « لا إله إلاّ اللّه » وما شابهها ناظرة إلى وحدانية الذات الإلهية ، ونفي المثيل والنظير له تعالى.
    وقد أخطأ من حمل هذه الآيات على « التوحيد العبادي » ونفي معبودات غير اللّه ، لأنّ « إله » كما قلنا ليس بمعنى المعبود ، بل هو ولفظة اللّه سواسية في اللفظ والمعنى.
    1 ـ سوف نوضح هذا البرهان بمزيد من البيان في المستقبل.
مفاهيم القرآن ـ جلد الأول ::: فهرس