الغدير ـ الجزء الخامس ::: 111 ـ 120
(111)
620 في كتابه المغني (1) : فصل : يستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر حديثي ابن عمر وأبي هريرة من طريق الدارقطني وأحمد.
    14 ـ قال محيي الدين النووي الشافعي المتوفى حدود 677 في ( المنهاج ) المطبوع بهامش شرحه المغني 1 ص 494 : ويسن شرب ماء زمزم وزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغ الحج.
    15 ـ قال نجم الدين ابن حمدان الحنبلي المتوفى 695 في ( الرعاية الكبرى ) في الفروع الحنبلية : ويسن لمن فرغ عن نسكه زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما ، وله ذلك بعد فراغ حجه وإن شاء قبل فراغه.
    16 ـ قال القاضي الحسين : إذا فرغ من الحج فالسنة أن يقف بالملتزم ويدعو ، ثم يشرب من ماء زمزم ، ثم يأتي المدينة ويزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ( الشفاء ).
    17 ـ قال القاضي أبو العباس أحمد السروجي الحنفي المتوفى 710 ، في ( الغاية ) إذا انصرف الحاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى طيبة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله و زيارة قبره فإنها من أنجح المساعي.
    18 ـ قال الإمام القدوة ابن الحاج محمد بن محمد العبدري القيرواني المالكي المتوفى 737 في [ المدخل ] في فضل زيارة القبور ج 1 ص 257 : وأما عظيم جناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيأتي إليهم الزائر ، ويتعين عليه قصدهم من الأماكن البعيدة ، فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والانكسار والمسكنة والفقر والفاقة والحاجة والاضطرار والخضوع ، ويحضر قلبه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون ، ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله ، ثم يصلي ويترضى على أصحابهم ، ثم يترحم على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ، ويستغيث بهم ، ويطلب حوائجه منهم ، ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ذلك ، فإنهم باب الله المفتوح ، وجرت سنته سبحانه وتعالى بقضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم ، ومن عجز عن الوصول فليرسل بالسلام عليهم ، ويذكر
1 ـ شرح مختصر الخرقي في فروع الحنابلة تأليف الشيخ أبي القاسم عمر الحنبلي المتوفى 334 ، والشرح المذكور من أعظم كتب الحنابلة التي يعتمدون عليها.

(112)
ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه إلى غير ذلك ، فإنهم السادة الكرام ، والكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم.
    هذا الكلام في زيارة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام عموما.
    ثم قال : فصل : وأما في زيارة سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وسلامه فكل ما ذكر يزيد عليه أضعافه أعني في الانكسار والذل والمسكنة ، لأنه الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته ، ولا يخيب من قصده ، ولا من نزل بساحته ، ولا من استعان أو استغاث به ، إذ أنه عليه الصلاة والسلام قطب دائرة الكمال وعروس المملكة إلى أن قال : فمن توسل به ، أو استغاث به ، أو طلب حوائجه منه ، فلا يرد ولا يخيب لما شهدت به المعاينة والآثار ، ويحتاج إلى الأدب الكلي في زيارته عليه الصلاة والسلام ، وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته ، إذ لا فرق بين موته وحياته ـ أعني في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم ، ذلك عنده جلي لا خفاء فيه ـ إلى أن قال : فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار ، وأثقال الذنوب والخطايا ، لأن بركة شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب إذ أنها أعظم من الجميع ، فليستبشر من زاره ، وليلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام من لم يزره ، اللهم لا تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك آمين رب العالمين ، ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم ، ألم يسمع قول الله عز وجل : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول.
    الآية ؟ فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد الله توابا رحيما ، لأن الله منزه عن خلف الميعاد وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه ، فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، نعوذ بالله من الحرمان.
    19 ـ ألف الشيخ تقي الدين السبكي الشافعي المتوفى 756 كتابا حافلا في زيارة النبي الأعظم في 187 صحيفة وأسماه [ شفاء السقام في زيارة خير الأنام ] ردا على ابن تيمية. وذكر كثيرا من أحاديث الباب ، ثم جعل بابا في نصوص العلماء من المذاهب الأربعة على استحبابها وإن ذلك مجمع عليه بين المسلمين ، وقال في ص 48 : لا حاجة إلى تتبع كلام


(113)
الأصحاب في ذلك مع العلم بإجماعهم وإجماع ساير العلماء عليه والحنفية قالوا : إن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل المندوبات والمستحبات ، بل يقرب من درجة الواجبات ، وممن صرح بذلك أبو منصور محمد بن مكرم الكرماني في مناسكه ، وعبد الله بن محمود ابن بلدحي في شرح المختار ، وفي فتاوى أبي الليث السمرقندي في باب أداء الحج.
    وقال في ص 59 : كيف يتخيل في أحد من السلف منعهم من زيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهم مجمعون على زيارة سائر الموتى وسنذكر ذلك وما ورد من الأحاديث والآثار في زيارتهم ، وحكى في ص 61 عن القاضي عياض وأبي زكريا النووي إجماع العلماء والمسلمين على استحباب الزيارة.
    وقال ص 63 : وإذا استحب زيارة قبر غيره صلى الله عليه وسلم فقبره أولى لما له من ؟ الحق ووجوب التعظيم فإن قلت : الفرق [ يعني بين زيارة قبر النبي وغيره ] إن غيره يزار للاستغفار له لاحتياجه إلى ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في زيارته أهل البقيع ، والنبي صلى الله عليه وسلم مستغن عن ذلك.
    قلت : زيارته صلى الله عليه وسلم إنما هي لتعظيمه والتبرك به ، ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه ، كما أنا مأمورون بالصلاة عليه والتسليم وسؤال الوسيلة وغير ذلك مما يعلم أنه حاصل له صلى الله عليه وسلم بغير سؤالنا ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى ذلك لنكون بدعائنا له متعرضين للرحمة التي رتبها الله على ذلك.
    فإن قلت : الفرق أيضا أن غيره لا يخشى فيه محذور وقبره صلى الله عليه وسلم يخشى الافراط في تعظيمه أن يعبد.
    قلت : هذا كلام تقشعر منه الجلود ولو لا خشية اغترار الجهال به لما ذكرته ، فإن فيه تركا لما دلت عليه الأدلة الشرعية بالآراء الفاسدة الخيالية ، وكيف تقدم على تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم : زوروا القبور ؟ وعلى ترك قوله : من زار قبري وجبت له شفاعتي ؟ وعلى مخالفة إجماع السلف والخلف بمثل هذا الخيال الذي لم يشهد به كتاب ولا سنة ؟ بخلاف النهي عن اتخاذه مسجدا ، وكون الصحابة احترزوا عن ذلك المعنى المذكور لأن ذلك قد ورد النهي فيه وليس لنا أن نشرع أحكاما من قبلنا ، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ؟ فمن منع زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقد شرع من الدين والتعظيم والوقوف عند الحد الذي لا يجوز مجاوزته بالأدلة الشرعية ، وبذلك يحصل الأمر من عبادة غير الله تعالى ، ومن أراد الله ضلاله من أفراد من الجهال فلن يستطيع أحد هدايته ، فمن ترك شيئا من التعظيم المشروع لمنصب النبوة زاعما بذلك الأدب


(114)
مع الربوبية فقد كذب على الله تعالى وضيع ما أمر به في حق رسله ، كما أن من أفرط وجاوز الحد إلى جانب الربوبية فقد كذب على رسل الله وضيع ما أمروا به في حق ربهم سبحانه وتعالى ، والعدل حفظ ما أمر الله به في الجانبين ، وليس في الزيارة المشروعة من التعظيم ما يفضي إلى محذور.
    وعقد في ص 75 ـ 87 بابا في كون السفر إلى الزيارة قربة ، وبسط القول فيه وأثبته بالكتاب والسنة والاجماع والقياس ، واستدل عليه من الكتاب بقوله تعالى : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما.
    بتقريب صدق المجيئ وعدم فرق بين حياته صلى الله عليه وآله ومماته.
    ومن السنة بعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم : من زار قبري.
    وصريح صحيحة ابن السكن : من جاءني زائرا لا تعمله حاجة إلا زيارتي.
    وبما دل من السنة على خروج النبي من المدينة لزيارة القبور ، وإذا جاز الخروج إلى القريب جاز إلى البعيد ، فقد ثبت في الصحيح خروجه صلى الله عليه وآله إلى البقيع (1) بأمر من الله تعالى وتعليم عايشة كيفية السلام على أهل البقيع.
    وخروجه إلى قبور الشهداء (2) ثم قال : الرابع الإجماع لإطباق السلف والخلف فإن الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجهون إلى زيارته صلى الله عليه وسلم ومنهم من يفعل ذلك قبل الحج هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا ، وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة كما ذكرناه في الباب الثالث.
    وذلك أمر لا يرتاب فيه وكلهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه ، وإن لم يكن طريقهم ويقطعون فيه مسافة بعيدة وينفقون فيه الأموال ويبذلون فيه المهج ، معتقدين أن ذلك قربة وطاعة ، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على ممر السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم يستحيل أن يكون خطأ ، وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرب به إلى الله عز وجل ، ومن تأخر عنه من المسلمين فإنما يتأخر فذهب بعجز أو تعويق المقادير مع تأسفه عليه ووده لو تيسر له ، ومن ادعى أن هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ فهو المخطي.
    20 ـ قال زين الدين أبو بكر بن الحسين بن عمر القريشي العثماني المصري
1 ـ أخرجه مسلم في صحيحه.
2 ـ أخرجه أبو داود في سننه 1 ص 319.


(115)
المراغي المتوفى 816 في [ تحقيق النصرة في تاريخ دار الهجرة ] : وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته صلى الله عليه وسلم قربة عظيمة للأحاديث الواردة في ذلك ، ولقوله تعالى : ولو أنهم إذ ظلموا جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول. الآية. لأن تعظيمه لا ينقطع بموته. ولا يقال : إن استغفار الرسول لهم إنما هو في حياته وليست الزيارة كذلك.
    لما أجاب به بعض الأئمة المحققين أن الآية دلت على تعليق وجدان الله تعالى توابا رحيما بثلاثة أمور : المجيئ. واستغفارهم. واستغفار الرسول لهم.
    وقد حصل استغفار الرسول لجميع المؤمنين لأنه قد استغفر للجميع قال الله تعالى : واستغفر لذنبك و للمؤمنين والمؤمنات.
    فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم كملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله تعالى ورحمته. [ المواهب اللدنية للقسطلاني ].
    21 ـ قال السيد نور الدين السمهودي المتوفى 911 ، في ( وفاء الوفاء ) ج 2 ص 412 بعد ذكر أحاديث الباب : وأما الإجماع : فأجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال كما حكاه النووي بل قال بعض الظاهرية بوجوبها ، وقد اختلفوا في النساء ، وقد امتاز القبر الشريف بالأدلة الخاصة به كما سبق ، قال السبكي : ولهذا أقول إنه لا فرق في زيارته صلى الله عليه وسلم بين الرجال والنساء.
    وقال الجمال الريمي في ( التقفية ) : يستثني أي من محل الخلاف قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، فإن زيارتهم مستحبة للنساء بلا نزاع كما اقتضاه قولهم في الحج : يستحب لمن حج أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وحينئذ فيقال معاياة قبور يستحب زيارتها للنساء بالاتفاق ، وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين وهو الدمنهوري الكبير ، وأضاف إليه قبور الأولياء والصالحين والشهداء. ثم بسط القول في أن السفر للزيارة قربة كالزيارة نفسها.
    22 ـ قال الحافظ أبو العباس القسطلاني المصري المتوفى 923 في ( المواهب اللدنية ) : الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف. إعلم أن زيارة قبره الشريف من أعظم القربات وأرجى الطاعات والسبيل إلى أعلى الدرجات ، ومن اعتقد غير هذا فقد انخلع من ربقة الاسلام ، وخالف الله ورسوله وجماعة العلماء الأعلام ، وقد أطلق بعض المالكية وهو أبو عمران الفاسي كما ذكره في ( المدخل ) عن ( تهذيب الطالب ) لعبد الحق : أنها واجبة. قال : ولعله أراد وجوب السنن المؤكدة ،


(116)
وقال القاضي عياض : إنها من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها.
    ثم ذكر جملة من الأحاديث الواردة في زيارته صلى الله عليه وسلم فقال : وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور كما حكاه النووي وأوجبها الظاهرية ، فزيارته صلى الله عليه وسلم مطلوبة بالعموم والخصوص كما سبق ، ولأن زيارة القبور تعظيم وتعظيمه صلى الله عليه وسلم واجب ، ولهذا قال بعض العلماء : لا فرق في زيارته صلى الله عليه وسلم بين الرجال والنساء ، وإن كان محل الإجماع على استحباب زيارة القبور الرجال ، وفي النساء خلاف ، الأشهر في مذهب الشافعي الكراهة.
    قال ابن حبيب من المالكية : ولا تدع في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم والصلاة في في مسجده فإن فيه من الرغبة ما لا غنى بك وبأحد عنه ، وينبغي لمن نوى الزيارة أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده الشريف والصلاة فيه ، لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها وهو أفضلها عند مالك ، وليس لشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فضل لأن الشرع لم يجيئ به ، وهذا الأمر لا يدخله قياس لأن شرف البقعة إنما يعرف بالنص الصريح عليه وقد ورد النص في هذه دون غيرها.
    و قد صح عن عمر بن عبد العزيز كان يبرد البريد للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم فالسفر إليه قربة لعموم الأدلة ، ومن نذر الزيارة وجبت عليه كما جزم به ابن كج من أصحابنا ، وعبارته : إذا نذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لزمه الوفاء وجها واحدا. إنتهى.
    [ إلى أن قال ] : وللشيخ تقي الدين ابن تيمية هنا كلام شنيع عجيب يتضمن منع شد الرحال للزيارة النبوية وإنه ليس من القرب بل يضد ذلك ، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في ( شفاء السقام ) فشفى صدور المؤمنين.
    23 ـ ذكر شيخ الاسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي المتوفى 925 في ( أسنى المطالب ) شرح ( روض الطالب ) ـ لشرف الدين إسماعيل بن المقري اليمني ـ ج 1 ص 501 ما يستحب لمن حج وقال : ثم يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه وعلى صاحبيه بالمدينة المشرفة. ثم ذكر شطرا من أدلتها وجملة من آداب الزيارة.
    24 ـ قال ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي المتوفى 973 ، في كتابه [ الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم ] ص 12 ط سنة 1279 بمصر بعد ما استدل على مشروعية زيارة قبر النبي بعدة أدلة منها : الإجماع. فإن قلت : كيف تحكي الإجماع على


(117)
مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها وابن تيمية من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله كما رآه السبكي في خطه ؟! وقد أطال ابن تيمية الاستدلال لذلك بما تمجه الاسماع ، وتنفر عنه الطباع ، بل زعم حرمة السفر لها إجماعا وإنه لا تقصر فيه الصلاة ، وإن جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة ، وتبعه بعض من تأخر عنه من أهل مذهبه.
    قلت : من هو ابن تيمية ؟ حتى ينظر إليه أو يعول في شئ من أمور الدين عليه ، وهل هو إلا كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتى أظهروا عوار سقطاته و قبائح أوهامه وغلطاته كالعز بن جماعة : عبد ـ أضله الله تعالى وأغواه ، وألبسه رداء الخزي وأرداه ، وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان ولقد تصدى شيخ الاسلام وعالم الأنام المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وإمامته التقي السبكي قدس الله روحه ونور ضريحه للرد عليه في تصنيف مستقل أفاد فيه وأجاد ، وأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الصواب.
    ثم قال : هذا وما وقع من ابن تيمية مما ذكر وإن كان عثرة لا تقال أبدا ، ومصيبة يستمر شؤمها سرمدا ، وليس بعجيب فإنه سولت له نفسه وهواه وشيطانه أنه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب ، وما درى المحروم أنه أتى بأقبح المعائب ، إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة ، وتدارك على أئمتهم سيما الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة شهيرة حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس المنزه سبحانه عن كل نقص والمستحق لكل كمال أنفس ، فنسب إليه الكبائر والعظائم ، وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم ، وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين و المتأخرين ، حتى قام عليه علماء عصره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره ، فحبسه إلى أن مات ، وخمدت تلك البدع ، وزالت تلك الضلالات ، ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأسا ، ولم يظهر لهم جاها ولا بأسا ، بل ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
    25 ـ قال الشيخ محمد الخطيب الشربيني المتوفى 977 في ( مغني المحتاج ) ج 1 ص 357 : ومحل هذه الأقوال (1) في غير زيارة قبر سيد المرسلين ، أما زيارته فمن
1 ـ يعني الأقوال في زيارة القبور للنساء من الندب والكراهة والحرمة والاباحة.

(118)
أعظم القرباب للرجال والنساء ، وألحق الدمنهوري به قبور بقية الأنبياء والصالحين والشهداء ، وهو ظاهر وإن قال الأذرعي : لم أره للمتقدمين ، قال ابن شهبة : فإن صح ذلك فينبغي أن يكون زيارة قبر أبويها وإخوتها وسائر أقاربها كذلك فإنهم أولى بالصلة من الصالحين. والأولى عدم إلحاقهم بهم لما تقدم من تعليل الكراهة (1)
    وقال في ص 494 بعد بيان مندوبية زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وآله وذكر جملة من أدلتها : ليس المراد اختصاص طلب الزيارة بالحج فإنها مندوبة مطلقا كما مر بعد حج أو عمرة أو قبلهما أولا مع نسك ، بل المراد [ يعني من قول المصنف بعد فراغ الحج ] تأكد الزيارة فيها لأمرين أحدهما : أن الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة فإذا قربوا من المدينة يقبح تركهم الزيارة. والثاني لحديث من حج ولم يزرني فقد جفاني. رواه ابن عدي في الكامل وغيره. وهذا يدل على أنه يتأكد للحاج أكثر من غيره ، وحكم المعتمر حكم الحاج في تأكد ذلك.
    26 ـ قال الشيخ زين الدين عبد الرؤف المناوي المتوفى 1031 في شرح الجامع الصغير 6 ص 140 : وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم الشريف من كمالات الحج ، بل زيارته عند الصوفية فرض وعندهم الهجرة إلى قبره كهي إليه حيا ، قال الحكيم : زيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم هجرة المضطرين هاجروا إليه فوجدوه مقبوضا فانصرفوا ، فحقيق أن لا يخيبهم بل يوجب لهم شفاعة تقيم حرمة زيارتهم.
    وقال في شرح الحديث الأول المذكور ص 93 : إن أثر الزيارة إما الموت على الاسلام مطلقا لكل زائر ، وإما شفاعة تخص الزائر أخص من العامة ، وقوله : شفاعتي في الاضافة إليه تشريف لها ، إذ الملائكة وخواص البشر يشفعون ، فللزائر خاصة فيشفع هو فيه بنفسه والشفاعة تعظم بعظم الزائر.
    27 ـ جعل الشيخ حسن بن عمار الشرنبلالي في ( مراقي الفلاح بإمداد الفتاح ) فصلا في زيارة النبي صلى الله عليه وآله وقال : زيارة النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات وأحسن المستحبات تقرب من درجة ما لزم من الواجبات ، فإنه صلى الله عليه وسلم حرض عليها وبالغ في الندب إليها
1 ـ من أنها مظنة لطلب بكائهن ورفع أصواتهن لما فيهن من رقة القلب وكثرة الجزع قال الأميني. هذا التعليل عليل جدا كما يأتي بيانه في كلمة ابن حجر في زيارة القبور.

(119)
فقال : من وجد سعة فلم يزرني فقد جفاني وقال صلى الله عليه وسلم : من زار قبري وجبت له شفاعتي. وقال صلى الله عليه وسلم : من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي. إلى غير ذلك من الأحاديث ، ومما هو مقرر عند المحققين إنه صلى الله عليه وسلم حي يرزق ممتع بجميع الملاذ والعبادات ، غير أنه حجب عن أبصار القاصرين عن شرف المقامات ، ورأينا أكثر الناس غافلين عن أداء حق زيارته وما يسن للزائر من الجزئيات والكليات أحببنا أن نذكر بعد المناسك وآدابها ما فيه نبذة من الآداب تتميما لفائدة الكتاب. ثم ذكر شيئا كثيرا من آداب الزائر والزيارة كما يأتي.
    28 ـ وقال قاضي القضاة شهاب الدين الخفاجي الحنفي المصري المتوفى 1069 في شرح الشفا 3 ص 566 : واعلم أن هذا الحديث (1) هو الذي دعا ابن تيمية ومن معه كابن القيم إلى مقالته الشنيعة التي كفروه بها وصنف فيها السبكي مصنفا مستقلا وهي منعه من زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وشد الرحال إليه وهو كما قيل :
لمهبط الوحي حقا ترحل النجب وعند ذاك المرجى ينتهي الطلب
    فتوهم أنه حمى جانب التوحيد بخرافات لا ينبغي ذكرها فإنها لا تصدر عن عاقل فضلا عن فاضل سامحه الله تعالى.
    وأما قوله صلى الله عليه وسلم : لا تتخذوا قبري عيدا. فقيل : كره الاجتماع عنده في يوم معين على هيئة مخصوصة. وقيل : المراد لا تزوره في العام مرة فقط بل أكثروا الزيارة له (2) ، وأما احتماله للنهي عنها فهو بفرض أنه المراد محمول على حالة مخصوصة أي لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة عنده وغيره مما يجتمع له في الأعياد ، بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف.
    وقال في صحيفة 577 في شرح حديث : لا تجعلوا قبري عيدا : أي كالعيد باجتماع الناس وقد تقدم تأويل الحديث وإنه لا حجة فيه لما قاله ابن تيمية وغيره فإن إجماع الأمة على خلافه يقتضي تفسيره بغير ما فهموه فإنه نزعة شيطانية.
    29 ـ قال الشيخ عبد الرحمن شيخ زاده 1087 في [ مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ] ج 1 ص 157 : من أحسن المندوبات ، بل يقرب من درجة الواجبات زيارة قبر
1 ـ حديث شد الرحال إلى المساجد.
2 ـ هذا المعنى ذكره غير واحد من أعلام القوم.


(120)
نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد حرض عليه السلام على زيارته وبالغ في الندب إليها بمثل قوله عليه السلام : من زار قبري. فذكر ستة من أحاديث الباب ثم قال : فإن كان الحج فرضا فالأحسن أن يبدأ به إذا لم يقع في طريق الحاج المدينة المنورة ثم يثني بالزيارة ، فإذا نواها فلينو معها زيارة مسجد الرسول عليه السلام. ثم ذكر جملة كبيرة من آداب الزائر.
    30 ـ قال الشيخ محمد بن علي بن محمد الحصني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي المفتي بدمشق المتوفى 1088 في [ الدر المختار في شرح تنوير الأبصار ] في آخر كتاب الحج : وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم مندوبة بل قيل واجبة لمن له سعة ، ويبدأ بالحج لو فرضا ويخير لو نفلا ما لم يمر به ، فيبدأ بزيارته لا محالة ، ولينو معه زيارة مسجده صلى الله عليه وسلم.
    31 ـ قال أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي الزرقاني المالكي المصري المتوفى 1122 في ( شرح المواهب ) 8 ص 299 : قد كانت زيارته مشهورة في زمن كبار الصحابة معروفة بينهم ، لما صالح عمر بن الخطاب أهل بيت المقدس جاءه كعب الأحبار فأسلم ففرح به وقال : هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبره صلى الله عليه وسلم وتتمتع بزيارته ؟ قال : نعم.
    م 32 ـ قال أبو الحسن السندي محمد بن عبد الهادي الحنفي المتوفى 1138 في شرح سنن ابن ماجة 2 ص 268 : قال الدميري : فائدة زيارة النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الطاعات وأعظم القربات لقوله صلى الله عليه وسلم : من زار قبري وجبت له شفاعتي. رواه الدارقطني وغيره وصححه عبد الحق ، ولقوله صلى الله عليه وسلم من جائني زائرا لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون له شفيعا يوم القيامة. رواه الجماعة منهم الحافظ أبو علي ابن السكن في كتابه المسمى بالسنن الصحاح ، فهذان إمامان صححا هذين الحديثين و قولهما أولى من قول من طعن في ذلك ].
    33 ـ قال الشيخ محمد بن علي الشوكاني المتوفى 1250 ، في ( نيل الأوطار ) ج 4 ص 324 : قد اختلفت فيها [ في زيارة النبي ] أقوال أهل العلم ، فذهب الجمهور إلى أنها مندوبة ، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى أنها واجبة ، وقالت الحنفية إنها قريبة من الواجبات ، وذهب ابن تيمية الحنبلي حفيد المصنف المعروف بشيخ الاسلام إلى أنها غير مشروعة. ثم فصل الكلام في الأقوال [ إلى أن قال في آخر
الغدير ـ الجزء الخامس ::: فهرس