المحسن السبط ::: 311 ـ 320
(311)
فبايع الناس أبا بكر ، وأتوا به المسجد يبايعونه ، فسمع العباس وعلي التكبير في المسجد ، ولم يفرغوا من غسل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال علي : ما هذا؟ قال العباس : ما رُئي مثل هذا قط ، أما قلت لك!
     فهذا الخبر رواه ابن عبد ربه ، عن أحمد بن الحارث الذي لم أقف على من ذكره في تراجم الرجال ، وهو عن أبي الحسن المجهول النكرة ، وهو عن أبي معشر نجيح السندي ، ضعّفه القطان ، وابن معين ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن عدي ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال أبو زرعة : صدوق وليس بقوي. وقال أحمد : كان صدوقاً لكنه لا يقيم الاسناد ، ليس بذلك ( خلاصة الخزرجي ).
     وهو عن المقبري ـ سعيد بن أبي سعيد ـ أرسل عن أم سلمة ، وعن أبيه ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وأنس وخلق ، اختلط قبل موته بثلاث سنين كما عن الواقدي ، وعن غيره بأربع سنين ، مات سنة 123 ، وقيل : 125 ، وقيل : 126 ، كما في الخلاصة وتهذيب التهذيب.
     والآن إلى ما في المتن بعد الغض عن الإرسال في السند ، لنرى ما فيه مما هو مقبول وما هو مرفوض ومرذول.
     أ ـ لقد قرأنا في أوله أن المهاجرين بينما هم في حجرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ... إذ جاء معن بن عدي وعويم بن ساعدة فقالا لأبي بكر : ... فمضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة حتى جاؤوا سقيفة بني ساعدة.
     وهذا أوّل ما فيه من المرفوض المرذول ، إذ لا يعقل أن يكون المهاجرون جميعاً في الحجرة ، فهي لا تسعهم جميعاً مهما قيل في سعتها ، والخبر لم يفصح عن أسماء من كان في الحجرة منهم ، غير أنّ اليقين كل اليقين أنّ الذين كانوا داخل الحجرة هم أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) علي والعباس وآلهما ، كما مرّ في أول النصوص عن أول المؤرخين الذين ذكرنا أقوالهم ، وهو ابن إسحاق فقد مر في


(312)
الخبر عنده : ( ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في بيته لم يفرغ من أمره ، قد أغلق دونه الباب أهله ، قال عمر : فقلت لأبي بكر : إنطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار ... ).
     فهذا يدل على أنّ عمر وأبا بكر لم يكونا في داخل الحجرة ، وإذا لم يكونا هما فيها ، فغيرهما أولى بأن لا يكون في داخلها.
     ومن الراجح الذي يقارب اليقين أنهما وسائر الحاضرين كانوا في المسجد قريباً من الحجرة ، وهذا يقوّيه ما مرّ من سَورة عمر وثورته في إنكاره موت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وخروج العباس إلى الناس وكلامه معهم في تفنيد مزاعم عمر ، ولم يهدأ عمر حتى أتى أبو بكر وكان غائباً بمنزله في السنح ، وكل هذا تقدمت النصوص بذكره مما دلّ على تبييت في منازعة أهل البيت على حقهم في الخلافة ، ولنطوي عن التفاصيل في ذلك ، ونعود إلى ما في خبر المقبري من مزاعم تثبت الإدانة.
     ب ـ جاء في خطبة أبي بكر في السقيفة ما ساقه من حجج الأولوية للمهاجرين على الأنصار : ( نحن المهاجرون أول الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ، وأحسنهم وجوهاً ، وأمسّهم برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رحماً ... ).
     وهذا كل الذي احتج به أبو بكر على الأنصار ـ إن صح ـ فهو محجوج به قبل غيره ، فإنّ أولية الإسلام ـ وهي اُولى حججه ـ فقد سبقه لها أكثر من خمسين إنساناً (1) ، وأولهم سيدهم الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) (2) ، وما أكرم أحساباً من بني هاشم لقوله ( صلى الله عليه وآله ) : إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم (3) ، فهذا وما يليه مما ذكره أبو بكر محتجاً به يكون به محجوجاً إذا ما ذكرنا علياً ( عليه السلام ).
1 ـ راجع تاريخ الطبري 3 : 167.
2 ـ علي إمام البررة 1 : 416 ـ 418.
3 ـ هذا حديث صحيح رواه مسلم كما في جمع الفوائد ( ينابيع المودّة 12 ) وفي سنن الترمذي : باب مناقب النبي ( صلى الله عليه وآله ).


(313)
ج ـ وجاء قول أبي بكر : وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ـ يعني : عمر بن الخطاب ، وأبا عبيدة بن الجراح ـ وهذا يكشف عن كذب زعم الشورى ، يدلّك على ذلك قول عمر : يكون هذا وأنت حي ... ثم ضرب على يده فبايعه وبايعه الناس.
     قال أحمد أمين في كتابه يوم الإسلام (1) : ( ومن مظاهر هذا _ يعني عصبية العرب في تولية الأمر نقلاً عن ابن خلدون ـ ما كان من خلاف الصحابة على من يتولى الأمر بعد الرسول ، وكان هذا ضعف لياقة منهم ، إذ اختلفوا قبل أن يدفن الرسول ، ولكن كان عذرهم في ذلك العمل على ضم الشمل وجمع الكلمة ، فلما مات النبي ( صلى الله عليه وآله ) حصل هذا الإختلاف فبايع عمر أبا بكر ثم بايعه الناس ، وكان هذا مخالفة لركن الشورى ، ولذلك قال عمر : إنّها غلطة وقى الله المسلمين شرها ، وكذلك كانت غلطة بيعة أبي بكر لعمر ، وإن كان قد استشار كبار الصحابة في ذلك ، فبعضهم حمده وبعضهم خاف من شدته ... ).
     ونحن لا نزيد على ما قاله أحمد أمين إلا بما جاء في مآثر الإنافة للقلقشندي (2) : لأنّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة ، وهم : عمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وأسيد بن حضير ، وبشير بن سعد ، وسالم مولى أبي حذيفة ، ثم تابعهم الناس على ذلك.
     النص الثالث (3) : الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر : عليّ ، والعباس ، والزبير ، وسعد بن عبادة ، فأما علي والعباس والزبير ، فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم.
1 ـ يوم الإسلام : 53 ـ 54.
2 ـ مآثر الإنافة للقلقشندي : 43.
3 ـ المصدر نفسه : 259.


(314)
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة فقالت : يابن الخطاب ، أجئت لتحرق دارنا؟ قال : نعم ، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة ، فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه ، فقال أبو بكر : أكرهت إمارتي؟ فقال : لا ، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى أحفظ القرآن ، فعليه حبست نفسي.
     وهذا من أقبح الكذب فإن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض (1) ، في خبر عن علي بن رباح قال : جمع القرآن على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علي وأبّي (2).
     وقد روى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (3) بسنده عن عبد خير عن علي ( عليه السلام ) أنّه رأى من الناس طيرة عند وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأقسم أن لا يضع على ظهره رداء حتى يجمع القرآن ، فجلس في بيته حتى جمع القرآن ، فهو أول مصحف جمع فيه القرآن ، جمعه من قلبه ، وكان عند آل جعفر.
     وفي خبر عن ابن سيرين قال : فكتبه على تنزيله فلو أصبت ذلك الكتاب كان فيه علم كثير ، ومع هذه الآثار والأخبار يقول خبر ابن عبد ربه ( حتى أحفظ القرآن ) وليس غريباً من النواصب قول مثل هذا ، ألم يقل الشعبي من قبل وهو يحلف بالله : ( لقد دخل علي حفرته وما حفظ القرآن ) (4).
     قال الصاحبي في فقه اللغة (5) : وهذا كلام شنيع جداً فيمن يقول : سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني فما من آية إلاّ أعلم بليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل أم في جبل.
1 ـ مستدرك الحاكم 3 : 124 ، والجامع الصغير للسيوطي 4 : 356.
2 ـ شواهد التنزيل للحسكاني 1 : 25.
3 ـ المصدر نفسه 1 : 27.
4 ـ القرطين للكناني 1 : 158.
5 ـ فقه اللغة : 170.


(315)
« إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ » (1).
     النص الرابع (2) : ومن حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة ، وذلك ستة أشهر من موت أبيها ( صلى الله عليه وآله ) فأرسل علي إلى أبي بكر ، فأتاه في منزله فبايعه ، وقال : والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير ، ولكنّا كنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر شيئاً فاستبددت به دوننا ، وما ننكر فضلك.
     أقول : ما جاء في النص الثالث صريح في استعمال منتهى القسوة والفظاظة لأخذ البيعة من علي والعباس والزبير ، ومع ذلك ففي آخره : فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه ... وهذا لا يتسق مع ما مرّ قبله من قول أبي بكر : وإن أبوا فقاتلهم ، ومجيئ عمر بقبس من نار على أن يُضرم عليهم الدار ، وما قالته فاطمة لعمر : أجئت لتحرق دارنا ، وجواب عمر : نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة ، فإنّ علياً لم يخرج باختياره ولم يبايع حتى بعد أن أخرج قهراً.
     وحسبنا النص الرابع ، وهو يرويه من لا يتهم بمبالاة علي ولا موالاته ، فالزهري عن عروة عن عائشة ، ثلاثتهم من المنحرفين عن علي ، والنص يصرح : لم يبايع علي حتى ماتت فاطمة ، وذلك لستة أشهر من موت أبيها ( صلى الله عليه وآله ).
     ثم إنّ بيعة علي ـ إن صحّت _ لم يخرج هو إلى أبي بكر ، بل أرسل إلى أبي بكر فأتاه في منزله فبايعه؟ (3)
     ما ذكره المسعودي :
     الخامس عشر : أبو الحسن المسعودي ( ت 346 هـ ) ، وقد مرّت ترجمته وانه كان شافعياً فيما أراه أولاً ، ثم استبصر كما مرّ.
1 ـ الأنعام : 120.
2 ـ مآثر الإنافة للقلقشندي : 260.
3 ـ سيأتي في موقف الإمام ( عليه السلام ) كلام حول هذه البيعة.


(316)
قال في كتابه مروج الذهب (1) :
     النص الأول : ( ولم يخلّف من الولد إلاّ فاطمة ( عليها السلام ) ، وتوفيت بعده بأربعين يوماً ، وقيل سبعين يوماً ، وقيل غير ذلك ).
     النص الثاني (2) : ( وفيها _ سنة إحدى عشرة ـ كانت وفا ة فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على حسب ما ذكرنا من تنازع الناس في مقدار عمرها ومدة بقائها بعد أبيها ، ومن الذي صلى عليها : العباس بن عبد المطلب أم بعلها علي ، ولما قبضت ابنة الرسول جزع عليها بعلها جزعاً شديداً ، واشتد بكاؤه ، وظهر أنينه وحنينه ، وقال في ذلك :
لكل اجتماع من خليلين فرقة وإنّ افتقادي فاطماً بعد أحمد وكل الذي دون الممات قليل دليل على أن لا يدوم خليل
     النص الثالث (3) : قال : ( ولما بويع أبو بكر في يوم السقيفة وجدّدت البيعة له يوم الثلاثاء على العامة ، خرج علي فقال : أفسدت (4) علينا أمورنا ولم تستشر ، ولم ترع لنا حقاً ، فقال أبو بكر : بلى ، ولكني خشيت الفتنة ، وكان للمهاجرين والأنصار يوم السقيفة خطب طويل ، ومجاذبة في الإمامة ، وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع ، فسار إلى الشام فقتل هناك في سنة خمس عشرة ، وليس كتابنا هذا موضعاً لخبر مقتله ، ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة ( رضي الله عنها ) ).
     النص الرابع (5) : قال : ( ولما احتضر _ أبو بكر _ قال : ما آسى على شيء إلا على ثلاث فعلتها وددت أنّي تركتها ، وثلاث تركتها وددت أنّي فعلتها ، وثلاث وددت
1 ـ مروج الذهب 2 : 289.
2 ـ المصدر نفسه 2 : 298.
3 ـ المصدر نفسه 2 : 307 ـ 308.
4 ـ كذا في تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد, وفي شارل : أفت, وعلق في الهامش _ 4 : افتقت ، ت : أفتيت ، والظاهر صواب ما في تحقيق عبد الحميد.
5 ـ المصدر نفسه 2 : 308.


(317)
أنّي سألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عنها ، فأما الثلاث التي فعلتها ووددت أنّي تركتها ، فوددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة ، وذكر كلاماً كثيراً ... ).
     النص الخامس (1) : قال : ( وقد تنوزع في بيعة علي بن أبي طالب إياه ، فمنهم من قال : بايعه بعد موت فاطمة بعشرة أيام ، وذلك بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بنيف وسبعين يوماً ، وقيل بثلاثة أشهر ، وقيل بستة ، وقيل غير ذلك ).
     النص السادس (2) : قال : ( وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأخبار في هذا الكتاب طلباً للإختصار والإيجاز فيها ... وأخبار من قعد عن البيعة ومن بايع ، وما قالت بنو هاشم ، وما كان من قصة فدك ، وما قاله أصحاب النص والاختيار في الإمامة ، ومن قال بإمامة المفضول وغيره ، وما كان من فاطمة وكلامها ، وقولها متمثلة حين عدلت إلى قبر أبيها ( صلى الله عليه وآله ) من قول صفية بنت عبد المطلب :
قد كان بعدك أنباء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطب
     إلى آخر الشعر ، وغير ذلك مما تركنا ذكره من الأخبار في هذا الكتاب ، إذ كنّا قد أتينا على جميع ذلك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط ، فأغنى ذلك عن ذكره هاهنا ).
     النص السابع (3) : قال : ( كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره اياهم في الشعب ، وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول : إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته ، إذ هم أبو البيعة فيما سلف ، وهذا خبر لا يحتمل ذكره كتابنا هذا ، وقد أتينا على ذكره في كتابنا مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب حدائق الأذهان ).
1 ـ المصدر نفسه 2 : 309.
2 ـ المصدر نفسه 2 : 310.
3 ـ المصدر نفسه 2 : 86.


(318)
أقول : هذا ما أردنا نقله عن كتاب مروج الذهب للمسعودي ، وليس فيه من جديد عما سبق سوى النص السابع ، فهذا ما اختصره ، وعقّب عليه بأنه خبر لا يحتمل ذكره في كتابه ، وأحال على كتابه ( حدائق الأذهان ) ، ومن المؤسف حقاً حتى هذا الذي اختصره المسعودي فقد لعبت فيه أقلام الخيانة ، فأسقطت منه في الطبعات المتأخرة جملة لها دلالتها في تبرير عمل ابن الزبير مع بني هاشم وتلك ( كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ، إذ هم أبو البيعة فيما سلف ... ).
     ولما كانت هذه الجملة موجودة في الطبعات القديمة كما في طبعة بولاق سنة 1283 هـ ، والطبعة الأزهرية سنة 1303 هـ ، وبهامشها روضة المناظر لابن شحنة ، وطبعة مصرية ثالثة بهامش تاريخ ابن الأثير ، وطبعة العامرة البهية سنة 1346 هـ (1) ، ففي جميعها كان النص كما يلي :
     ( كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إياهم في الشعب ، وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول : إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته ، كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم إذ هم أبو البيعة فيما سلف ... ) لكن الطبعات الحديثة بمصر وبيروت ، فقد أسقطت جملة : ( كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ) ستراً على السلف.
     راجع طبعات مصر بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد التي استخدمناها ، وهي الطبعة الثالثة وكتب عليها مزيدة ومنقحة ، فيبدوا أن التنقيح هو حذف ما فيه التجريح ، وكذلك طبعات بيروت في دار الفكر ودار الأندلس ، فجميعها حذفت الجملة المشار إليها ، وقد عمي المحققون لهذه الطبعات عما نمّ به السارق على نفسه بإثباته جملة : ( إذ هم أبوا البيعة فيما سلف ) فهي لا تتفق ولا تتسق إلاّ مع
1 ـ المصدر نفسه 2 : 79 طبعة بولاق, والطبعة الأزهرية 2 : 72 ، والطبعة المصرية 6 : 161.

(319)
الجملة المحذوفة : ( كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ) فكيف استساغوا تمرير العبارة مع وضوح الإشارة.
     وكان المستشرق شارل بلا أوفى ذمة في تحقيقه مروج الذهب (1) ، فقد ذكر ذلك في الهامش عن نسخة / م ، وفات الجميع انّ ابن أبي الحديد في شرحه (2) ذكر الخبر بتمامه نقلاً عن المسعودي ، وذكر ما قاله المسعودي تعقيباً على الخبر كما مرّ في ( وقفة تحقيق لابد منها ).
     ما ذكره الجوهري :
     السادس عشر : ماذا عند أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري ( كان حياً سنة 322 حيث قرئ عليه كتابه السقيفة في ربيع الأول سنة 322 هـ ).
     النص الأوّل : قال الجوهري : وأخبرني أبو بكر الباهلي ، عن إسماعيل بن مجالد ، عن الشعبي قال : قال أبو بكر : يا عمر أين خالد بن الوليد؟ قال : هو هذا ، فقال : انطلقا إليهما _ يعني علياً والزبير _ فأتياني بهما ، فانطلقا ، فدخل عمر ووقف خالد على الباب من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف؟ قال : أعددته لاُبايع علياً.
     قال : وكان في البيت ناس كثير منهم : المقداد بن الأسود وجمهور الهاشميين ، فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه ، وقال : يا خالد دونك هذا ، فمسكه خالد ، وكان في خارج البيت مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر ردءاً لهما ، ثم دخل عمر فقال لعلي : قم فبايع ، فتلكأ واحتبس ، فأخذ بيده فقال : قم ، فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير حتى أمسكهما خالد ، وساقهما عمر ومن معه سوقاً عنيفاً.
1 ـ مروج الذهب 3 : 276 ، برقم : 1943.
2 ـ شرح ابن أبي الحديد 20 : 147.


(320)
واجتمع الناس ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال ، ورأت فاطمة ما صنع عمر ، فصرخت وولولت ، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهنّ ، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت : يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله ، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله (1).
     النص الثاني : وقال أبو بكر الجوهري : حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثني إبراهيم بن المنذر ، قال : حدّثنا ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود قال : غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغيرمشورة ، وغضب علي والزبير فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح.
     فجاء عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير ومسلمة بن سلامة بن قريش ( وقش ) وهما من بني عبد الأشهل ، فاقتحما الدار فصاحت فاطمة وناشدتهما الله ، فأخذوا سيفيهما فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما ، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا (2).
     النص الثالث : وقال أبو بكر _ الجوهري ـ : وذكر ابن شهاب بن ثابت : أنّ قيس بن شمّاس ـ أخا بني الحارث من الخزرج ـ كان مع الجماعة الذين دخلوا بيت فاطمة (3).
     النص الرابع : وقال أبو بكر _ الجوهري ـ : وروى سعد بن إبراهيم أنّ عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ذلك اليوم ، وانّ محمد بن مسلمة كان معهم ، وأنّه هو الذي كسر سيف الزبير (4).
     النص الخامس : وقال أبو بكر _ الجوهري ـ : وحدّثني أبو زيد عمر بن شبّة عن رجاله قال : جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين ، فقال : والذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ البيت عليكم ،
1 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 2 : 19.
2 ـ المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 47.
3 ـ المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 48.
4 ـ المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 48.
المحسن السبط ::: فهرس