المحسن السبط ::: 361 ـ 370
(361)
لا يقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً ، ما تركتُ بعد نفقة نسائي ومؤونة عيالي فهو صدقة.
     قلت : هذا حديث غريب ، لأنّ المشهور أنّه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلاّ أبو بكر وحده.
     وقال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد ، عن الحزامي ، عن ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن الأعرج أنّه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : والذي نفسي بيده لا يقسِم ورثتي شيئاً ، ما تركت صدقة قال : وكانت هذه الصدقة بيد علي ( عليه السلام ) ، غلب عليها العباس ، وكانت فيها خصومتهما ، فأبى عمر أن يقسمها بينهما حتى أعرض عنها العباس وغلب عليها ( عليها السلام ) ، ثم كانت بيد حسن وحسين ابني علي ( عليه السلام ) ، ثم كانت بيد علي بن الحسين ( عليه السلام ) ، والحسن بن الحسن ، كلاهما يتداولانها ، ثم بيد زيد بن علي ( عليه السلام ).
     قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : حدّثنا يونس ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، أنّ عمر بن الخطاب دعاه يوماً بعد ما ارتفع النهار ، قال : فدخلت عليه وهو جالس على سرير رمال ليس بينه وبين الرمال فراش ، على وسادة أدم ، فقال : يا مالك ، إنّه قد قدم من قومك أهل أبيات حضروا المدينة ، وقد أمرت لهم برضخ فاقسمه بينهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، مُرْ بذلك غيري ، قال : اقسم أيّها المرء.
     قال : فبينا نحن على ذلك إذ دخل يرفأ فقال : هل لك في عثمان وسعد وعبد الرحمن والزبير يستأذنون عليك؟ قال : نعم ، فأذن لهم ، قال : ثم لبث قليلاً ، ثم جاء فقال : هل لك في علي والعباس يستأذنان عليك؟ قال : ائذن لهما.
     فلما دخلا قال عباس : ياأمير المؤمنين ، اقض بيني وبين هذا _ يعني علياً _ وهما يختصمان في الصوافي التي أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير ، قال :


(362)
فاستبّ علي والعباس عند عمر ، فقال عبد الرحمن : يا أمير المؤمنين ، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر.
     فقال عمر : أنشدكم الله الذي تقوم بإذنه السماوات والأرض ، هل تعلمون أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورث ما تركناه صدقة يعني نفسه؟ قالوا : قد قال ذلك ، فأقبل على العباس وعلي فقال : أنشدكما الله هل تعلمان ذلك؟ قالا : نعم.
     قال عمر : فإنّي أحدثكم عن هذا الأمر ، إنّ الله تبارك وتعالى خصّ رسوله ( صلى الله عليه وآله ) في هذا الفيء بشيء لم يُعطه غيره ، قال تعالى : « مَا أفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل ٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ » (1) ، وكانت هذه خاصة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فما اختارها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، لقد أعطاكُمُوها وثبتها فيكم حتى بقى منها هذا المال ، وكان ينفق منه على أهله سنتهم ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله فيما يجعل مال الله ، فعل ذلك في حياته ثم توفّى ، فقال أبو بكر : أنا وليّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقبضه الله وقد عمل فيها بما عمل به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنتما حينئذٍ _ والتفت إلى علي والعباس ـ تزعمان أنّ أبا بكر فيها ظالم فاجر فاجر ، والله يعلم إنّه فيها لصادق بارٌّ راشد ، تابع للحق.
     ثم توفى الله أبا بكر ، فقلت : أنا أولى الناس بأبي بكر وبرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقبضتها سنتين ـ أو قال : سنين من إمارتي ـ أعمل فيها مثل ما عمل به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأبو بكر ، ثم قال : وأنتما _ وأقبل على العباس وعلي ـ تزعمان أنّي فيها ظالم فاجر ، والله يعلم أنّي فيها بارّ راشد تابع للحق.
     ثم جئتماني وكلمتكما واحدة ، وأمركما جميع ، فجئتني ـ يعني العباس ـ تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وجاءني هذا _ يعني علياً _ يسألني نصيب امرأته
1 ـ الحشر : 6.

(363)
من أبيها ، فقلت لكما : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورث ، ما تركناه صدقة ، فلما بدا لي أن أدفعها إليكما قلت : أدفعها على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وابو بكر ، وبما عملتُ به فيها ، وإلاّ فلا تكلماني! فقلتُما : ادفعها إلينا بذلك ، فدفعتها إليكما بذلك ، أفتلتمسان منّي قضاء غير ذلك! والله الذي تقوم بإذنه السماوات والأرض لا أقضي بينكما بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ فأنا أكفيكماها!
     قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد قال : حدّثنا إسحاق بن إدريس ، قال : حدّثنا عبد الله بن المبارك قال : حدّثني يونس ، عن الزهري قال : حدّثني مالك بن أوس بن الحدثان بنحوه؛ قال : فذكرت ذلك لعروة فقال : صدق مالك بن أوس ، أنا سمعتُ عائشة تقول : أرسل أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسأل لهنّ ميراثهنّ من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مما أفاء الله عليه حتى كنت أردهنّ عن ذلك ، فقلت : ألا تتقين الله ، ألم تعلمن أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يقول : لا نورث ، ما تركناه صدقة ـ يريد بذلك نفسه_ إنّما يأكل آل محمد من هذا المال فانتهى أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى ما أمرتهنّ به.
     قال ابن أبي الحديد : قلت : هذا مشكل ، لأنّ الحديث الأول يتضمّن أنّ عمر أقسم على جماعة فيهم عثمان فقال : نشدتكم الله ، ألستم تعلمون أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورث ما تركناه صدقة ، يعني نفسه! فقالوا : نعم ، ومن جملتهم عثمان ، فكيف يعلم بذلك فيكون مترسلاً لأزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يسأله أن يعطيهنّ الميراث! اللّهمّ إلاّ أن يكون عثمان وسعد وعبد الرحمن والزبير صدّقوا عمر على سبيل التقليد لأبي بكر فيما رواه وحُسْنِ الظنّ ، وسمّوْا ذلك عِلْماً ، لأنه قد يطلق على الظنّ اسم العلم.
     فإن قال قائل : فهلاّ حسن ظنّ عثمان برواية أبي بكر في مبدأ الأمر ، فلم يكن رسولاً لزوجات النبي ( صلى الله عليه وآله ) في طلب الميراث؟ قيل له : يجوز أن يكون في مبدأ


(364)
الأمر شاكاً ، ثم يغلب على ظنه صِدْقه لأمارات اقتضت تصديقه ، وكل الناس يقع لهم مثل ذلك.
     وهاهنا إشكال آخر ، وهو أنّ عمر ناشد علياً والعباس : هل تعلمان ذلك؟ فقالا : نعم ، فإذا كانا يعلمانه فكيف جاء العباس وفاطمة إلى أبي بكر يطلبان الميراث ، على ما ذكره في خبر سابق على هذا الخبر ، وقد أوردناه نحن! وهل يجوز أن يقال : كان العباس يعلم ذلك ثم يطلب الإرث الذي لا يستحقه؟
     وهل يجوز أن يقال : إن علياً كان يعلم ذلك ويمكّن زوجته أن تطلب ما لا تستحقه؟ خرجت من دارها إلى المسجد ، ونازعت أبا بكر ، وكلّمته بما كلّمته إلاّ بقوله وإذنه ورأيه. وأيضاً فإنّه إذا كان ( صلى الله عليه وآله ) لا يورث ، فقد أشكل دفع آلته ودابته وحذائه إلى علي ( عليه السلام ) ، لأنه غير وارث في الأصل ، وإن كان أعطاه ذلك لأنّ زوجته بعرضة أن ترث لولا الخبر ، فهو أيضاً غير جائز ، لأنّ الخبر قد منع من أن يرث منه شيئاً قليلاً أو كثيراً.
     فإن قال قائل : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضّة ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً ، قيل : هذا الكلام يُفهم من مضمونه أنّهم لا يورثون شيئاً أصلاً ، لأنّ عادة العرب جاريةٌ بمثل ذلك ، وليس يقصدون نفي ميراث هذه الأجناس المعدودة دون غيرها ، بل يجعلون ذلك كالتصريح بنفي أن يورثوا شيئاً ما على الإطلاق.
     وأيضاً فإنّه جاء في خبر الدابة والآلة والحذاء أنه روى عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا نورث ، ما تركناه صدقة ، ولم يقل : لا نورث كذا ولا كذا ، وذلك يقتضي عموم انتفاء الإرث عن كل شيء.
     وأما الخبر الثاني ، وهو الذي رواه هشام بن محمد الكلبي عن أبيه ، ففيه إشكال أيضاً؛ لأنّه قال : إنّها طلبت فَدَك ، وقالت : إنّ أبي أعطانيها ، وإنّ أمّ أيمن تشهد لي بذلك ، فقال لها أبو بكر في الجواب : إنّ هذا المال لم يكن لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإنّما


(365)
كان مالاً من أموال المسلمين ، يحمل به الرجال ، وينفقه في سبيل الله؛ فلقائل أن يقول له : أيجوز للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يملّك ابنته أو غير ابنته من أفناء الناس ضيعةً مخصوصة ، أو عقاراً مخصوصاً من مال المسلمين ، لِوَحْي أوْحَى الله تعالى إليه ، أو لاجتهاد رأيه على قول من أجاز له أن يحكم بالاجتهاد ، أو لا يجوز للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذلك؟
     فإن قال : لا يجوز ، قال مالا يوافقه العقل ولا المسلمون عليه ، وإن قال : يجوز ذلك ، قيل : فإن المرأة ما اقتصرت على الدعوى ، بل قالت : أمّ أيمن تشهد لي ، فكان ينبغي أن يقول لها في الجواب : شهادة أم أيمن وحدها غير مقبولة؛ ولم يتضمّن هذا الخبر ذلك ، بل قال لها لمّا ادعت وذكرت من يشهد لها : هذا مالٌ من مال الله لم يكن لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؛ وهذا ليس بجواب صحيح.
     وأمّا الخبر الذي رواه محمد بن زكريا عن عائشة ، ففيه من الإشكال مثل ما في هذا الخبر ، لأنّه إذا شهد لها علي ( عليه السلام ) وأمّ أيمن أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهب لها فَدَك ، لم يصح اجتماع صدقها وصدق عبد الرحمن وعمر ، ولا ما تكلّفه أبو بكر من تأويل ذلك بمستقيم ، لأنّ كونها هبة من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لها يمنع من قوله : كان يأخذ منها قوتكم ويقسم الباقي ، ويحمل منه في سبيل الله لأنّ هذا ينافي كونها هبة لها ، لأنّ معنى كونها لها انتقالها إلى ملكيتها ، وأن تتصرّف فيها خاصّة دون كل أحد من الناس ، وما هذه صفته كيف يقسم ويحمل منه في سبيل الله!
     فإن قال قائل : هو ( صلى الله عليه وآله ) أبوها ، وحكمه في مالها كحكمه في ماله وفي بيت مال المسلمين ، فلعلّه كان بحكم الأبوّة يفعل ذلك!
     قيل : فإذاً كان يتصرّف فيها تصرّف الأب في مال ولده ، ولا يخرجه ذلك عن كونه مال ولده ، فإذا مات الأب لم يجز لأحد أن يتصرّف في مال ذلك الولد ، لأنّه ليس بأب له فيتصرّف في ماله تصرّف الآباء في أموال أولادهم ، على أنّ الفقهاء أو مُعظمهم لا يجيزون للأب أن يتصرف في مال الابن.


(366)
     وهاهنا إشكالٌ آخر ، وهو قول عمر لعلي ( عليه السلام ) والعباس : وأنتما حينئذٍ تزعمان أنّ أبا بكر فيها ظالم فاجر ، ثم قال لمّا ذكر نفسه : وأنتما تزعمان أنّي فيها ظالم فاجر ، فإذا كانا يزعمان ذلك فكيف يزعم هذا الزعم مع كونهما يعلمان أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا أورث ! إنّ هذا لمن أعجب العجائب.
     ولولا أنّ هذا الحديث ـ أعني حديث خصومة العباس وعلي عند عمر _ مذكورٌ في الصحاح المجمع عليها لما أطلت العجب من مضمونه ، إذ لو كان غير مذكور في الصحاح لكان بعض ما ذكرناه يطعن في صحّته؛ وإنّما الحديث في الصحاح لا ريب في ذلك.
     قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا ابن أبي شيبة ، قال : حدّثنا ابن عُلَيّة ، عن أيّوب ، عن عكرمة ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : جاء العباس وعلي إلى عمر ، فقال العباس : اقضِ بيني وبين هذا الكذا وكذا ، أي يشتمه ، فقال الناس : افصل بينهما ، فقال : لا أفصل بينهما ، قد علما أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورث ، ما تركناه صدقة.
     قلت : وهذا أيضاً مُشكل ، لأنّهما حضرا يتنازعان لا في الميراث ، بل في ولاية صدقة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أيّهما يتولاّها ولايةً لا إرثاً! وعلى هذا كانت الخصومة ، فهل يكون جواب ذلك قد علما أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورث !
     قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثني يحيى بن كثير أبو غسان ، قال : حدّثنا شعبة عن عمر بن مرّة ، عن أبي البختري قال : جاء العباس وعلي إلى عمر وهما يختصمان ، فقال عمر لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد : أنشدكم الله ، أسمعتم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : كلّ مال نبيّ فهو صدقة ، إلاّ ما أطعمه أهله ، إنّا لا نورث ! فقالوا : نعم ، قال : وكان رسول الله يتصدّق به ، ويَقسِم فضله ، ثم توفّى فوليه أبو بكر سنتين يصنع فيه ما كان يصنع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنتما تقولان : إنّه كان بذلك خاطئاً ،


(367)
وكان بذلك ظالماً ، وما كان بذلك إلاّ راشداً ، ثم وليته بعد أبي بكر فقلت لكما : إن شئتما قبلتماه على عمل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعهده الذي عهد فيه ، فقلتما : نعم ، وجئتماني الآن تختصمان؛ يقول هذا : أريد نصيبي من ابن أخي ، ويقول هذا : أريد نصيبي من امرأتي! والله لا أقضي بينكما إلاّ بذلك.
     قلت : وهذا أيضاً مشكل ، لأنّ أكثر الروايات أنّه لم يرو هذا الخبر إلاّ أبو بكر وحده ، ذكر ذلك أعظم المحدثين ، حتى انّ الفقهاء في اصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد.
     وقال شيخنا أبو علي : لا تقبل في الرواية إلاّ رواية اثنين كالشهادة ، فخالفه المتكلّمون والفقهاء كلّهم ، واحتجوا عليه بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، حتى انّ بعض أصحاب أبي علي تكلّف لذلك جواباً ، فقال : قد روي أنّ أبا بكر يوم حاجّ فاطمة ( عليها السلام ) قال : أنشد الله امرءاً سمع من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في هذا شيئاً! فروى مالك بن أوس بن الحدثان؛ أنّه سمعه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهذا الحديث ينطق بأنّه استشهد عمر وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعداً ، فقالوا : سمعناه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأين كانت هذه الروايات أيّام أبي بكر! ما نقل أنّ أحداً من هؤلاء يوم خصومة فاطمة ( عليها السلام ) وأبي بكر روى من هذا شيئاً.
     قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا محمد بن يحيى ، عن إبراهيم بن أبي يحيى ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أرسلن عثمان إلى أبي بكر ، فذكر الحديث ، قال عروة ، وكانت فاطمة قد سألت ميراثها من أبي بكر ممّا تركه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال لها : بأبي أنتِ وأمّي ، وبأبي أبوكِ وأمّي ونفسي ، إن كنتِ سمعتِ من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) شيئاً ، أو أمركِ بشيء لم أتّبع غير ما تقولين ، وأعطيتكِ ما تبتغين ، وإلا فإنّي أتبع ما أمرتُ به!
     قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد قال : حدّثنا عمرو بن مرزوق ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرّة ، عن أبي البختري قال : قال لها أبو بكر لمّا طلبت فَدَك : بأبي أنتِ


(368)
وأمّي ، أنتِ عندي الصادقة الأمينة ، إن كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عَهِد إليكِ في ذلك عهداً ، أو وَعَدكِ به وعداً ، صدّقتُكِ وسلّمتُ إليك! فقالت : لم يعهد اليّ في ذلك بشيء ، ولكنّ الله تعالى يقول : « يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أوْلادِكُمْ » (1) ، فقال : أشهد لقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورث.
     قلت : وفي هذا من الإشكال ما هو ظاهر ، لأنّها قد ادّعت أنّه عهد إليها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ذلك أعظم العهد ، وهو النحلة ، فكيف سكتت عن ذكر هذا لمّا سألها أبو بكر! وهذا أعجب من العجب.
     قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد؛ قال : حدّثنا محمّد بن يحيى ، قال : حدّثنا عبدالعزيز بن عمران بن عبدالعزيز بن عبدالله الأنصاري ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، قال : سمعت عمر وهو يقول للعباس وعليّ وعبدالرحمن بن عوف والزبير وطلحة : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : إنّا لا نورث ، معاشر الأنبياء ، ما تركنا صدقة ؟ قالوا : اللّهمّ نعم ، قال : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يدخل في فيئه أهله السنة من صدقاته ، ثمّ يجعل ما بقي في بيت المال! قالوا : اللّهمّ نعم.
     فلمّا توفّى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبضها أبو بكر ، فجئت ياعباس تطلب ميراثك من ابن أخيك ، وجئت يا عليّ تطلب ميراث زوجتك من أبيها! وزعمتما أنّ أبا بكر كان فيها خائناً فاجراً ، والله لقد كان امرءاً مطيعاً ، تابعاً للحقّ ، ثمّ توفى أبو بكر فقبضتها ، فجئتماني تطلبان ميراثكما ، أما أنت ياعباس فتطلب ميراثك من ابن أخيك ، وأما عليّ فيطلب ميراث زوجته من أبيها ، وزعمتما أنّي فيها خائن وفاجر ، والله يعلم أنّي فيها مطيع تابع للحق؛ فأصلحا أمركما ، وإلاّ والله لم ترجع إليكما. فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة.
1 ـ النساء : 11.

(369)
قال أبو زيد : قال أبو غسّان : فحدّثنا عبد الرزاق الصنعاني ، عن معمر بن شهاب ، عن مالك بنحوه ، وقال في أخره : فغلب عليّ عباساً عليها ، فكانت بيدِ عليّ ، ثمّ كانت بيد الحسن ، ثمّ كانت بيد الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ الحسن بن الحسن ، ثمّ زيد بن الحسن.
     قلت : وهذا الحديث يدل صريحاً على أنّهما جاءا يطلبان الميراث لا الولاية ، وهذا من المشكلات ، لأنّ أبا بكر حسم المادة أولاً ، وقرر عند العباس وعليّ وغيرهما أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يورث ، وكان عمر من المساعدين له على ذلك ، فكيف يعود العباس وعليّ بعد وفاة أبي بكر ، يحاولان أمراً قد كان فرغ منه ، ويئس من حصوله ، اللهم إلاّ أن يكونا ظنا أنّ عمر ينقض قضاء أبي بكر في هذه المسألة ، وهذا بعيد ، لأن عليّاً والعباس كانا في هذه المسألة يتهمان عمر بممالأة أبي بكر على ذلك ، ألا تراه يقول : نسبتماني ونسبتما أبا بكر إلى الظلم والخيانة ، فكيف يظنّان أنّه ينقض قضاء أبي بكر ويورثهما!
     واعلم أنّ الناس يظنون أنّ نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين : في الميراث والنّحلة ، وقد وجدت في الحديث أنّها نازعت في أمر ثالث ، ومنعها أبو بكر إيّاه أيضاً ، وهو سهم ذوي القربى.
     قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري : أخبرني أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثني هارون بن عمير ، قال : حدّثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدّثني صدقة أبو معاوية ، عن محمّد بن عبدالله ، عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك ، أنّ فاطمة ( عليها السلام ) أتت أبا بكر فقالت : لقد علمت الّذي ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات ، وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربي! ثمّ قرأت عليه قوله تعالى : « وَاعْلَمُوا انّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْب ـ َى » (1) الآية.
1 ـ الأنفال : 41.

(370)
     فقال لها أبو بكر : بأبي أنت وأمي ووالدٍ وَلَدكِ! السمع والطاعة لكتاب الله ، ولحق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وحق قرابته ، وأنا أقرأ من كتاب الله الّذي تقرئين منه ، ولم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس يسلّم إليكم كاملاً.
     قالت : أفلك هو ولأقربائك؟ قال : لا ، بل أنفق عليكم منه ، وأصرف الباقي في مصالح المسلمين ، قالت : ليس هذا حكم الله تعالى؛ قال : هذا حكم الله ، فإن كان رسول الله عهد إليك في هذا عهداً أو أوجبه لكم حقاً صدّقتكِ وسلّمته كلّه إليكِ وإلى أهلكِ؛ قالت : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم يعهد إليَّ في ذلك بشيء ، إلاّ أنّي سمعته يقول لما أنزلت هذه الآية : أبشروا آل محمّد فقد جاءكم الغنى.
     قال أبو بكر : لم يبلغ علمي من هذه الآية أن أسلم إليكم هذا السهم كلّه كاملاً ، ولكن لكم الغنى الّذي يغنيكم ، ويفضل عنكم ، وهذا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فاسأليهم عن ذلك ، وانظري هل يوافقك على ما طلبتِ أحد منهم! فانصرفت إلى عمر فقالت له مثل ما قالت لأبي بكر ، فقال لها مثل ما قاله لها أبو بكر ، فعجبت فاطمة ( عليها السلام ) من ذلك ، وتظنّت أنّهما كانا قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه.
     قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا هارون بن عمير ، قال : حدّثنا الوليد ، عن ابن أبي لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، قال : أرادت فاطمة أبا بكر على فَدَك وسهم ذوي القربى ، فأبى عليها ، وجعلهما في مال الله تعالى.
     قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد ، قال : حدّثنا أحمد بن معاوية ، عن هيثم ، عن جويبر ، عن أبي الضحاك ، عن الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، أنّ أبا بكر منع فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى ، وجعله في سبيل الله في السلاح والكراع.
     قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا حيان بن هلال ، عن محمّد بن يزيد بن ذريع ، عن محمّد بن إسحاق ، قال : سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ ( عليهما السلام ) ؛ قلت :
    
المحسن السبط ::: فهرس