المحسن السبط ::: 371 ـ 380
(371)
أرأيت عليّاً حين ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوي القربى؟ قال : سلك بهم طريق أبي بكر وعمر؛ قلت : وكيف ولِمَ وأنتم تقولون ما تقولون! قال : أما والله ما كان أهله يصدرون إلاّ عن رأيه؛ فقلت : فما منعه؟ قال : كان يكره أن يدعى عليه مخالفة أبي بكر وعمر.
     قال أبو بكر : وحدّثني المؤمل بن جعفر ، قال : حدّثني محمّد بن ميمون ، عن داود بن المبارك ، قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن الحسن ونحن راجعون من الحج في جماعة ، فسألناه عن مسائل وكنت أحد من سأله ، فسألته عن أبي بكر وعمر فقال : سئل جدي عبد الله بن الحسن بن الحسن عن هذه المسألة فقال : كانت أمي صديقة بنت نبيّ مرسل ، فماتت وهي غضبى على إنسان ، فنحن غضاب لغضبها ، وإذا رضيت رضينا.
     قال أبو بكر : وحدّثني أبو جعفر محمّد بن القاسم ، قال : حدّثني عليّ بن الصباح ، قال : أنشدنا أبو الحسن رواية المفضل للكميت :
أهوَى عليّاً أميرَ المؤمنين وَلا ولا أقولُ وإن لم يُعطِيَا فَدَكاً الله يَعلم ماذا يَحضُران به أرضَى بشتم أبي بكر ولا عُمرَا بنتَ النبيّ ولا ميراثها : كَفَرَا يومَ القيامة من عذرٍ إذا اعتَذَرَا
     قال ابن الصباح : فقال لي أبو الحسن : أتقول : إنّه قد أكفرهما في هذا الشعر! قلت : نعم ، قال : كذاك هو.
     قال أبو بكر : حدّثنا أبو زيد ، عن هارون بن عمير ، عن الوليد بن مسلم ، عن اسماعيل بن عباس ، عن محمّد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن مولى أم هاني ، قال : دخلت فاطمة على أبي بكر بعد ما استُخلِف ، فسألته ميراثها من أبيها فمنعها ، فقالت له : لئن مت اليوم من كان يرثك؟ قال : ولدي وأهلي ، قالت : فلم ورثت أنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دون ولده وأهله؟ قال : فما فعلت يابنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قالت : بلى ، إنك


(372)
عمدت إلى فَدَك ، وكانت صافيةً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأخذتها ، وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته عنّا ، فقال : يابنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم أفعل؛ حدّثني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنّ الله تعالى يُطعم النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) الطعمة ما كان حياً ، فإذا قبضه الله إليه رفعت ، فقالت : أنت ورسول الله أعلم ، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي ، ثمّ انصرفت.
     قال أبو بكر : وحدّثنا محمّد بن زكريا ، قال : حدّثنا محمّد بن عبد الرحمن المهلّبي ، عن عبد الله بن حمّاد بن سليمان ، عن أبيه ، عن عبد الله بن حسن بن حسن ، عن أمّه فاطمَة بنتِ الحسين ( عليهما السلام ) ، قالت : لمّا اشتدّ بفاطمةَ بنتِ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الوجع وثَقُلت في علّتها ، اجتمع عندها نساء من نساء المهاجرين والأنصار ، فقلن لها : كيف أصبحتِ ياابنةَ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟
     قالت : واللهِ أصبحتُ عائفةً لدُنياكم ، قالِيَةً لرجالكم ، لفظتُهم بعد أن عَجمْتُهم ، وشِنئتهم بعد أن سَبَرتهم ، فقبحاً لفُلول الحدّ ، وخَوَر القناة ، وخَطَل الرأي ، وبئسما قدّمَت لهم أنفسُهم أن سَخِط اللهُ عليهم وفي العذاب هم خالدون؛ لا جرم قد قلّدتهم رِبْقَتها ، وشنّت عليهم غارتها ، فجَدْعاً وعَقْراً ، وسُحْقاً للقوم الظالمين ، وَيْحَهم أين زحزحوها عن رَوَاسي الرّسالة ، وقواعدِ النبوّة ، ومَهبِط الرُّوح الأمين ، والطيّبين ( كذا ) بأمر الدّنيا والدّين ، ألا ذلك هو الخسران المبين.
     وما الّذي نَقَموا من أبي حسن؟ نَقَموا واللهِ نكيرَ سيفه ، وشِدّة وَطْأته ، ونَكالَ وَقْعته ، وتنمّره في ذات الله ، وتالله لو تكافُّوا عن زِمام نبذَه إليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لاعتَلَقه ، ولسار إليهم سيراً سُجُحاً ، لا تكلم حشاشته ، ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم مَنهلاً نَميراً فضفاضاً يطفح ضفّتاه ، ولأصدرهم بِطاناً قد تحيّر بهم الرأي ، غير متحلّ بطائل ، إلاّ بغَمْر الناهل ، وردعه سورة الساغبِ ، ولفتحتْ عليهم بركات من السّماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
     ألا هلمّ فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبه ، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث ، إلى أيّ لجأ استندوا ، وبأيّ عُروة تمسّكوا! لبئسَ المَولى ولبئس العَشِير ،


(373)
ولبئس للظالمين بدلاً! استبدلوا والله الذُّنَابَى بالقَوادم ، والعَجُز بالكاهل؛ فرغماً لمعاطس قومٍ يَحسَبون أنّهم يُحسِنون صُنْعاً : « ألا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ » (1) ، وَيْحهم! « أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلاّ أنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » (2) ! أما لَعَمر الله لقد لقِحت فنظِرة ريْثما تنتَج ، ثمّ احتلبوها طِلاعَ العَقْب (3) دَماً عَبيطاً وذُعافاً مُمقِراً هنالك يَخسَر المُبطِلون ، ويَعرِف التالون غِبَّ ما أسّس الأوّلون ، ثمّ طِيبوا عن أنفسكم نفساً ، واطمئنّوا للفتنة جأشاً ، وأبشِروا بسيفٍ صارم ، وهرْج شامل ، واستبدادٍ من الظالمين يَدَعُ فيئكم زهيداً ، وجمعَكم حَصِيداً؛ فيا حسرةً عليكم ، وأنَّى لكم وقد عُمَّيتْ عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون! والحمد لله ربّ العالمين ، وصلاتهُ على محمّد خاتم النبيّين وسيّد المرسلين.
     قلت : هذا الكلام وإن لم يكن فيه ذكرُ فَدَك والميراث ، إلاّ أنّه من تتمّة ذلك ، وفيه إيضاح لما كان عندها ، وبيانٌ لشدّة غيظها وغَضَبها ، فإنّه سيأتي فيما بعد ذكر ما يناقض به قاضي القضاة والمرتضى في أنّها هل كانت غضبى أم لا! ونحن لا ننصر مذهباً بعينه ، وإنّما نذكر ما قيل ، وإذا جرى بحثٌ نظريٌّ قلنا ما يقوى في أنفسنا منه.
     واعلم أنّا إنّما نذكر في هذا الفصل ما رواه رجالُ الحديث وثقاتُهم ، وما أودعه أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه ، وهو من الثّقات الأمناء عند أصحاب الحديث ، وأمّا ما يرويه رجال الشيعة والأخباريون منهم في كتبهم من قولهم : إنّهما أهاناها وأسمعاها كلاماً غليظاً ، وإنّ أبا بكر رقّ لها حيث لم يكن عمر حاضراً ، فكتب لها بفدك كتاباً ، فلمّا خرجت به وجدها عمر ، فمدّ يده إليه ليأخذه مغالبة ،
1 ـ البقرة : 12.
2 ـ يونس : 35.
3 ـ كذا والصواب : القعب.


(374)
فمنعته ، فدفع بيده في صدرها وأخذ الصحيفة فخرقها بعد أن تفل فيها فمحاها ، وإنّها دعت عليه فقالت : بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي؛ فشيء لا يرويه أصحاب الحديث ولا ينقلونه ، وقدر الصحابة يجلّ عنه ، وكان عمر أتقى لله؛ وأعرف لحقوق الله من ذلك ، وقد نظمت الشيعة بعض هذه الواقعة الّتي يذكرونها شعراً أوّله أبيات لمهيار بن مرزويه الشاعر من قصيدته الّتي أولها :
يا ابنةَ القومِ تُراكِ بالغٌ قَتْلَي رِضاكِ
     وقد ذيل عليها بعض الشيعة وأتمّها ، والأبيات :
يا ابنةَ الطّاهِرِ كَمْ تُقْـ غَضِبَ اللهُ لخَطْبٍ ورَعَى النارَ غَداً قـ مَرّ لم يعطِفه شكوَا واقتدى الناس به بعـ يا ابنةَ الرّاقي إلى السد لهف نفسي وعلى مِثـ كيف لم تقطع يَدٌ مـ فَرِحوا يومَ أهانو ولقد أخبَرَهم أنّ دَفعا النصّ على إر وتعرّضْتِ لقَدْرٍ وادّعيت النَّحْلةَ المشـ فاستشاطَا ثمّ ما إن ـرَع بالظّلم عَصاكِ ليلةَ الطَّفّ عَراكِ ـط رَعى أمسِ حماكِ ه ولا استحيا بكاكِ ـد فأرْدَى وَلَدَاكِ رة في لوح السكاكِ ـلِك فلْتبكِ البَواكي ـدَّ إليك ابن صهاكِ كِ بما ساءَ أباكِ رضاه في رِضاكِ ثكِ لمّا دَفَعاكِ تافهٍ وانتَهَزاكِ ـهود فيها بالصِّكاكِ كذَبا إن كذّباكِ



(375)
فزوَى اللهُ عن الرّحْـ ونَفَى عن بابه الوا ـمةِ زنديقاً ذَواكِ سع شيطاناً لَفاكِ
     فانظر إلى هذه البلية الّتي صبت من هؤلاء على سادات المسلمين ، وأعلام المهاجرين! وليس ذلك بقادح في علوّ شأنهم ، وجلالة مكانهم ، كما أنّ مبغضي الأنبياء وحسدتهم ، ومصنّفي الكتب في إلحاق العيب والتهجين لشرائعهم لم تزدد لأنبيائهم إلاّ رفعة ، ولا زادت شرائعهم إلاّ انتشاراً في الأرض ، وقبولاً في النفس ، وبهجةً ونوراً عند ذوي الألباب والعقول.
     وقال لي عَلَويّ من الحِلّة يُعرف بعليّ بن مهنأ ، ذكيّ ذو فضائل : ما تظنّ قصدَ أبي بكر وعمر بمنع فاطمة فَدَك؟ قلت : ما قصدا؟ قال : أرادا ألا يُظهرا لعليّ _ وقد اغتصباه الخلافة ـ رقّة وليناً وخذلاناً ، ولا يرى عندهما خوَراً ، فأتْبعا القرْح بالقرْح.
     وقلت لمتكلم من متكلّمي الإمامية يُعرف بعليّ بن تقيّ من بلدة النيل : وهل كانت فَدَك إلاّ نخلاً يسيراً وعقاراً ليس بذلك الخطير! فقال لي : ليس الأمرُ كذلك ، بل كانت جليلة جدّاً ، وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل ، وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها إلاّ ألاّ يتقوّى عليّ بحاصلها وغلّتها على المنازعة في الخلافة ، ولهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة وعليّ وسائر بني هاشم وبني المطلب حقّهم في الخمس ، فإنّ الفقير الّذي لا مال له تضعف همّته ، ويتصاغر عند نفسه ، ويكون مشغولاً بالاحتراف والاكتساب عن طلب الملك والرياسة.
     فانظر إلى ما قد وقر في صدور هؤلاء ، وهو داء لا دواء له ، وما أكثر ما تزول الاخلاق والشّيم ، فأما العقائد الراسخة فلا سبيل إلى زوالها!
     القسم الثاني : في النظر في أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) هل يورث أم لا ، نذكر في هذا الموضع ما حكاه المرتضى ( رحمه الله ) في الشافي عن قاضي القضاة في هذا المعنى ، وما اعترضه به ، وإن استضعفنا شيئاً من ذلك قلنا ما عندنا ، وإلاّ تركناه على حاله.


(376)
     قال المرتضى : أوّل ما ابتدأ به قاضي القضاة حكايته عنّا استدلالنا على أنّه ( صلى الله عليه وآله ) مورّث بقوله تعالى : « يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ » (1) وهذا الخطاب عام يدخل فيه النبيّ وغيره.
     ثم أجاب ـ يعني قاضي القضاة ـعن ذلك ، فقال : إنّ الخبر الّذي احتج به أبو بكر _ يعني قوله : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ـ لم يقتصر على روايته هو وحده حتى استشهد عليه عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن ، فشهدوا به ، فكان لا يحل لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ميراثاً ، وقد خبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأنّها صدقة وليست بميراث ، وأقلّ ما في هذا الباب أن يكون الخبر من أخبار الآحاد ، فلو أنّ شاهدين شهدا في التركة أنّ فيها حقاً ، أليس كان يجب أن يصرف ذلك عن الإرث! فعلمه بما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مع شهادة غيره أقوى.
     ولسنا نجعله مدّعياً لأنّه لم يدع ذلك لنفسه ، وإنّما بيّن أنّه ليس بميراث ، وأنّه صدقة ، ولا يمتنع تخصيص القرآن بذلك ، كما يخصّ في العبد والقاتل وغيرهما ، وليس ذلك بنقص في الأنبياء ، بل هو إجلالٌ لهم ، يرفع الله به قدرهم عن أن يورّثوا المال ، وصار ذلك من أوكد الدواعي ألاّ يتشاغلوا بجمعه ، لأن أحد الدواعي القوية إلى ذلك تركه على الأولاد والأهلين ، ولما سمعت فاطمة ( عليها السلام ) ذلك من أبي بكر كفّت عن الطلب فيما ثبت من الأخبار الصحيحة ، فلا يمتنع أن تكون غير عارفة بذلك ، فطلبت الإرث ، فلما روى لها ما روى كفّت ، فأصابت أولاً وأصابت ثانياً.
     وليس لأحد أن يقول : كيف يجوز أن يبيّن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذلك للقوم ولا حقّ لهم في الإرث ، ويدع أن يبيّن ذلك لمن له حق في الإرث ، مع أنّ التكليف يتصل به؛
1 ـ النساء : 11.

(377)
وذلك لأنّ التكليف في ذلك يتعلق بالإمام ، فإذا بيّن له جاز ألاّ يبيّن لغيره ويصير البيان له بياناً لغيره ، وإن لم يسمعه من الرسول ، لأنّ هذا الجنس من البيان يجب أن يكون بحسب المصلحة.
     قال : ثمّ حكى عن أبي عليّ أنّه قال : أتعلمون كذِبَ أبي بكر في هذه الرواية ، أم تجوّزون أن يكون صادقاً؟ قال : وقد علم أنّه لا شيء يقطع به على كذبه ، فلابدّ من تجويز كونه صادقاً ، وإذا صحّ ذلك قيل لهم : فهل كان يحلّ له مخالفة الرسول؟
     فإن قالوا : لو كان صِدقاً لظهر واشتهر ، قيل لهم : إنّ ذلك من باب العمل ، ولا يمتنع أن ينفرد بروايته جماعة يسيرة ، بل الواحد والاثنان ، مثل سائر الأحكام ومثل الشهادات ، فإن قالوا : نعلم أنّه لا يصحّ لقوله تعالى في كتابه : « وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ » (1). قيل لهم : ومن أين أنّه ورثه الأموال؛ مع تجويز أن يكون ورثه العلم والحكمة؟
     فإن قالوا : إطلاق الميراث لا يكون إلاّ في الأموال؛ قيل لهم : إن كتاب الله يُبطل قولَكم ، لأنّه قال : « ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا » (2) ، والكتاب ليس بمال ، ويقال في اللغة : ما ورثت الأبناء عن الآباء شيئاً أفضل من أدب حَسَن؛ وقالوا : العلماء ورثة الأنبياء ، وإنّما ورثوا منهم العلم دون المال ، على أنّ في آخر الآية ما يدلّ على ما قلناه ، وهو قوله تعالى حاكياً عنه : « وَقَالَ يَا أيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَاُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ » (3) ، فنبّه على أنّ الّذي ورث هو هذا العلم وهذا الفضل ، وإلاّ لم يكن لهذا القول تعلق بالأول.
1 ـ النمل : 16.
2 ـ فاطر : 32.
3 ـ النمل : 16.


(378)
     فإن قالوا : فقد قال تعالى : « فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » (1) ، وذلك يُبطل الخبر! قيل لهم : ليس في ذلك بيان المال أيضاً ، وفي الآية ما يدلّ على أنّ المراد النبوّة والعلم ، لأنّ زكريا خاف على العلم أن يندرس ، وقوله : « وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي » (2) يدلّ على ذلك ، لأنّ الأنبياء لا تحرص على الأموال حرصاً يتعلق خوفها بها ، وإنما أراد خوفه على العلم أن يضيع ، فسأل الله تعالى وليّاً يقوم بالدّين مقامه ، وقوله : « وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » يدلّ على أنّ المراد العلم والحكمة ، لأنّه لا يرث أموال يعقوب في الحقيقة ، وإنّما يرث ذلك غيره.
     قال : فأمّا مَن يقول إنّ المراد أنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة ، أي ما جعلناه صدقة في حال حياتنا لا نورثه ، فركيك من القول ، لأنّ إجماع الصحابة يخالفه ، لأنّ أحداً لم يتأوّله على هذا الوجه ، ولأنّه لا يكون في ذلك تخصيص الأنبياء ، ولا مزية لهم ، ولأنّ قوله : ما تركناه صدقة ، جملة من الكلام مستقلّة بنفسها ، كأنّه ( عليه السلام ) مع بيانه أنّهم لا يورثون المال يبيّن أنّه صدقة ، لأنّه كان يجوز ألاّ يكون ميراثاً ، ويصرف إلى وجه آخر غير الصدقة.
     قال : فأمّا خبر السيف والبغلة والعمامة وغير ذلك ، فقد قال أبو عليّ : إنّه لم يثبت أنّ أبابكر دفع ذلك إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على جهة الإرث ، كيف يجوز ذلك مع الخبر الّذي رواه ، وكيف يجوز لو كان وارثاً أن يخصّه بذلك ولا إرث له مع العمّ لأنّه عصبة!
     فإن كان وصل إلى فاطمة ( عليها السلام ) فقد كان ينبغي أن يكون العباس شريكاً في ذلك وأزواج الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، ولوجب أن يكون ذلك ظاهراً مشهوراً ليُعرف أنّهم
1 ـ مريم : 5 ـ 6.
2 ـ مريم : 5.


(379)
أخذوا نصيبهم من ذلك أو بدله ، ولا يجب إذا لم يدفع أبو بكر ذلك إليه على جهة الإرث ألا يحصل ذلك في يده ، لأنّه قد يجوز أن يكون النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نحله ذلك ، ويجوز أيضاً أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقوية الدين ، وتصدق ببدله بعد التقويم ، لأنّ الإمام له أن يفعل ذلك.
     قال : وحكى عن أبي عليّ في البُرد والقضيب أنّه لم يمتنع أن يكون جعله عدة في سبيل الله وتقوية على المشركين ، فتداولته الأئمة لما فيه من التقوية ، ورأى أنّ ذلك أولى من أن يتصدق به إن ثبت أنّه ( عليه السلام ) لم يكن قد نحله غيره في حياته ، ثمّ عارض نفسه بطلب أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) الميراث ، وتنازع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والعباس بعد موت فاطمة ( عليها السلام ) ، وأجاب عن ذلك بأن قال : يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية أبي بكر وغيره للخبر.
     وقد روي أنّ عائشة لمّا عرّفتهنّ الخبر أمسكن ، وقد بيّنا أنّه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحق الإرث ، ويعرفه من يتقلّد الأمر ، كما يعرف العلماء والحكام من أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الإرث ، وقد بيّنا أنّ رواية أبي بكر مع الجماعة أقوى من شاهدين لو شهدا أنّ بعض تركته ( عليه السلام ) دين ، وهو أقوى من رواية سلمان وابن مسعود لو رويا ذلك.
     قال : ومتى تعلّقوا بعموم القرآن أريناهم جواز التخصيص بهذا الخبر ، كما أن عموم القرآن يقتضي كون الصدقات للفقراء ، وقد ثبت أنّ آل محمّد لا تحلّ لهم الصدقة.
     هذا آخر ما حكاه المرتضى من كلام قاضي القضاة.
     ثم قال : نحن نبيّن أوّلاً ما يدل على أنّه ( صلى الله عليه وآله ) يورث المال ، ونرتّب الكلام في ذلك الترتيب الصحيح ، ثمّ نعطف على ما أورده ، ونتكلّم عليه.


(380)
     قال ( رضي الله عنه ) : والذي يدلّ على ما ذكرنا قوله تعالى مخبراً عن زكريا ( عليه السلام ) : « وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً » (1).
     فخبر أنّه خاف من بني عمّه ، لأنّ الموالي هاهنا هم بنو العمّ بلا شبهة ، وإنّما خافهم أن يرثوا ماله فينفقوه في الفساد ، لأنّه كان يعرف ذلك من خلائقهم وطرائقهم ، فسأل ربّه ولداً يكون أحق بميراثه منهم.
     والذي يدل على أنّ المراد بالميراث المذكور ميراث المال دون العلم والنبوة على ما يقولون ، إنّ لفظة الميراث في اللغة والشريعة لا يفيد إطلاقها إلاّ ما يجوز أن ينتقل على الحقيقة من الموروث إلى الوارث ، كالأموال وما في معناها ، ولا يُستعمل في غير المال إلاّ تجوّزاً واتساعاً ، ولهذا لا يُفهم من قول القائل : لا وارث لفلان إلاّ فلان ، وفلان يرث مع فلان بالظاهر والإطلاق إلاّ ميراث الأموال والأعراض دون العلوم وغيرها ، وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام وحقيقته إلى مجازه بغير دلالة.
     وأيضاً فإنّه تعالى خبّر عن نبيّه أنّه اشترط في وارثه أن يكون رضيّاً ، ومتى لم يُحمل الميراث في الآية على المال دون العلم والنبوة لم يكن للاشتراط معنى ، وكان لغواً وعبثاً؛ لأنّه إذا كان إنّما سأل من يقوم مقامه ، ويرث مكانه فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه وسؤاله؛ فلا مقتضى لاشتراطه ، ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول : اللهم ابعث إلينا نبياً واجعله عاقلاً ، [ومكلّفاً]؛ فإذا ثبتت هذه الجملة صحّ أنّ زكريا موروث ماله ، وصحّ أيضاً لصحتها أنّ نبينا ( صلى الله عليه وآله ) ممن يورث المال ، لأنّ الإجماع واقع على أنّ حال نبينا ( صلى الله عليه وآله ) لا يخالف حال الأنبياء المتقدّمين في ميراث المال ، فمن مثبت للأمرين ونافٍ للأمرين.
1 ـ مريم : 5 ـ 6.
المحسن السبط ::: فهرس