يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضّة ولا داراً ولا عَقاراً ، وإنّما نورّث الكتاب والحكمة والعلم والنبوّة.
قال : فلما وصل الأمر إلى عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) كُلّم في ردّ فَدَك ، فقال : إنّي لأستحيي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر (1).
قال المرتضى : وأخبرنا أبو عبد الله المَرْزُبَاني ، قال : حدّثني عليّ بن هارون ، قال : أخبرني عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر ، عن أبيه قال : ذكرت لأبي الحسين زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) كلام فاطمة ( عليها السلام ) عند منع أبي بكر إيّاها فَدَك ، وقلت له : إنّ هؤلاء يزعمون أنّه مصنوع وأنّه من كلام أبي العيناء ، لأنّ الكلام منسوق البلاغة.
فقال لي : رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلّمونه أولادهم ، وقد حدّثني به أبي عن جدّي يَبْلغ به فاطمة ( عليها السلام ) على هذه الحكاية ، وقد رواه مشايخ الشيعة وتدارسوه قبل أن يوجد جدّ أبي العيناء ، وقد حدّث الحسين بن علوان ، عن عطية العوفي ، أنّه سمع عبد الله بن الحسن بن الحسن يذكر عن أبيه هذا الكلام.
ثم قال أبو الحسين زيد : وكيف تنكرون هذا من كلام فاطمة ( عليها السلام ) ، وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة ( عليها السلام ) ويحقّقونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت ، ثمّ ذكر الحديث بطوله على نسقه ، وزاد في الأبيات بعد البيتين الأولين :
ضاقتْ عليّ بلادي بعد ما رحُبتْفليت قبلَك كان الموتُ صادَفناتجهّمَتْنا رجالٌ واستُخفّ بنا
وسِيمَ سِبْطاكَ خسفا فيه لي نَصَبُقومٌ تمنّوا فأعطُوا كلّ ما طلبوامذ غبت عنّا وكلّ الإرث قد غصبوا
1 ـ الشافي : 230.
(392)
قال : فما رأينا يوماً أكثر باكياً أو باكية من ذلك اليوم.
قال المرتضى : وقد روى هذا الكلام على هذا الوجه من طُرقٍ مختلفة ، ووجوه كثيرة ، فمن أرادها أخذها من مواضعها ، فكيف يدّعي أنّها ( عليها السلام ) كفّت راضية ، وأمسكت قانعة ، لولا البُهْت وقلّة الحياء!
قلت : ليس في هذا الخبر ما يدلّ على فساد ما ادّعاه قاضي القضاة ، لأنّه ادّعى أنّها نازعت وخاصمت ، ثمّ كفّت لما سمعت الرواية وانصرفت تاركة للنزاع ، راضية بموجب الخبر المروي.
وما ذكره المرتضى من هذا الكلام لا يدلّ إلاّ على سخطها حال حضورها ، ولا يدلّ على أنّها بعد رواية الخبر وبعد أن أقسم لها أبو بكر بالله تعالى أنّه ما روى عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ ما سمعه منه ، انصرفت ساخطة؛ ولا في الحديث المذكور والكلام المروي ما يدلّ على ذلك ، ولست أعتقد أنّها انصرفت راضية كما قال قاضي القضاة ، بل أعلم أنّها انصرفت ساخطة ، وماتت وهي على أبي بكر واجِدة ، ولكن لا من هذا الخبر ، بل من أخبار اُخر ، كان الأولى بالمرتضى أن يحتجّ بها على ما يرويه في انصرافها ساخطة ، وموتها على ذلك السخط ، وأمّا هذا الخبر وهذا الكلام فلا يدلّ على هذا المطلوب.
قال المرتضى ( رحمه الله ) : فأمّا قوله : إنّه يجوز أن يبيّن ( عليه السلام ) أنّه لا حقّ لميراثه في ورثته لغير الورثة ، ولا يمتنع أن يرد من جهة الآحاد ، لأنّه من باب العمل ، وكلّ هذا بناءً منه على أصوله الفاسدة في أنّ خبر الواحد حجّة في الشرع ، وأنّ العمل به واجب ، ودون صحة ذلك خَرْط القَتاد.
وإنّما يجوز أن يبيّن من جهة أخرى إذا تساويا في الحجة ووقوع العمل ، فأمّا مع تباينهما فلا يجوز التخيير فيهما ، وإذا كان ورثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) متعبّدين بألاّ يرثوه ، فلابدّ من إزاحة عِلّتهم في هذه العبادة بأن يوقفهم على الحكم ، ويُشافِهَهم به ، ويلقيه إلى مَنْ يقيم الحجة عليهم بنقله ، وكل ذلك لم يكن.
(393)
فأمّا قوله : أتجوّزون صِدقَه في الرواية أم لا تجوزون ذلك؟ فالجواب : إنّا لا نجوّزه ، لأنّ كتاب الله أصدق منه ، وهو يدفع روايته ويبطلها؛ فأمّا اعتراضه على قولنا : إنّ إطلاق الميراث لا يكون إلاّ في الأموال بقوله تعالى : « ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا » (1).
وقولهم : ما ورثت الأبناء من الآباء شيئاً أفضل من أدب حسن ، وقولهم : العلماء ورثة الأنبياء ، فعجيب ، لأنّ كل ما ذكر مقيّد غير مطلق ، وإنّما قلنا : إنّ مطلق لفظ الميراث من غير قرينة ولا تقييد يفيد بظاهره ميراث الأموال ، فبعد ما ذكره وعارض به لا يخفى على متأمّل.
فأما استدلاله على أنّ سليمان ورث داود علمه دون ماله بقوله : « يَا أيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَاُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ » (2) وأنّ المراد أنّه وَرِث العلمَ والفضلَ ، وإلاّ لم يكن لهذا القول تعلّق بالأوّل ، فليس بشيء يعوّل عليه ، لأنّه لا يمتنع أن يريد به أنّه ورث المال بالظاهر والعلم بهذا المعنى من الاستدلال.
فليس يجب إذا دلّت الدّلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن يقتصر بها عليه ، بل يجب أن يحملها على الحقيقة الّتي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع؛ على أن لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة ، ثمّ يقول مع ذلك إنّا : « عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ » ، ويشير ب ـ الفضل المبين إلى العِلم والمال جميعاً ، فله بالأمرين جميعاً فضلٌ على من لم يكن عليهما؛ وقوله : « وَاُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء » يحتمل المال ، كما يحتمل العلم ، فليس بخالص ما ظنّه.
1 ـ فاطر : 32.
2 ـ النمل : 16.
(394)
فأمّا قوله في قصّة زكريا : إنّه خاف على العلم أن يندرس ، لأنّ الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ، وإنّما خاف أن يضيع العلم ، فسأل الله تعالى وليّاً يقوم بالدين مقامه؛ فقد بيّنا أنّ الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ولا يبخلون بها ، فإنّهم يجتهدون في منع المفسدين من الانتفاع بها على الفساد ، ولا يعدّ ذلك بخلاً ولا حرصاً ، بل فضلاً وديناً؛ وليس يجوز من زكريا أن يخاف على العلم الاندراس والضياع ، لأنّه يعلم أن حكمة الله تعالى تقتضي حفظ العلم الّذي هو الحجة على العباد ، وبه تنزاح عللهم في مصالحهم ، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله!
فإن قيل : فهبوا أنّ الأمر كما ذكرتم من أنّ زكريا كان يأمن على العلم أن يندرس؛ أليس لابدّ أن يكون مجوزاً أن يحفظه الله تعالى بمن هو من أهله وأقاربه ، كما يجوز حفظه بغريب أجنبي! فما أنكرتم أن يكون خوفه إنّما كان من بني عمّه ألا يتعلّموا العلم ولا يقوموا فيه مقامه ، فسأل الله ولداً يجمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته ، ويتعدّى إلى غير قومه ، فيلحقه بذلك وصمة!
قلنا : أما إذا رتّب السؤال هذا الترتيب ، فالجواب عنه ما أجبنا به صاحب الكتاب ، وهو أنّ الخوف الّذي أشاروا إليه ليس من ضرر ديني ، وإنّما هو من ضررٍ دنياوي ، والأنبياء إنّما بُعِثوا لتحمل المضار الدنياوية ، ومنازلهم في الثواب إنّما زادت على كل المنازل لهذا الوجه ، ومن كانت حاله هذه الحال ، فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم وجهه بعينه أن يكون محمولاً على مضار الدين ، لأنّها هي جهة خوفهم ، والغرض في بعثهم تحمّل ما سواها من المضارّ.
فإذا قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أنا خائف ، فلم يعلم جهة خوفه على التفصيل ، يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضار الدين دون الدنيا ، لأنّ أحوالهم وبعثهم يقتضي ذلك ، فإذا كنّا لو اعتدنا من بعضنا الزهد في الدنيا وأسبابها ، والتعفّف عن منافعها ،
(395)
والرغبة في الآخرة ، والتفرّد بالعمل لها ، لكنّا نحمل على ما يظهر لنا من خوفه الّذي لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه وأليق بحاله ، ونضيفه إلى الآخرة دون الدنيا ، وإذا كان هذا واجباً فيمن ذكرناه فهو في الأنبياء ( عليهم السلام ) أوجب.
قلت : ينبغي ألا يقول المعترض فيلحقه بذلك وصمة ، فيجعل الخوف من هذه الوصمة ، بل يقول : إنّه خاف ألاّ يُفلح بنو عمّه ولا يتعلّموا العلم ، لما رأى من الأمارات الدالة على ذلك ، فالخوف على هذا الترتيب يتعلّق بأمر ديني لا دنيوي ، فسأل الله تعالى أن يرزقه ولداً يرث عنه علمه ، أي يكون عالماً بالدينيات كما أنا عالم بها.
وهذا السؤال متعلّق بأمر ديني لا دنيوي ، وعلى هذا يندفع ما ذكره المرتضى؛ على أنّه لا يجوز إطلاق القول بأنّ الأنبياء بُعِثوا لتحمل المضار الدنياوية ، ولا القول : الغرض في بعثتهم تحمل ما سوى المضار الدينية من المضار ، فإنّهم ما بعثوا لذلك ، ولا الغرض في بعثتهم ذلك ، وإنّما بعثوا لأمرٍ آخر ، وقد تحصل المضار في أداء الشرع ضمناً وتبعاً ، لا على أنّها الغرض ، ولا داخلة في الغرض.
وعلى أنّ قول المرتضى : لا يجوز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره ، لأنّه محفوظ من الله ، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله؛ غير مستمرّ على أصوله ، لأنّ المكلّفين الآن قد حُرموا بغيبة الإمام عنده ألطافاً كثيرة الوصلة بالشرعيات كالحدود وصلاة الجمعة والأعياد ، وهو وأصحابه يقولون في ذلك إن اللوم على المكلّفين؛ لأنّهم قد حرموا أنفسهم اللطف ، فهلاّ جاز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره ، وإفساد الأحكام الشرعية! لأنّه إنّما يجب على الله تعالى التبليغ بالرسول إلى المكلّفين ، فإذا أفسدوا هم الأديان وبدّلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم ، لأنّهم هم الّذين حرموا أنفسهم اللطف.
(396)
واعلم أنّه قد قرئ : « وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي » (1) ؛ وقيل : إنّها قراءة زين العابدين وابنه محمّد بن عليّ الباقر ( عليهم السلام ) وعثمان بن عفّان. وفسّروه على وجهين :
أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي ، أي قلّت الموالي وعجزوا عن إقامة الدين ، تقول : قد خفّ بنو فلان ، أي قلّ عددهم ، فسأل زكريا ربّه تقويتهم ومظاهرتهم بوليٍّ يرزقه.
وثانيهما أن يكون ورائي بمعنى قدّامي ، أي خفّ الموالي وأنا حيّ ودرجوا وانقرضوا ، ولم يبق منهم من به اعتضاد ، وعلى هذه القراءة لا يبقى متعلّق بلفظة الخوف.
وقد فسر قوم قوله : « وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ » ، أي خفت الّذين يلون الأمر من بعدي ، لأنّ المولى يستعمل في الوالي ، وجمعه موالٍ ، أي خفت أن يلي بعد موتي أمراء ورؤساء يُفسدون شيئاً من الدين ، فارزقني ولداً تُنعِم عليه بالنبوّة والعلم ، كما أنعمت عليّ ، واجعل الدين محفوظاً به؛ وهذا التأويل غير منكر ، وفيه أيضاً دفع لكلام المرتضى.
قال المرتضى : وأمّا تعلّق صاحب الكتاب في أنّ الميراث محمول على العلم بقوله : « وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » (2) ؛ لأنّه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة وإنّما يرث ذلك غيره ، فبعيد من الصواب؛ لأنّ ولد زكريا يرث بالقرابة من آل يعقوب أموالهم ، على أنّه لم يقل : يرث آل يعقوب ، بل قال : « يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » ، تنبيهاً بذلك على أنّه يرث من كان أحقّ بميراثه في القرابة.
فأمّا طعنه على من تأول الخبر بأنّه ( عليه السلام ) لا يورث ما تركه للصدقة بقوله : إنّ
1 ـ مريم : 5.
2 ـ مريم : 6.
(397)
أحداً من الصحابة لم يتأوّله على هذا الوجه ، فهذا التأويل الّذي ذكرناه أحد ما قاله أصحابنا في هذا الخبر ، فمن أين له إجماع الصحابة على خلافه! وإنّ أحداً لم يتأوّله على هذا الوجه.
فإن قال : لو كان ذلك لظهر واشتهر ، ولوقف أبو بكر عليه ، فقد مضى من الكلام فيما يمنع من الموافقه على هذا المعنى ما فيه كفاية.
قلت : لم يكن ذلك اليوم ـ أعني يوم حضور فاطمة ( عليها السلام ) ، وقولها لأبي بكر ما قالت _ يوم تقيّة وخوف ، وكيف يكون يوم تقيّة وهي تقول له وهو الخليفة : يابن أبي قُحافة ، أترث أباك ولا أرث أبي! وتقول له أيضاً : لقد جئت شيئاً فريّا! فكان ينبغي إذا لم يؤثر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يفسّر لأبي بكر معنى الخبر أن يُعلِم فاطمة ( عليها السلام ) تفسيره ، فتقول لأبي بكر : أنت غالط فيما ظننت ، إنّما قال أبي : ما تركناه صدقة فإنّه لا يورث.
واعلم أنّ هذا التأويل كاد يكون مدفوعاً بالضرورة ، لأنّ من نظر في الأحاديث الّتي ذكرناها وما جرت عليه الحال يعلم بطلانه علماً قطعيّاً.
قال المرتضى : وقوله : إنّه لا يكون إذ ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزية؛ ليس بصحيح ، وقد قيل في الجواب عن هذا : إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجوز أن يريد أنّ ما ننوي فيه الصدقة ، ونفرده لها من غير أن نخرجه عن أيدينا لا تناله ورثتنا ، وهذا تخصيص للأنبياء ، ومزية ظاهرة.
قلت : هذه مخالفة لظاهر الكلام ، وإحالة للّفظ عن وضعه ، وبين قوله : ما ننوي فيه الصدقة ، وهو بعد في ملكنا ليس بموروث؛ وقوله : ما نخلّفه صدقة ليس بموروث فرق عظيم ، فلا يجوز أن يُراد أحد المعنيين باللفظ المفيد للمعنى الآخر ، لأنّه إلباسٌ وتعمية.
وأيضاً ، فإنّ العلماء ذكروا خصائص الرسول في الشرعيات عن أمته وعدّدوها ، نحو حل الزيادة في النكاح على أربع ، ونحو النكاح بلفظ الهبة على قول فرقةٍ من
(398)
المسلمين ، ونحو تحريم أكل البصل والثوم عليه ، وإباحة شرب دمه ، وغير ذلك ، ولم يذكروا في خصائصه أنّه إذا كان قد نوى أن يتصدّق بشيء فانّه لا يناله ورثته ، لو قدرنا أنّه يورث الأموال ، ولا الشيعة قبل المرتضى ذكرت ذلك ، ولا رأيناه في كتابٍ من كتبهم ، وهو مسبوق بإجماع طائفته عليه ، وإجماعهم عندهم حجّة.
قال المرتضى : فأمّا قوله : إنّ قوله ( عليه السلام ) : ما تركناه صدقة ، جملة من الكلام مستقلة بنفسها ، فصحيح إذا كانت لفظة ما مرفوعةً على الابتداء ، ولم تكن منصوبةً بوقوع الفعل عليها ، وكانت لفظة صدقة أيضاً مرفوعة غير منصوبة ، وفي هذا وقع النزاع؛ فكيف يدّعي أنّها جملة مستقلة بنفسها! وأقوى ما يمكن أن نذكره أن نقول : الرواية جاءت بلفظ صدقةٌ بالرفع ، وعلى ما تأوّلتموه لا تكون إلاّ منصوبةً ، والجواب عن ذلك أنّا لا نسلّم الرواية بالرفع ، ولم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الإعراب ، والاشتباه يقع في مثله ، فمن حقّق منهم وصرّح بالرواية بالرفع يجوز أن يكون اشتبه عليه فظنّها مرفوعة ، وهي منصوبة.
قلت : وهذا أيضاً خلاف الظاهر ، وفتح الباب فيه يؤدّي إلى إفساد الاحتجاج بكثير من الأخبار.
أقول : سيأتي في الخاتمة وقفة ايضاح واستيضاح حول هذا الحديث المزعوم وروايته في الصحاح فراجع ، كما سيأتي ذكر مناظرة الشيخ المفيد مع أبي علي بن شاذان برواية الإمام أبي الوليد الباجي المالكي في كتابه المنتقى شرح الموطأ لمالك ، وهي حريّة بالمراجعة. على أن قراءة ( صدقة ) بالنصب إن لم تكن هي المتعينة ، فلا أقل من طرق الإحتمال ، وذلك يبطل على الخصم قراءة الرفع عند الاستدلال.
قال : وأمّا حكايته عن أبي عليّ أنّ أبا بكر لم يدفع إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) السيف والبغلة والعمامة على جهة الإرث؛ وقوله : كيف يجوز ذلك مع الخبر الّذي
(399)
رواه! وكيف خصّصه بذلك دون العم الّذي هو العصبة! فما نراه زاد على التعجّب ، ومما عجب منه عجبنا ، ولم يثبت عصمة أبي بكر فينتفي عن أفعاله التناقض.
قلت : لا يشكّ أحد في أنّ أبا بكر كان عاقلاً ، وإن شكّ قوم في ذلك ، فالعاقل في يومٍ واحد لا يدفع فاطمة ( عليها السلام ) عن الإرث ويقول : إنّ أباكِ قال لي : إنّي لا أورث ، ثمّ يورث في ذلك اليوم شخصاً آخر من مال ذلك المتوفى الّذي حكى عنه أنّه لا يورث ، وليس انتفاء هذا التناقض عن أفعاله موقوفاً على العصمة ، بل على العقل (1).
قال المرتضى : وقوله يجوز أن يكون النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نَحَله إيّاه ، وتركه أبو بكر في يده ـ لِمَا في ذلك من تقوية الدين ـ وتصدّق ببدله؛ وكلّ ما ذكره جائز ، إلاّ أنّه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها ، والحجّة عليها ، ولم يظهر من ذلك شيء فنعرفه ، ومن العجائب أن تدّعي فاطمة فَدَك نحلةً ، وتستشهد على قولها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وغيره ، فلا يُصغى إلى قولها ، ويترك السيف والبغلة والعمامة في يد أمير المؤمنين على سبيل النَّحْلة بغير بيّنة ظهرت ، ولا شهادةٍ قامت!
قلت : لعل أبا بكر سمع الرسول ( عليه السلام ) وهو ينحل ذلك عليّاً ( عليه السلام ) ، فلذلك لم يحتج إلى البيّنة والشهادة ، فقد روي أنّه أعطاه خاتمه وسيفه في مرضه وأبو بكر حاضر ، وأما البغلة فقد كان نحله إيّاها في حجة الوداع على ما وردت به الرواية؛ وأما العمامة فسلب الميّت ، وكذلك القميص والحجزة والحذاء ، فالعادة أن يأخذ ذلك ولد الميّت؛ ولا ينازع فيه لأنّه خارج ، أو كالخارج عن التركة ، فلما
1 ـ من أين علم ابن أبي الحديد انّ الشريف المرتضى ( قدّس سرّه ) قال بأنّ أبا بكر دفع السيف والعمامة للإمام ( عليه السلام ) في نفس اليوم الذي منع فيه فاطمة ( عليها السلام ) ميراثها, وليس في كتاب الشافي ما يشير إلى ذلك, فما قاله اجتهاد منه على غير علم أو قلة فهم!
(400)
غُسِّلَ ( عليه السلام ) أخذت ابنته ثيابه الّتي مات فيها ، وهذه عادة الناس (1) ، على أنّا قد ذكرنا في الفصل الأوّل كيف دفع إليه آلة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ودابته ، والظاهر أنّه فعل ذلك اجتهاداً لمصلحةٍ رآها؛ وللإمام أن يفعل ذلك.
قال المرتضى : على أنّه كان يجب على أبي بكر أن يبيّن ذلك ، ويذكر وجهه بعينه ، لمّا نازع العباس فيه ، فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت.
قلت : لم ينازع العباس في أيّام أبي بكر ، لا في البغلة والعمامة ونحوها ، ولا في غير ذلك ، وإنّما نازع عليّاً في أيام عمر ، وقد ذكرنا كيفية المنازعة ، وفيماذا كانت.
قال المرتضى ( رضي الله عنه ) في البُردة والقضيب : إن كان نحلةً ، أو على الوجه الآخر ، يجري مجرى ما ذكرناه في وجوب الظهور والاستشهاد ، ولسنا نرى أصحابنا _ يعني المعتزلة (2) ـ يطالبون أنفسهم في هذه المواضع بما يطالبوننا بمثله إذا ادعينا وجوهاً وأسباباً وعللاً مجوّزة ، لأنّهم لا يقنعون منّا بما يجوز ويمكن؛ بل يوجبون فيما ندّعيه الظهور والاستشهاد ، وإذا كان هذا عليهم نسُوه أو تناسوه.
قلت : أمّا القضيب فهو السيف الّذي نحله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً ( عليه السلام ) في مرضه ، وليس بذي الفقار ، بل هو سيفٌ آخر؛ وأما البُردة فإنّه وهبها كعب بن زهير ، ثمّ صار هذ السيف وهذه البردة إلى الخلفاء ، بعد تنقلات كثيرة مذكورة في كتب التواريخ (3).
1 ـ هذا تبرير للخطأ وليس عليه شاهد.
2 ـ قول الشريف ـ أصحابنا يعني المعتزلة ـ لا يدل على اعتزاله, بل من نحو قول الله تعالى : « قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب » ، [الكهف : 37].
3 ـ وفي ذلك قال شاعر أهل البيت ( عليهم السلام ) :