المحسن السبط ::: 391 ـ 400
(391)
يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضّة ولا داراً ولا عَقاراً ، وإنّما نورّث الكتاب والحكمة والعلم والنبوّة.
     قال : فلما وصل الأمر إلى عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) كُلّم في ردّ فَدَك ، فقال : إنّي لأستحيي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر (1).
     قال المرتضى : وأخبرنا أبو عبد الله المَرْزُبَاني ، قال : حدّثني عليّ بن هارون ، قال : أخبرني عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر ، عن أبيه قال : ذكرت لأبي الحسين زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) كلام فاطمة ( عليها السلام ) عند منع أبي بكر إيّاها فَدَك ، وقلت له : إنّ هؤلاء يزعمون أنّه مصنوع وأنّه من كلام أبي العيناء ، لأنّ الكلام منسوق البلاغة.
     فقال لي : رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلّمونه أولادهم ، وقد حدّثني به أبي عن جدّي يَبْلغ به فاطمة ( عليها السلام ) على هذه الحكاية ، وقد رواه مشايخ الشيعة وتدارسوه قبل أن يوجد جدّ أبي العيناء ، وقد حدّث الحسين بن علوان ، عن عطية العوفي ، أنّه سمع عبد الله بن الحسن بن الحسن يذكر عن أبيه هذا الكلام.
     ثم قال أبو الحسين زيد : وكيف تنكرون هذا من كلام فاطمة ( عليها السلام ) ، وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة ( عليها السلام ) ويحقّقونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت ، ثمّ ذكر الحديث بطوله على نسقه ، وزاد في الأبيات بعد البيتين الأولين :
ضاقتْ عليّ بلادي بعد ما رحُبتْ فليت قبلَك كان الموتُ صادَفنا تجهّمَتْنا رجالٌ واستُخفّ بنا وسِيمَ سِبْطاكَ خسفا فيه لي نَصَبُ قومٌ تمنّوا فأعطُوا كلّ ما طلبوا مذ غبت عنّا وكلّ الإرث قد غصبوا

1 ـ الشافي : 230.

(392)
     قال : فما رأينا يوماً أكثر باكياً أو باكية من ذلك اليوم.
     قال المرتضى : وقد روى هذا الكلام على هذا الوجه من طُرقٍ مختلفة ، ووجوه كثيرة ، فمن أرادها أخذها من مواضعها ، فكيف يدّعي أنّها ( عليها السلام ) كفّت راضية ، وأمسكت قانعة ، لولا البُهْت وقلّة الحياء!
     قلت : ليس في هذا الخبر ما يدلّ على فساد ما ادّعاه قاضي القضاة ، لأنّه ادّعى أنّها نازعت وخاصمت ، ثمّ كفّت لما سمعت الرواية وانصرفت تاركة للنزاع ، راضية بموجب الخبر المروي.
     وما ذكره المرتضى من هذا الكلام لا يدلّ إلاّ على سخطها حال حضورها ، ولا يدلّ على أنّها بعد رواية الخبر وبعد أن أقسم لها أبو بكر بالله تعالى أنّه ما روى عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ ما سمعه منه ، انصرفت ساخطة؛ ولا في الحديث المذكور والكلام المروي ما يدلّ على ذلك ، ولست أعتقد أنّها انصرفت راضية كما قال قاضي القضاة ، بل أعلم أنّها انصرفت ساخطة ، وماتت وهي على أبي بكر واجِدة ، ولكن لا من هذا الخبر ، بل من أخبار اُخر ، كان الأولى بالمرتضى أن يحتجّ بها على ما يرويه في انصرافها ساخطة ، وموتها على ذلك السخط ، وأمّا هذا الخبر وهذا الكلام فلا يدلّ على هذا المطلوب.
     قال المرتضى ( رحمه الله ) : فأمّا قوله : إنّه يجوز أن يبيّن ( عليه السلام ) أنّه لا حقّ لميراثه في ورثته لغير الورثة ، ولا يمتنع أن يرد من جهة الآحاد ، لأنّه من باب العمل ، وكلّ هذا بناءً منه على أصوله الفاسدة في أنّ خبر الواحد حجّة في الشرع ، وأنّ العمل به واجب ، ودون صحة ذلك خَرْط القَتاد.
     وإنّما يجوز أن يبيّن من جهة أخرى إذا تساويا في الحجة ووقوع العمل ، فأمّا مع تباينهما فلا يجوز التخيير فيهما ، وإذا كان ورثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) متعبّدين بألاّ يرثوه ، فلابدّ من إزاحة عِلّتهم في هذه العبادة بأن يوقفهم على الحكم ، ويُشافِهَهم به ، ويلقيه إلى مَنْ يقيم الحجة عليهم بنقله ، وكل ذلك لم يكن.


(393)
     فأمّا قوله : أتجوّزون صِدقَه في الرواية أم لا تجوزون ذلك؟ فالجواب : إنّا لا نجوّزه ، لأنّ كتاب الله أصدق منه ، وهو يدفع روايته ويبطلها؛ فأمّا اعتراضه على قولنا : إنّ إطلاق الميراث لا يكون إلاّ في الأموال بقوله تعالى : « ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا » (1).
     وقولهم : ما ورثت الأبناء من الآباء شيئاً أفضل من أدب حسن ، وقولهم : العلماء ورثة الأنبياء ، فعجيب ، لأنّ كل ما ذكر مقيّد غير مطلق ، وإنّما قلنا : إنّ مطلق لفظ الميراث من غير قرينة ولا تقييد يفيد بظاهره ميراث الأموال ، فبعد ما ذكره وعارض به لا يخفى على متأمّل.
     فأما استدلاله على أنّ سليمان ورث داود علمه دون ماله بقوله : « يَا أيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَاُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ » (2) وأنّ المراد أنّه وَرِث العلمَ والفضلَ ، وإلاّ لم يكن لهذا القول تعلّق بالأوّل ، فليس بشيء يعوّل عليه ، لأنّه لا يمتنع أن يريد به أنّه ورث المال بالظاهر والعلم بهذا المعنى من الاستدلال.
     فليس يجب إذا دلّت الدّلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن يقتصر بها عليه ، بل يجب أن يحملها على الحقيقة الّتي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع؛ على أن لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة ، ثمّ يقول مع ذلك إنّا : « عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ » ، ويشير ب ـ الفضل المبين إلى العِلم والمال جميعاً ، فله بالأمرين جميعاً فضلٌ على من لم يكن عليهما؛ وقوله : « وَاُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء » يحتمل المال ، كما يحتمل العلم ، فليس بخالص ما ظنّه.
1 ـ فاطر : 32.
2 ـ النمل : 16.


(394)
     فأمّا قوله في قصّة زكريا : إنّه خاف على العلم أن يندرس ، لأنّ الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ، وإنّما خاف أن يضيع العلم ، فسأل الله تعالى وليّاً يقوم بالدين مقامه؛ فقد بيّنا أنّ الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ولا يبخلون بها ، فإنّهم يجتهدون في منع المفسدين من الانتفاع بها على الفساد ، ولا يعدّ ذلك بخلاً ولا حرصاً ، بل فضلاً وديناً؛ وليس يجوز من زكريا أن يخاف على العلم الاندراس والضياع ، لأنّه يعلم أن حكمة الله تعالى تقتضي حفظ العلم الّذي هو الحجة على العباد ، وبه تنزاح عللهم في مصالحهم ، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله!
     فإن قيل : فهبوا أنّ الأمر كما ذكرتم من أنّ زكريا كان يأمن على العلم أن يندرس؛ أليس لابدّ أن يكون مجوزاً أن يحفظه الله تعالى بمن هو من أهله وأقاربه ، كما يجوز حفظه بغريب أجنبي! فما أنكرتم أن يكون خوفه إنّما كان من بني عمّه ألا يتعلّموا العلم ولا يقوموا فيه مقامه ، فسأل الله ولداً يجمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته ، ويتعدّى إلى غير قومه ، فيلحقه بذلك وصمة!
     قلنا : أما إذا رتّب السؤال هذا الترتيب ، فالجواب عنه ما أجبنا به صاحب الكتاب ، وهو أنّ الخوف الّذي أشاروا إليه ليس من ضرر ديني ، وإنّما هو من ضررٍ دنياوي ، والأنبياء إنّما بُعِثوا لتحمل المضار الدنياوية ، ومنازلهم في الثواب إنّما زادت على كل المنازل لهذا الوجه ، ومن كانت حاله هذه الحال ، فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم وجهه بعينه أن يكون محمولاً على مضار الدين ، لأنّها هي جهة خوفهم ، والغرض في بعثهم تحمّل ما سواها من المضارّ.
     فإذا قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أنا خائف ، فلم يعلم جهة خوفه على التفصيل ، يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضار الدين دون الدنيا ، لأنّ أحوالهم وبعثهم يقتضي ذلك ، فإذا كنّا لو اعتدنا من بعضنا الزهد في الدنيا وأسبابها ، والتعفّف عن منافعها ،


(395)
والرغبة في الآخرة ، والتفرّد بالعمل لها ، لكنّا نحمل على ما يظهر لنا من خوفه الّذي لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه وأليق بحاله ، ونضيفه إلى الآخرة دون الدنيا ، وإذا كان هذا واجباً فيمن ذكرناه فهو في الأنبياء ( عليهم السلام ) أوجب.
     قلت : ينبغي ألا يقول المعترض فيلحقه بذلك وصمة ، فيجعل الخوف من هذه الوصمة ، بل يقول : إنّه خاف ألاّ يُفلح بنو عمّه ولا يتعلّموا العلم ، لما رأى من الأمارات الدالة على ذلك ، فالخوف على هذا الترتيب يتعلّق بأمر ديني لا دنيوي ، فسأل الله تعالى أن يرزقه ولداً يرث عنه علمه ، أي يكون عالماً بالدينيات كما أنا عالم بها.
     وهذا السؤال متعلّق بأمر ديني لا دنيوي ، وعلى هذا يندفع ما ذكره المرتضى؛ على أنّه لا يجوز إطلاق القول بأنّ الأنبياء بُعِثوا لتحمل المضار الدنياوية ، ولا القول : الغرض في بعثتهم تحمل ما سوى المضار الدينية من المضار ، فإنّهم ما بعثوا لذلك ، ولا الغرض في بعثتهم ذلك ، وإنّما بعثوا لأمرٍ آخر ، وقد تحصل المضار في أداء الشرع ضمناً وتبعاً ، لا على أنّها الغرض ، ولا داخلة في الغرض.
     وعلى أنّ قول المرتضى : لا يجوز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره ، لأنّه محفوظ من الله ، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله؛ غير مستمرّ على أصوله ، لأنّ المكلّفين الآن قد حُرموا بغيبة الإمام عنده ألطافاً كثيرة الوصلة بالشرعيات كالحدود وصلاة الجمعة والأعياد ، وهو وأصحابه يقولون في ذلك إن اللوم على المكلّفين؛ لأنّهم قد حرموا أنفسهم اللطف ، فهلاّ جاز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره ، وإفساد الأحكام الشرعية! لأنّه إنّما يجب على الله تعالى التبليغ بالرسول إلى المكلّفين ، فإذا أفسدوا هم الأديان وبدّلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم ، لأنّهم هم الّذين حرموا أنفسهم اللطف.


(396)
     واعلم أنّه قد قرئ : « وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي » (1) ؛ وقيل : إنّها قراءة زين العابدين وابنه محمّد بن عليّ الباقر ( عليهم السلام ) وعثمان بن عفّان. وفسّروه على وجهين :
     أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي ، أي قلّت الموالي وعجزوا عن إقامة الدين ، تقول : قد خفّ بنو فلان ، أي قلّ عددهم ، فسأل زكريا ربّه تقويتهم ومظاهرتهم بوليٍّ يرزقه.
     وثانيهما أن يكون ورائي بمعنى قدّامي ، أي خفّ الموالي وأنا حيّ ودرجوا وانقرضوا ، ولم يبق منهم من به اعتضاد ، وعلى هذه القراءة لا يبقى متعلّق بلفظة الخوف.
     وقد فسر قوم قوله : « وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ » ، أي خفت الّذين يلون الأمر من بعدي ، لأنّ المولى يستعمل في الوالي ، وجمعه موالٍ ، أي خفت أن يلي بعد موتي أمراء ورؤساء يُفسدون شيئاً من الدين ، فارزقني ولداً تُنعِم عليه بالنبوّة والعلم ، كما أنعمت عليّ ، واجعل الدين محفوظاً به؛ وهذا التأويل غير منكر ، وفيه أيضاً دفع لكلام المرتضى.
     قال المرتضى : وأمّا تعلّق صاحب الكتاب في أنّ الميراث محمول على العلم بقوله : « وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » (2) ؛ لأنّه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة وإنّما يرث ذلك غيره ، فبعيد من الصواب؛ لأنّ ولد زكريا يرث بالقرابة من آل يعقوب أموالهم ، على أنّه لم يقل : يرث آل يعقوب ، بل قال : « يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » ، تنبيهاً بذلك على أنّه يرث من كان أحقّ بميراثه في القرابة.
     فأمّا طعنه على من تأول الخبر بأنّه ( عليه السلام ) لا يورث ما تركه للصدقة بقوله : إنّ
1 ـ مريم : 5.
2 ـ مريم : 6.


(397)
أحداً من الصحابة لم يتأوّله على هذا الوجه ، فهذا التأويل الّذي ذكرناه أحد ما قاله أصحابنا في هذا الخبر ، فمن أين له إجماع الصحابة على خلافه! وإنّ أحداً لم يتأوّله على هذا الوجه.
     فإن قال : لو كان ذلك لظهر واشتهر ، ولوقف أبو بكر عليه ، فقد مضى من الكلام فيما يمنع من الموافقه على هذا المعنى ما فيه كفاية.
     قلت : لم يكن ذلك اليوم ـ أعني يوم حضور فاطمة ( عليها السلام ) ، وقولها لأبي بكر ما قالت _ يوم تقيّة وخوف ، وكيف يكون يوم تقيّة وهي تقول له وهو الخليفة : يابن أبي قُحافة ، أترث أباك ولا أرث أبي! وتقول له أيضاً : لقد جئت شيئاً فريّا! فكان ينبغي إذا لم يؤثر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يفسّر لأبي بكر معنى الخبر أن يُعلِم فاطمة ( عليها السلام ) تفسيره ، فتقول لأبي بكر : أنت غالط فيما ظننت ، إنّما قال أبي : ما تركناه صدقة فإنّه لا يورث.
     واعلم أنّ هذا التأويل كاد يكون مدفوعاً بالضرورة ، لأنّ من نظر في الأحاديث الّتي ذكرناها وما جرت عليه الحال يعلم بطلانه علماً قطعيّاً.
     قال المرتضى : وقوله : إنّه لا يكون إذ ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزية؛ ليس بصحيح ، وقد قيل في الجواب عن هذا : إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجوز أن يريد أنّ ما ننوي فيه الصدقة ، ونفرده لها من غير أن نخرجه عن أيدينا لا تناله ورثتنا ، وهذا تخصيص للأنبياء ، ومزية ظاهرة.
     قلت : هذه مخالفة لظاهر الكلام ، وإحالة للّفظ عن وضعه ، وبين قوله : ما ننوي فيه الصدقة ، وهو بعد في ملكنا ليس بموروث؛ وقوله : ما نخلّفه صدقة ليس بموروث فرق عظيم ، فلا يجوز أن يُراد أحد المعنيين باللفظ المفيد للمعنى الآخر ، لأنّه إلباسٌ وتعمية.
     وأيضاً ، فإنّ العلماء ذكروا خصائص الرسول في الشرعيات عن أمته وعدّدوها ، نحو حل الزيادة في النكاح على أربع ، ونحو النكاح بلفظ الهبة على قول فرقةٍ من


(398)
المسلمين ، ونحو تحريم أكل البصل والثوم عليه ، وإباحة شرب دمه ، وغير ذلك ، ولم يذكروا في خصائصه أنّه إذا كان قد نوى أن يتصدّق بشيء فانّه لا يناله ورثته ، لو قدرنا أنّه يورث الأموال ، ولا الشيعة قبل المرتضى ذكرت ذلك ، ولا رأيناه في كتابٍ من كتبهم ، وهو مسبوق بإجماع طائفته عليه ، وإجماعهم عندهم حجّة.
     قال المرتضى : فأمّا قوله : إنّ قوله ( عليه السلام ) : ما تركناه صدقة ، جملة من الكلام مستقلة بنفسها ، فصحيح إذا كانت لفظة ما مرفوعةً على الابتداء ، ولم تكن منصوبةً بوقوع الفعل عليها ، وكانت لفظة صدقة أيضاً مرفوعة غير منصوبة ، وفي هذا وقع النزاع؛ فكيف يدّعي أنّها جملة مستقلة بنفسها! وأقوى ما يمكن أن نذكره أن نقول : الرواية جاءت بلفظ صدقةٌ بالرفع ، وعلى ما تأوّلتموه لا تكون إلاّ منصوبةً ، والجواب عن ذلك أنّا لا نسلّم الرواية بالرفع ، ولم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الإعراب ، والاشتباه يقع في مثله ، فمن حقّق منهم وصرّح بالرواية بالرفع يجوز أن يكون اشتبه عليه فظنّها مرفوعة ، وهي منصوبة.
     قلت : وهذا أيضاً خلاف الظاهر ، وفتح الباب فيه يؤدّي إلى إفساد الاحتجاج بكثير من الأخبار.
     أقول : سيأتي في الخاتمة وقفة ايضاح واستيضاح حول هذا الحديث المزعوم وروايته في الصحاح فراجع ، كما سيأتي ذكر مناظرة الشيخ المفيد مع أبي علي بن شاذان برواية الإمام أبي الوليد الباجي المالكي في كتابه المنتقى شرح الموطأ لمالك ، وهي حريّة بالمراجعة. على أن قراءة ( صدقة ) بالنصب إن لم تكن هي المتعينة ، فلا أقل من طرق الإحتمال ، وذلك يبطل على الخصم قراءة الرفع عند الاستدلال.
     قال : وأمّا حكايته عن أبي عليّ أنّ أبا بكر لم يدفع إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) السيف والبغلة والعمامة على جهة الإرث؛ وقوله : كيف يجوز ذلك مع الخبر الّذي


(399)
رواه! وكيف خصّصه بذلك دون العم الّذي هو العصبة! فما نراه زاد على التعجّب ، ومما عجب منه عجبنا ، ولم يثبت عصمة أبي بكر فينتفي عن أفعاله التناقض.
     قلت : لا يشكّ أحد في أنّ أبا بكر كان عاقلاً ، وإن شكّ قوم في ذلك ، فالعاقل في يومٍ واحد لا يدفع فاطمة ( عليها السلام ) عن الإرث ويقول : إنّ أباكِ قال لي : إنّي لا أورث ، ثمّ يورث في ذلك اليوم شخصاً آخر من مال ذلك المتوفى الّذي حكى عنه أنّه لا يورث ، وليس انتفاء هذا التناقض عن أفعاله موقوفاً على العصمة ، بل على العقل (1).
     قال المرتضى : وقوله يجوز أن يكون النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نَحَله إيّاه ، وتركه أبو بكر في يده ـ لِمَا في ذلك من تقوية الدين ـ وتصدّق ببدله؛ وكلّ ما ذكره جائز ، إلاّ أنّه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها ، والحجّة عليها ، ولم يظهر من ذلك شيء فنعرفه ، ومن العجائب أن تدّعي فاطمة فَدَك نحلةً ، وتستشهد على قولها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وغيره ، فلا يُصغى إلى قولها ، ويترك السيف والبغلة والعمامة في يد أمير المؤمنين على سبيل النَّحْلة بغير بيّنة ظهرت ، ولا شهادةٍ قامت!
     قلت : لعل أبا بكر سمع الرسول ( عليه السلام ) وهو ينحل ذلك عليّاً ( عليه السلام ) ، فلذلك لم يحتج إلى البيّنة والشهادة ، فقد روي أنّه أعطاه خاتمه وسيفه في مرضه وأبو بكر حاضر ، وأما البغلة فقد كان نحله إيّاها في حجة الوداع على ما وردت به الرواية؛ وأما العمامة فسلب الميّت ، وكذلك القميص والحجزة والحذاء ، فالعادة أن يأخذ ذلك ولد الميّت؛ ولا ينازع فيه لأنّه خارج ، أو كالخارج عن التركة ، فلما
1 ـ من أين علم ابن أبي الحديد انّ الشريف المرتضى ( قدّس سرّه ) قال بأنّ أبا بكر دفع السيف والعمامة للإمام ( عليه السلام ) في نفس اليوم الذي منع فيه فاطمة ( عليها السلام ) ميراثها, وليس في كتاب الشافي ما يشير إلى ذلك, فما قاله اجتهاد منه على غير علم أو قلة فهم!

(400)
غُسِّلَ ( عليه السلام ) أخذت ابنته ثيابه الّتي مات فيها ، وهذه عادة الناس (1) ، على أنّا قد ذكرنا في الفصل الأوّل كيف دفع إليه آلة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ودابته ، والظاهر أنّه فعل ذلك اجتهاداً لمصلحةٍ رآها؛ وللإمام أن يفعل ذلك.
     قال المرتضى : على أنّه كان يجب على أبي بكر أن يبيّن ذلك ، ويذكر وجهه بعينه ، لمّا نازع العباس فيه ، فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت.
     قلت : لم ينازع العباس في أيّام أبي بكر ، لا في البغلة والعمامة ونحوها ، ولا في غير ذلك ، وإنّما نازع عليّاً في أيام عمر ، وقد ذكرنا كيفية المنازعة ، وفيماذا كانت.
     قال المرتضى ( رضي الله عنه ) في البُردة والقضيب : إن كان نحلةً ، أو على الوجه الآخر ، يجري مجرى ما ذكرناه في وجوب الظهور والاستشهاد ، ولسنا نرى أصحابنا _ يعني المعتزلة (2) ـ يطالبون أنفسهم في هذه المواضع بما يطالبوننا بمثله إذا ادعينا وجوهاً وأسباباً وعللاً مجوّزة ، لأنّهم لا يقنعون منّا بما يجوز ويمكن؛ بل يوجبون فيما ندّعيه الظهور والاستشهاد ، وإذا كان هذا عليهم نسُوه أو تناسوه.
     قلت : أمّا القضيب فهو السيف الّذي نحله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً ( عليه السلام ) في مرضه ، وليس بذي الفقار ، بل هو سيفٌ آخر؛ وأما البُردة فإنّه وهبها كعب بن زهير ، ثمّ صار هذ السيف وهذه البردة إلى الخلفاء ، بعد تنقلات كثيرة مذكورة في كتب التواريخ (3).
1 ـ هذا تبرير للخطأ وليس عليه شاهد.
2 ـ قول الشريف ـ أصحابنا يعني المعتزلة ـ لا يدل على اعتزاله, بل من نحو قول الله تعالى : « قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب » ، [الكهف : 37].
3 ـ وفي ذلك قال شاعر أهل البيت ( عليهم السلام ) :
ردّوا تراث محمّد ردّوا ليس القضيب لكم ولا البرد
المحسن السبط ::: فهرس