قال المرتضى : فأما قوله : فإنّ أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إنّما طلبن الميراث لأنّهنّ لم يعرفنَ رواية أبي بكر للخبر ، وكذلك إنّما نازع عليّ ( عليه السلام ) بعد موت فاطمة ( عليها السلام ) في الميراث لهذا الوجه ، فمن أقبح ما يقال في هذا الباب ، وأبعدِه عن الصواب!
وكيف لا يعرف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) رواية أبي بكر ، وبها دُفعت زوجته عن الميراث! وهل مثل ذلك المقام الّذي قامته ، وما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد ، فضلاً عمّن هو في المدينة حاضر شاهد يراعي الأخبار ، ويُعنى بها! إنّ هذا لخروج في المكابرة عن الحدّ!
وكيف يخفى على الأزواج ذلك حتى يطلبنه مرّة بعد آخرى ، ويكون عثمان الرسول لهنّ ، والمطالب عنهنّ ، وعثمان على زعمهم أحد من شهد أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يورث؛ وقد سمعن على كل حال أنّ بنت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم تورث ماله ، ولابدّ أن يكنّ قد سألن عن السبب في دفعها ، فذكر لهنّ الخبر ، فكيف يقال : إنّهن لم يعرفنه!
قلت : الصحيح أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم ينازع بعد موت فاطمة في الميراث ، وإنّما نازع في الولاية لِفَدك وغيرها من صدقات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وجرى بينه وبين العباس في ذلك ما هو مشهور ، وأما أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فما ثبت أنهنّ نازعن في ميراثه ، ولا أنّ عثمان كان المرسل لهنّ ، والمطالب عنهنّ ، إلاّ في رواية شاذة (1).
1 ـ أقول : روى البخاري في صحيحه في ( باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إليهم في آية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) 5 : 90 ط بولاق بسنده عن عروة.. ان عائشة زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) تقول : أرسل أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء الله على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) فكنت أردهنّ فقلت لهنّ : ألا تتقين الله؟! ألم تعلمن أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يقول : ( لا نورث ما تركنا صدقة ) _ يريد بذلك نفسه ـ إنّما يأكل آل محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في هذا المال؟ فانتهى أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى ما أخبرتهنّ .... فهذه رواية البخاري في صحيحه عن عائشة ومع ذلك يصفها ابن أبي الحديد بأنّها رواية شاذة, ومن يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة.
(402)
والأزواج لمّا عرفن أنّ فاطمة ( عليها السلام ) قد دُفِعتْ عن الميراث أمسكن ، ولم يكنّ قد نازعن ، وإنّما اكتفين بغيرهنّ ، وحديث فَدَك وحضور فاطمة عند أبي بكركان بعد عشرة أيام من وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والصحيح أنّه لم ينطق أحدٌ بعد ذلك من الناس من ذكر أو أنثى بعد عود فاطمة ( عليها السلام ) من ذلك المجلس بكلمة واحدة في الميراث.
قال المرتضى : فإن قيل : فإذا كان أبو بكر قد حكم بالخطأ في دفع فاطمة ( عليها السلام ) عن الميراث ، واحتجّ بخبرٍ لا حجّة فيه ، فما بال الأمّة أقرته على هذا الحكم ، ولم تُنكِر عليه ، وفي رضاها وإمساكها دليلٌ على صوابه!
قلت : قد مضى أنّ ترك النّكير لا يكون دليل الرضا إلاّ في هذا الموضع الّذي لا يكون له وجه سوى الرضا ، وذكرنا في ذلك قولاً شافياً ، وقد أجاب أبو عثمان الجاحظ في كتاب ( العباسية ) عن هذا السؤال جواباً حسن المعنى واللفظ ، نحن نذكره على وجهه ، ليقابل بينه وبين كلامه في العثمانية وغيرها.
قلت : ما كنّاه المرتضى ( رحمه الله ) في غير هذا الموضع أصلاً ، بل كان ساخطاً عليه ، وكنّاه في هذا الموضع ، واستجاد قوله ، لأنّه موافق غرضه ، فسبحان الله ما أشد حبّ الناس لعقائدهم (1) !
قال : قال أبو عثمان : وقد زعم أناس أنّ الدليل على صدق خبرهما _ يعني أبا بكر وعمر _ في منع الميراث وبراءة ساحتهما ، ترك أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) النكير عليهما.
ثم قال : قد يقال لهم : لئن كان ترك النكير دليلاً على صدقهما ، ليكوننّ ترك النكير على المتظلمين والمحتجين عليهما ، والمطالبين لهما ، دليلاً على صدق دعواهم ، أو استحسان مقالتهم ، ولا سيما وقد طالت المناجاة ، وكثرت المراجعة
1 ـ ولنا أن نقول لابن أبي الحديد عن نفسه مثل قوله : فسبحان الله ما أشدّ حب الناس لعقائدهم ، فاستماتته في الدفاع عن شيخه أبي عليّ وعن الشيخين ما لا يحتاج إلى بيان أو إقامة برهان.
(403)
والملاحاة ، وظهرت الشكيّة ، واشتدّت الموجدة ، وقد بلغ ذلك من فاطمة ( عليها السلام ) حتى انّها أوصت ألاّ يصلّي عليها أبو بكر.
ولقد كانت قالت له حين أتته طالبةً بحقّها ، ومحتجّة لرهطها : مَنْ يرثك يا أبا بكر إذا متّ؟ قال : أهلي وولدي؛ قالت : فما بالنا لا نرث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) !
فلمّا منعها ميراثها ، وبخسها حقّها ، واعتلّ عليها ، وجلح في أمرها ، وعاينت التهضم ، وأيست من التورع ، ووجدت نشوة الضعف وقلّة الناصر ، قالت : والله لأدعونّ الله عليك ، قال : والله لأدعونّ الله لكِ؛ قالت : والله لا أكلّمك أبداً ، قال : والله لا أهجرك أبداً.
فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلاً على صواب منعها؛ إنّ في ترك النكير على فاطمة ( عليها السلام ) دليلاً على صواب طلبها! وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت ، وتذكيرها ما نسيت ، وصرفها عن الخطأ ، ورفع قدرها عن البذاء ، وأن تقول هجراً ، أو تجوّر عادلاً ، أو تقطع واصلاً؛ فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعاً فقد تكافأت الأمور ، واستوت الأسباب ، والرجوع إلى أصل حكم الله من المواريث أولى بنا وبكم ، وأوجب علينا وعليكم.
قال : فإن قالوا : كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها! وكلّما ازدادت عليه غلظةً ازداد لها ليناً ورقّة ، حيث تقول له : والله لا أكلّمك أبداً ، فيقول : والله لا أهجركِ أبداً ، ثمّ تقول : والله لأدعونّ الله عليك ، فيقول : والله لأدعونّ الله لكِ ، ثمّ يحتمل منها هذا الكلام الغليظ ، والقول الشديد في دار الخلافة ، وبحضرة قريش والصحابة ، مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه ، وما يجب لها من الرفعة والهيبة! ثمّ لم يمنعه ذلك أن قال معتذراً متقرّباً ، كلام المعظِّم لحقّها ، المُكبر لمقامها ، والصائن لوجهها ، المتحنّن عليها : ما أجد أعزّ عليّ منك فقراً ، ولا أحب إليّ منك غنىً ، ولكنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه فهو صدقة !
(404)
قيل لهم : ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم ، والسلامة من الجور ، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريباً ، وللخصومة معتاداً ، أن يُظهر كلام المظلوم ، وذلّة المنتصف وحدب الوامق ، ومِقَة المحقّ.
وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ، ودلالة واضحة ، وقد زعمتم أنّ عمر قال على منبره : مُتعتان كانتا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : متعة النساء ومتعة الحج ، أنا أنهى عنهما ، وأعاقب عليهما؛ فما وجدتم أحداً أنكر قوله ، ولا استشنع مخرج نهيه ، ولا خطّأه في معناه ، ولا تعجّب منه ، ولا استفهمه!
وكيف تقضون بترك النكير وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قال : الأئمة من قريش ؛ ثمّ قال في شكاته : لو كان سالمٌ حيّاً ما تخالجني فيه شكّ ، حين أظهر الشكّ في استحقاق كل واحد من الستّة الّذين جعلهم شورى ، وسالمٌ عبدٌ لامرأة من الأنصار ، وهي أعتقته وحازت ميراثه ، ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر ، ولا قابل إنسان بين قوله ، ولا تعجّب منه.
وإنّما يكون ترك النكير على مَنْ لا رغبة ولا رهبة عنده دليلاً على صدق قوله ، وصواب عمله ، فأمّا ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة ، والأمر والنهي ، والقتل والاستحياء ، والحبس والإطلاق ، فليس بحجة تشفي ولا دلالة تضيئ.
قال : وقال آخرون : بل الدليل على صدق قولهما ، وصواب عملهما ، إمساك الصحابة عن خلعهما ، والخروج عليهما ، وهم الّذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل ، ورد النصوص؛ ولو كان كما تقولون وما تصفون ، ما كان سبيل الأمة فيهما إلاّ كسبيلهم فيه ، وعثمان كان أعزّ نفراً ، وأشرف رهطاً ، وأكثر عدداً وثروة ، وأقوى عدة.
قلنا : إنّهما لم يجحدا التنزيل ، ولم ينكرا النصوص ، ولكنّهما بعد إقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة ادّعيا رواية ، وتحدّثا بحديث لم يكن
(405)
مُحالاً كونه ، ولا ممتنِعاً في حجج العقول مجيئُه ، وشهد لهما عليه من علّته مثل علّتهما فيه ، ولعلّ بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذا كان عَدلاً في رهطه ، مأموناً في ظاهره ، ولم يكن قبلَ ذلك عرفه بفَجْرة ، ولا جرت عليه غَدْرة ، فيكون تصديقه له على جهة حُسن الظنّ ، وتعديل الشاهد.
ولأنّه لم يكن كثيرٌ منهم يعرف حقائقَ الحجج ، والّذي يقطع بشهادته على الغيب ، وكان ذلك شبهة على أكثرهم ، فلذلك قلّ النّكير وتواكل الناس ، فاشتبه الأمر ، فصار لا يُتخلّص الى معرفة حقّ ذلك من باطله إلاّ العالمُ المتقدّم ، أو المؤيّد المرشد ، ولأنّه لم يكن لعثمان في صدور العوام ، وقلوب السَّفِلة والطَّغام ما كان لهما من المحبّة والهيبة ، ولأنّهما كانا أقلّ استئثاراً بالفيء ، وتفضّلاً بمالِ الله منه ، ومِن شأن الناس إهمال السلطان ما وفّر عليهم أموالَهم ، ولم يستأثر بخراجهم ، ولم يعطّل ثغورَهم.
ولأنّ الّذي صنع أبو بكر من منع العِتْرة حقّها ، والعمومة ميراثَها ، قد كان موافقاً لجلّة قريش وكبراءِ العرب ، ولأنّ عثمان أيضاً كان مضعوفاً في نفسه ، مستخفّاً بقدره ، لا يمنع ضَيْماً ، ولا يَقمَع عدوّاً؛ ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذف والتشنيع والنكير ، لأمور لو أتى أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترؤا على اغتيابه ، فضلاً على مبادأته والإغراء به ومواجهته ، كما أغلظ عُيَينةُ بن حِصْن له فقال له : أما إنّه لو كان عمر لقمَعَك ومَنَعك؛ فقال عُيينة : إنّ عمر كان خيراً لي منك ، أرهبني فاتّقاني.
ثم قال : والعجب أنّا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد ، يردّ كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب إسناداً ، وأصحّ رجالاً ، وأحسن اتّصالاً؛ حتّى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) نسخوا الكتاب ، وخصّوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما ردّوه ، وأكذبوا قائليه ، وذلك أنّ كلّ إنسان منهم إنّما يجري إلى هواه ، ويصدّق ما وافق رضاه. ( هذا آخر كلام الجاحظ ).
(406)
ثم قال المرتضى ( رضي الله عنه ) : فإن قيل : ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير ، وقوله : كما لم ينكروا على أبي بكر ، فلم ينكروا أيضاً على فاطمة ( عليها السلام ) ولا على غيرها من الطالبين بالإرث ، كالأزواج وغيرهنّ معارضة صحيحة ، وذلك أنّ نكير أبي بكر لذلك ، ودفعها والاحتجاج عليها ، يكفيهم ويغنيهم عن تكلّف نكير آخر ، ولم ينكر على أبي بكر ما رواه منكر فيستغنوا بإنكاره.
قلنا : أوّل ما يُبطل هذا السؤال أنّ أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد احتجاجها من التظّلم والتألّم ، والتعنيف والتبكيت ، وقولها على ما روى : والله لأدعونّ الله عليك ، ولا أكلّمك أبداً ، وما جرى هذا المجرى؛ فقد كان يجب أن ينكره غيره ، ومن المنكَر الغضب على المنصف ، وبعد ، فإن كان إنكار أبي بكر مقنعاً ومغنياً عن إنكار غيره من المسلمين ، فإنكار فاطمة حكمه ، ومقامها على التظلّم منه مغنٍ عن نكير غيرها؛ وهذا واضح.
القسم الثالث : في أنّ فدك هل صحّ كونها نِحْلَة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة ( عليها السلام ) أم لا؟!
نذكر في هذا القسم ما حكاه المرتضى عن قاضي القضاة في ( المغني ) ، وما اعترض به عليه ، ثمّ نذكر ما عندنا في ذلك.
قال المرتضى حاكياً عن قاضي القضاة : وممّا عظمت الشيعة القول في أمر فَدَك ، قالوا : وقد روى أبو سعيد الخدري أنّه لما أنزلت : « وَآتِ ذَا القُرْب ـ َى حَقَّهُ » (1) ، أعطى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة ( عليها السلام ) فَدَك ، ثمّ فعل عمر بن عبد العزيز مثل ذلك ، فردّها على ولدها. قالوا : ولا شكّ أن أبا بكر أغضبها؛ إن لم يصحّ كل الّذي روي في هذا الباب ، وقد كان الأجمل أن يمنعهم التكرّم ممّا ارتكبوا منها فضلاً
1 ـ الإسراء : 26.
(407)
عن الدين ، ثمّ ذكروا أنّها استشهدت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأمّ أيمن ، فلم يقبل شهادتهما ، هذا مع تركه أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حجرهنّ ، ولم يجعلها صدقة ، وصدقهنّ في ذلك أنّ ذلك لهنّ ولم يصدّقها.
قال : والجواب عن ذلك أنّ أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح؛ ولسنا ننكر صحّة ما روى من ادعائها فَدَك ، فأمّا أنّها كانت في يدها فغير مسلم ، بل إن كانت في يدها لكان الظاهر أنّها لها ، فإذا كانت في جملة التركة فالظاهر أنّها ميراث ، وإذا كان كذلك فغير جائز لأبي بكر قبول دعواها ، لأنّه لا خلاف في أنّ العمل على الدعوى لا يجوز ، وإنّما يعمل على مثل ذلك إذا علمت صحّته بمشاهدة ، أو ما جرى مجراها ، أو حصلت بيّنة أو إقرار ، ثمّ إنّ البينة لابدّ منها ، وإنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لما خاصمه اليهودي حاكمه ، وأنّ أم سلمة الّتي يطبق على فضلها لو ادعت نحلاً ما قبلت دعواها.
ثم قال : ولو كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هو الوالي ، ولم يعلم صحة هذه الدعوى ، ما الّذي كان يجب أن يعمل؟ فإن قلتم : يقبل الدعوى ، فالشرع بخلاف ذلك ، وإن قلتم : يلتمس البينة ، فهو الّذي فعله أبو بكر.
ثم قال : وأما قول أبي بكر : رجل مع الرجل ، وامرأة مع المرأة ، فهو الّذي يوجبه الدين ، ولم يثبت أنّ الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، بل الرواية المنقولة أنّه شهد لها مولى لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مع أمّ أيمن.
قال : وليس لأحد أن يقول : فلماذا ادّعت ولا بيّنة معها ، لأنّه لا يمتنع أن تجوّز أن يحكم أبو بكر بالشاهد واليمين ، أو تجوز عند شهادة من شهد لها أن تذكر غيره فيشهد ، وهذا هو الموجب على ملتمس الحقّ ، ولا عيب عليها في ذلك ، ولا على أبي بكر في التماس البيّنة ، وإن لم يحكم لها لما لم يتمّ ولم يكن لها خصم ، لأنّ التركة صدقة على ما ذكرنا ، وكان لا يمكن أن يعوّل في ذلك على يمين أو نكول ، ولم يكن في الأمر إلاّ ما فعله.
(408)
قال : وقد أنكر أبو عليّ ما قاله السائل من أنّها لما ردّت في دعوى النحلة ادعته إرثاً ، وقال : بل كان طلبت الإرث قبل ذلك ، فلما سمعت منه الخبر كفّت وادعت النحلة.
قال : فأما فِعل عمر بن عبد العزيز فلم يثبت أنّه ردّه على سبيل النحلة ، بل عمل في ذلك ما عمله عمر بن الخطاب بأن أقرّه في يد أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) ليصرف غلاتها في المواضع الّتي كان يجعلها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيه ، فقام بذلك مدّة ، ثمّ ردّها إلى عمر في آخر سنته ، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز؛ ولو ثبت أنّه فعل بخلاف ما فعل السلف لكان هو المحجوج بفعلهم وقولهم.
وأحدُ ما يقوّى ما ذكرناه أنّ الأمر لما انتهى إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ترك فَدَك على ما كان ، ولم يجعله ميراثاً لولد فاطمة ، وهذا يبيّن أنّ الشاهد كان غيره ، لأنّه لو كان هو الشاهد لكان الأقرب أن يحكم بعلمه؛ على أنّ الناس اختلفوا في الهبة إذا لم تقبض ، فعند بعضهم تستحقّ بالعقد ، وعند بعضهم أنّها إذا لم تقبض يصير وجودها كعدمها ، فلا يمتنع من هذا الوجه أن يمتنع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من ردّها ، وإن صحّ عنده عقد الهبة ، وهذا هو الظاهر ، لأنّ التسليم لو كان وقع لظهر أنّه كان في يدها ، ولكان ذلك كافياً في الاستحقاق.
فأمّا حجر أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) فإنّما تركت في أيديهنّ لأنّها كانت لهنّ ، ونصّ الكتاب يشهد بذلك ، وقوله : « وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ » (1). وروى في الأخبار أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) قسّم ما كان له من الحجر على نسائه وبناته ، ويبيّن صحة ذلك أنّه لو كان ميراثاً أو صدقة لكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لمّا أفضى الأمر إليه يغيّره.
قال : وليس لأحد أن يقول : إنّما لم يغيّر ذلك لأنّ الملك قد صار له ، فتبرّع به ، وذلك أنّ الّذي يحصل له ليس إلاّ ربع ميراث فاطمة ( عليها السلام ) ، وهو الثمن من ميراث
1 ـ الأحزاب : 33.
(409)
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد كان يجب أن ينتصف لأولاد العباس وأولاد فاطمة منهنّ في باب الحجر ، ويأخذ هذا الحقّ منهنّ ، فتركه ذلك يدلّ على صحة ما قلناه ، وليس يمكنهم بعد ذلك إلاّ التعلق بالتقيّة ، وقد سبق الكلام فيها.
قال : ومما يذكرونه أنّ فاطمة ( عليها السلام ) لغضبها على أبي بكر وعمر أوصت ألاّ يصلّيا عليها ، وأن تدفن سرّاً منهما ، فدفنت ليلاً ، وهذا كما ادّعوا رواية رووها عن جعفر بن محمّد ( عليهما السلام ) وغيره ، أنّ عمر ضرب فاطمة ( عليها السلام ) بالسوط ، وضرب الزبير بالسيف ، وأنّ عمر قصد منزلها وفيه عليّ ( عليه السلام ) والزبير والمقداد وجماعة ممّن تخلّف عن أبي بكر وهم مجتمعون هناك ، فقال لها : ما أحد بعد أبيك أحبّ إلينا منك ، وأيم الله لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقنّ عليهم! فمنعت القوم من الاجتماع.
قال : ونحن لا نصدّق هذه الروايات ولا نجوّزها ، وأمّا أمر الصلاة فقد روى أنّ أبا بكر هو الّذي صلّى على فاطمة ( عليها السلام ) وكبّر عليها أربعاً ، وهذا أحد ما استدلّ به كثير من الفقهاء في التكبير على الميّت ، ولا يصحّ أيضاً أنّها دفنت ليلاً ، وإن صحّ ذلك فقد دفن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ليلاً ، ودفن عمر ابنه ليلاً ، وقد كان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يدفنون بالنهار ويدفنون بالليل ، فما في هذا مما يطعن به ، بل الأقرب في النساء أنّ دفنهنّ ليلاً أستر وأولى بالسنّة.
ثم حكى عن أبي عليّ تكذيب ما روي من الضرب بالسوط؛ قال : والمروي عن جعفر بن محمّد ( عليه السلام ) أنّه كان يتولاّهما ، ويأتي القبر فيسلّم عليهما مع تسليمه على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، روى ذلك عباد بن صُهيب ، وشعبة بن الحجاج ، ومهدي بن هلال ، والدَّراوَرْدي ، وغيرهم ، وقد روى عن أبيه محمّد بن عليّ ( عليه السلام ) ، وعن عليّ بن الحسين مثل ذلك.
فكيف يصحّ ما ادعوه! وهل هذه الرواية إلاّ كروايتهم على أنّ عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) هو إسرافيل ، والحسن ميكائيل ، والحسين جبرائيل ، وفاطمة ملك
(410)
الموت ، وآمنة أم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليلة القدر! فإن صدّقوا ذلك أيضاً قيل لهم : فعمر بن الخطاب كيف يقدر على ضرب ملك الموت! وإن قالوا : لا نصدّق ذلك ، فقد جوزوا ردّ هذه الروايات ، وصحّ أنّه لا يجوز التعويل على هذا الخبر ، وإنّما يتعلّق بذلك من غرضه الإلحاد كالوراق ، وابن الراوندي ، لأنّ غرضهم القدح في الإسلام.
وحكي عن أبي عليّ أنّه قال : ولما صار غضبها إن ثبت كأنّه غضب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من حيث قال : فمن أغضبها فقد أغضبني ، بأولى من أن يقال : فمن أغضب أبا بكر وعمر فقد نافق وفارق الدين ، لأنّه روى عنه ( عليه السلام ) قال : حب أبي بكر وعمر إيمان ، وبغضهما نفاق ، ومن يورد مثل هذا فقصده الطعن في الإسلام ، وأن يتوهّم الناس أن أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نافقوا مع مشاهدة الأعلام ليضعفوا دلالة العلم في النفوس.
قال : وأما حديث الإحراق فلو صحّ لم يكن طعناً على عمر ، لأنّ له أن يهدد من امتنع من المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين لكنّه غير ثابت ، انتهى كلام قاضي القضاة.
قال المرتضى : نحن نبتدئ فندلّ على أنّ فاطمة ( عليها السلام ) ما ادّعت من نحل فَدَك إلاّ ما كانت مصيبة فيه ، وأن مانعها ومطالبها بالبينة متعنّت ، عادل عن الصواب ، لأنّها لا تحتاج إلى شهادة وبينة ، ثمّ نعطف على ما ذكره على التفصيل ، فنتكلّم عليه.
أما الّذي يدلّ على ما ذكرناه ، فهو أنّها كانت معصومة من الغلط ، مأموناً منها فعل القبيح ، ومن هذه صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة وبينة.
فإن قيل : دلّلوا على الأمرين ، قلنا : بيان الأوّل قوله تعالى : « إنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » (1) والآية تتناول جماعة منهم
1 ـ الأحزاب : 33.