ومن جهة أخرى ينقدح سؤال مهم أيضاً وهو أنّ مريم عليها السلام ولدت نبياً وهو عيسى ، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام وكانت طريقة ولادتها بمجزة ربانية حيث حملت به من غير أب ، فهي إذن ليست ولدت شخصاً عادياً بل نبي من الأنبياء العظماء وهذا الحال لم يحدث لفاطمة عليها السلام لم تولد نبياً من غير زوج فما هو باب التفضيل والحال ان مريم محاطة ومحفوفة بالمعاجز فهذه الأمور تطرح ولابد أن تعالج واحدة ، ويجب على ذلك ألاّ نحمل العقائد على السذاجة وعلى العواطف والتقليد لأن التقليد يفيد في الأحكام الشرعية أما في العقائد فيجب على الإنسان أن يحملها عن وعي وإدراك واستدلال وفهم . لذا أصول الدين لا يجب أن يقلد فيها الآخرين بل التقليد في الفروع بأعتبار إنها تحتاج إلى تفحص وإفناء عمر في دراستها والبحث فيها وهذا لا يتسنى ولا يتيسر لكافة الناس فيكون الوجوب الكفائي فيها أما الأصول فيجب على الجميع ان يفهموها بوعي عميق وإستدلال ولا يكون الإنسان المتدين فيها ساذج وتبعى للآخرين بل لابد من أن يصل إليها بالتفكر والإستدلال ، وعليه تكون هذه الأسئلة مهمة من الناحية العقائدية ولا بدون فهمها بالدليل القرآني والسنتي فكيف نصل إلى غاية المطلوب وكيف نحصل على الجواب الصحيح فيها ؟ فنقول :
قبل ان نجيب على هذه الأسئلة وكيفية بنائها البناء الصحيح العقائدي وعلى ضوء القرآن والسنة نقدم مقدمة بسيطة وهي أن هذه الأسئلة والإشكالات التي تطرح حول فاطمة الزهراء عليها السلام ليست شبهات ولا إشكالات جديدة بل هي كانت مطروحة من زمن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم واللطيفة إن هذه الإشكالات والإثارات والشبهات هي في الحقيقة تخدمنا جداً ، لأنها تكون مربية ومعمقة لعقائدنا فنحن نجد الكثير من العقائد في حياتنا نمر عليها مرور الكرام إما عندما تثار الشبهات حول عقيدة معينة فكما تؤدي إلى زعزعة بعض النفوس الضعيفة كذلك تؤدي إلى أن يكون
أما الجواب على مسألة تفضيل الزهراء عليها السلام على مريم عليها السلام فيكون على شكل نقاط نذكرها لكي يتبين لنا الحق في ذلك :
1 ـ إن الحديث الذي بدأنا به البحث قال بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة وهذا القول يحمل نفس معنى أن فاطمة سيدة نساء العالمين لأن الجنّة فيها المؤمنات فقط والقديسات الطاهرات فتكون فاطمة سيدتهّن فمن باب الأولوية تكون فاطمة سيدتهنّ في الدنيا كما هي سيدتهّن في الآخرة فالمعنى واحد سواء في الدنيا أو في الجنّة .
2 ـ أن ما طرحه القرآن الكريم من كون مريم عليها السلام قد إصطفاها الله تعالى على نساء العالمين كان على لسان النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو الذي أخبرنا بالقرآن وهو الذي أوحي إليه من الله تعالى ، ونقول كذلك بإعتبار الرسول ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحي أخبرنا وبلغنا ان فاطمة سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين ومريم سيدة عالمها فكما بلغنا الرسول القرآن في الآيات الأولى من اصطفاء مريم كذلك بلغنا بقوله حول ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام والشاهد على قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه القصة هو ما ورد عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال : « ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان جالساً ذات يوم ، وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام » فقال : اللهم إنك تعلم ان هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس علي فأحب من أحبهم وأبغض من ابغضهم وأوالي من والاهم وأعادي من عاداهم ... إلى أن يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حق فاطمة ... وإنها لسيدة نساء العالمين . فقيل يا رسول الله ، أهي سيدة نساء عالمها ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ذاك لمريم بنت عمران ؛ فأما إبنتي فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من
فيكون الحديث الحديث بمثابة تحديد لاطلاق كلمة العالمين التي وردت في الآية القرآنية فتكون النتيجة أن مريم سيدة نساء عالمها وفاطمة سيدة نساء الاولين والآخرين .
3 ) أما القرآن الكريم فلقد وردت كلمة تفضيل على العالمين ليست لمريم فقط بل جاءت لبني إسرئيل ولانبياء بني إسرائيل فمثلاّ قوله تعالى ( واسماعيل واليسع ويونس ولوط وكلا فضلنا على العالمين ) (2) . فالآية الشريفة بينت أن الله تعالى فضلهم على العالمين هذا هو الظاهر منها ولكن من منا يقول إن هؤلاء الأنبياء أفضل من نبينا محمد صلى الله عليه وآل وسلم ، ولا يوجد أحد يقول ذلك فنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء ، بل هناك فرقاً شاسعاً بينه وبينهم وخاصة نحن نرى أن القرآن الكريم يقول ( وتلك رسلنا فضلنا بعضهم على بعض ) ... إذن بلسان القرآن الكريم ان هناك فرقاً بين الأنبياء وهناك تفضيل بينهم ، وهذا دليل واضح على أنهم ـ أي هؤلاء الأنبياء ـ أفضل أنبياء زمانهم ، إذ من القرآن الكريم نستفيد أن هذا الاطلاق يحمل تقييده معه أي يحمل قيده .
وهناك شواهد أخرى تدل على هذه المسألة المطروحة في المقام ، فهذا القرآن الكريم يقول ( يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ) . فالمعروف أن بني إسرائيل هم اليهود والقرآن يقول فضلتكم على العالمين فهل هناك إنسان مسلم أو مسيحي يقول أن اليهود أفضل من عليها أو أفضل من المسلمين ؟ لا شك ولا ريب لا أحد يقول بهذه المقالة إلا من كان منهم إذن ما معنى أني فضلتكم على العالمين ؟ هل لانه في زمانهم كثرة الأنبياء ؟ وهذا في الحقيقة لا يدل على
(1) أمالي الصدوق : 393 | ح 18 ، عنه البحار : 43 | 24 ح 20 | تأويل الآيات : 1 | 111 ح 17 نور الثقلين : 1 | 281 ح 135 . اثبات الهداة : 1 | 538 ح 166 . بشارة المصطفى : 218 روضة الواعظين 180 ، غاية المرام 52 ح 32 .
(2) الانعام : آية 86 .
إذن كثرة الأنبياء تدل على سقوط ذلك الشعب وكفره وإنتشار الفساد فيه وليس تدل على أفضلية ذلك الشعب ، وبني إسرائيل تلك الأمة المنحرفه والتي لازال شرها الى الآن على العالم الاسلامي بل على كل العالم كانت في الحقيقة أمة غير ناجحة وفاشله جداً والسبب في ذلك هو تمردها على انبياءها وعلمائها وقديّسيها وقادتها وهذا هو السبب في فشلهم ، وعلى هذا الاساس تكون كلمة الاصطفاء على العالمين مثل كلمة التفضيل إذن من نفس مفردات القرآن الكريم نستفيد من كلمة عالمين أي عالم زمانها سواء كانت كلمة عالمين في قضية تفضيل اليهود أو تفضيل الأنبياء أو تفضيل مريم عليها السلام ، فتكون كلمة عالمين يعني عالم زمانها ليس إلاّ .
4 ) روي أن زكريا كلما دخل على مريم عليها السلام وهي في محرابها ( وكان آنذاك رئيس الهيكل اليهودي فإهتم بها وتفقد شؤونها ) وجد عندها طعاماً وعهده بها أن لا يدخل عليها أحد ، فسألها متعجباً : أنى لك هذا ! ... قالت هو من عند الله ـ أي لا بواسطة أحد من الناس ـ أن الله يرزق من يشاء بغير حساب . ولا شك ولاريب أن هذه كرامة لمريم عليها السلام فهل في فاطمة الزهراء عليها السلام موجودة هذه الكرامة أن انها إختصت بمريم فقط فتكون مفضلة على الصديقة عليها السلام ؟ قلنا : نعم حدثت مثل هذه الكرامة لسيدة النساء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد جاء في تفسير روح البيان للشيخ اسماعيل حقي عند تفسير قوله تعالى حكاية عن مريم : ( هو من عند الله ) جاء في هذا التفسير ما نصه
5 ) واستدل الكثير من العامة والخاصة بأفضلية فاطمة عليها السلام على مريم وخصوصا ما تواتر عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم م الخاصة والعامة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم « فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها أغضبني » فهذا الحديث من المواترات وفيه دلاله على كونها من نور الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكونها لحمه ودمه فهو خاتم الرسل فانه تكون ابنته أفضل من ابنت عمران .
(1) الخرائج والجرائح : 528 ح 3 ، البحار : 43 | 27 ح 30 ، الثاقب في المناقب : 295 تفسير الثعلبي : 202 | ، فرائد السمطين : 2 | 51 ، ابن كثير البداية والنهاية : 6 | 111 وروح المعاني : 3 | 124 ، الدرر المنثور : 2 | 20 ، واحقاق الحق : 3 | 538 .
(2) ذخائر العقبى : 45 ، كفاية الطالب : 367 ، ووسيلة المآل : 89 ، ينابيع المودة : 199 ، كشف الغمة : 1 | 469 ، أمالي الطوسي : 2 | 228 البحار : 43 | 59 ح 51 .
6 ) إن فاطمة الزهراء عليها السلام أفضل من مريم بل هي سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين وهذا ما أثبته الحديث المروي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل : « ولقد كانت عليها السلام مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله ، من الجن والانس والطير والوحش والأنبياء والملائكة » (1) وكذلك ماورد في الحديث الشريف عن أهل بيت العصمة أنه « ما تكاملت نبوة نبي من الأنبياء حتى أقر بفضلها ومحبتها وهي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الاولى » (2) . فالذي يظهر من هذين الحديثين ان فاطمة مفروضة الطاعة على جميع الاولين والاخرين بما فيهم النساء والأنبياء والخلق كلهم وكذلك لا تتكامل نبوة نبي إلاّ أن يقر بفضلها ومحبتها ، فاذا كان حال الصديقة الكبرى هكذا مع الأنبياء فكيف مع مريم عليها السلام ولم تكن نبية ؟
7 ) ويمكن أن نستفيد من الحديث المروي عن شفاعة فاطمة الزهراء عليها السلام يوم القيامة وان لها الشفاعة الكبرى كما لأبيها رسول الله انها الافضل وانها سيدة نساء العالمين من الاولين والآخرين بينما لا يوجد عندنا نص في شفاعة مريم عليها السلام فلذلك يكون هذا الحديث المروي عن شفاعة فاطمة دليل على كونها سيدة نساء العالمين من الاولين والآخرين وإلا كيف يكون لها مقام الشفاعة ؟ واليك الحديث المروي في شفاعتها لمحبيها وشيعتها يوم القيامة .
* عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : لفاطمة وقفة على باب جهنم فاذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كلّ رجل : مؤمن أو كافر ، فيؤمر بمجب قد كثرة ذنوبه الى النار ، فتقرأ بين عينيه محباً ، فتقول : إلهي وسيدي سميتني فاطمة ، وفطمت بي من تولاني وتولى ذريتي من النار ، ووعدك الحقّ وأنت لا تخلف الميعاد . فيقول الله عزوجل : صدقت يا فاطمة إني سميتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولاك وأحب ذريتك وتولاهم من النار ، ووعدي الحق وأنا لا أخلف الميعاد وإنما
إننّا لا نتصور ولا نصدق على أن يكون هذا دليلاً على أفضلية مريم عليها السلام لماذا ؟ لأنّه بالنسبة لولادتها لعيسى عليه السلام وحملها به من غير أب يكون وحسب رأينا القاصر لسببين :
1 ـ إن مريم عليها السلام حملت بعيسى بهذه الطريقة لأنّه لم يكن في بني إسرائيل كفوء لها فمن من بني إسرائيل يستحق أن يكون زوجاً للقديسة الطاهرة وأباً لعيسى عليه السلام هذا من جهة ، ومن جهة أخرى إنّها نذرت نفسها لخدمة بيت الله آنذاك ولذلك كان اصطفاءها من قبل الله تعالى والدليل على عدم وجود كفوء لها إنها عندما حملت بعيسى وولدته فقدوها بني إسرائيل في المحراب فخرجوا في طلبها وخرج زكريا فأقبلت مريم وعيسى في صدرها وأقبلت مؤمنات بني إسرائيل يبزقن في وجهها فلم تكلمهن حتى دخلت في محرابها فجاء إليها بنو إسرائيل وزكريا فقالوا لها « يا مريم لقد جئت شيئاً فرّيا » أي شيئاً عظيماً في المناهي « يا أخت هارون ما كان أبوك إمرأ سوءٍ وما كانت أمّك بغيّا » ومعنى قولهم يا أخت هارون إن هارون هل كان رجلا فاسقاً زانياً فشبهوها به يعني أين هذا البلاء الذي جئت به والعار الذي ألزمته بني
إذن عندما جاءت إلى بني إسرائيل تحمل الطفل الكل شمتوا بها وانقلبوا عليها كما قال القرآن الكريم في ذلك « يا أخت هارون » يعني شماته ... والقرآن الكريم حكى جانب من شماتتهم فمريم عرفت انه ليس في بني إسرائيل لها ناصر ولا يذكر القرآن الكريم إنّ هناك من وقف مع مريم وانبرى للدفاع عنها مثلاً حتى يقول إنها كانت إمرأة طاهرة تاريخها نظيف ، هذه كانت صاحبة معجزات في أحضان نبي فلا بد أن نرى القضية قبل أن نحكم عليها بهذه السرعة ، فمن هذا القبيل لم يوجد رجل دافع عنها فاذاً كان هكذا موقفهم معها فأين يوجد الكفوء لها حتى تتزوج به وتكون ولادتها طبيعية فأذن لا يوجد كفوء لها يشاركها المعجزة والكرامة ويتحمل إلى جانبها مسؤولية السماء فالأكثرية بل الكل كانوا أناس غير ملتزمين والدليل على ذلك إننّا نجد أيضاً ، بعض أنصار الأنبياء جرحوا الأنبياء ، أصحاب موسى عليه السلام مثلا وهكذا فما كان هناك كفوء . بينما توفر الكفوء لفاطمة عليها السلام ألا وهو سيد الأوصياء وأمير الموحدين علي أبن أبي طالب أي نفس الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكما أخبر بذلك القرآن ، فتوفر الكفوء اذن دلالة على عدم الحاجة الى المعجزه ، هذا مانتصوره في الجواب الأوّل .
| بــنت النــبي الذي لولا هــدايـته | * | مــا كــان للـحق لاعــين ولاأثـر |
| هــي التــي ورثت حـقاً مـفاخره | * | والعطر فـيه الذي فــي الورد مــدّخر |
| تزوجت فـي السما بالمرتضى شــرفاً | * | والشمس يقرنها فــي الرتــبة القــمر |
2 ـ أما بالنسبة لمريم وانها ولدت نبياً ولم تلد فاطمة نبياً فهذا يرد عليه بأن ولادة النبياء في بني اسرائيل حتى وان كانت ولادتهم طبيعية أو غير طبيعية لا يدل ذلك أن الأنبياء من بني اسرائيل أفضل من أهل البيت عليهم السلم فلقد ثبت بالادلة القاطعه ان أهل البيت لا يدانيهم آل من الآل سواء آل عمران أو آل لوط ... وغيرهم ممن ذكرهم القرآن
إذن ولادة مريم لعيسى بالمعجزة الربانيّة وإنّه كان نبياً لا يدل أفضليتهما من الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام وعليه كل الأدلة المطروحة حول ذلك مردودة ، وهذا لا يعني إنّنا نطعن بشخصية مريم أو نريد أن نقلل من شأنها بل أتخذناها عظيمة من العظيمات وقسنا عليها عظماء الأمة .
والثمرة في هذا البحث من الناحية العقائدية وحسب ما نتصوره أنّه عندما ثبت أنّها سيدة نساء العالمين وأنها أفضل النساء من الأولين والآخرين فإنّه سوف يكون ظلمها وعدم رعاية حقها من قبل الذين ظلموها والذين رضوا بذلك ذا وبال عليهم
وكذلك أنّه متى ما عرفنا أنّه فاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين عرفنا عند ذلك انّ لها مقاماً سامياً وكرامة ربانيّة ، وخاصّة نحن نؤمن بأنّها كانت مفروضة الطاعة على جميع الخلق بما فيهم الملائكة والجنّ والأنبياء وإنّه ما تكاملت نبوة نبي حتى أقر بفضلها ومحبتها وعلى معرفتها دارت القرون الأولى ، كلّ ذلك له الأثر الكبير في أنّ يعمق ارتباطنا بفاطمة عليها السلام ويدخل حبها في قلوبنا وفي صميم عقائدنا ونزداد تقاعلاً مع ظلاماتها وماجرى عليها من الظلم والعدوان وعظيم المحن التي مرت عليها . وأخيراً نختم هذا البحث بما ورد من كلمات الأعلام حول ثبوت كونها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين والأمر لا يخلو من فائدة فيما نحن فيه ، وإليك أقوال المحدثين :
* قال ابن أبي الحديد : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مال إليها وأحبّها ، فازاد ماعند فاطمة بحسب زيادة ميله ، وأكرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إكراماً عظيماً أكثر ممّا كان الناس يظنّونه ، وأكثر من إكرام الرجال لبناتهم ، حتّى خرج بها عن حدّ الآباء للأولاد ؛ فقال بمحضر الخاصّ والعامّ مراراً لا مرّة واحدة ، وفي مقامات مختلفة لا في مقام واحدٍ « إنها سيّدة نساء العالمين ، وإنّها عديلة مريم بنت عمران ، وإنّها إذا مرّت في المواقف ناد منادٍ من جهة العرش : « يا أهل الموقف غضوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه وآله » ، وهذا من الأحاديث الصحيحة (1) ...
* وقال شهاب الدين الآلوسيّ : عن ابن عبّاس ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « أربع
إذ البضعيّة من روح الوجود وسيّد كلّ موجود ، لا أراها تقابل بشيء ، وأين الثرّيا من يد المتناول ؟ ومن هنا يعلم أفضليّتها على عائشة رضي الله تعالى عنها الذاهب إلى خلافها الكثير محتّجين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « خذوا ثلثي دينكم عن الحميراء » ...
وأنت تعلم ما في هذا الإستدلال ، وأنّه ليس بنصّ على أفضليّة الحميراء على الزهراء ، أمّا أوّلاً ، فلأنّ قصارى ما في الحديث الأوّل على تقدير ثبوته إثبات أنّها عالمة إلى حيث يؤخذ منها ثلثا الدين ، وهذا لا يدلّ على نفي العلم المماثل لعلمها عن بضعته علهي الصلاة والسلام ، ولعلمه صلى الله عليه وآله وسلم أنّها لاتبقي بعده زمناً معتدّاً به يمكن أخذ الدين منها فيه لم ـ يقل فيها ذلك ، ولو علم لربمّا قال : خذوا كلّ دينكم عن الزهراء ... على أنّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم « إنّي تركت فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي أهل بيتي ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض » يقوم مقام ذلك الخبر وزيادة كما لا يخفى . كيف لا ، وفاطمة رضي الله تعالى منها سيّدة تلك العترة (1) .
* وقال العلاّمة المجاهد السيّد شرف الدين رحمة الله : تفضيلها على مريم عليها السلام أمر مفروغ عنه عند أئمة العترة الطاهرة وأوليائهم من الإماميّة وغيرهم ، وصرّح بأفضليّتها على سائر النساء حتّى السيّدة مريم كثير من محققّي أهل السنّة والجماعة كالتقيّ السبكيّ ، والجلال السيوطيّ ، والبدر ، والزركشيّ ، والتقّي المقريزيّ ، وابن أبي داود ، والمناوي فيما نقله عنهم العلاّمة النبهاني في « فضائل الزهراء » ص 59 من كتابه « الشرف المؤبّد » ، وهذا هو الّذي صرّح به السيّد أحمد زيني دحلان مفتي الشافعيّة ونقله عن عدّة من أعلامهم ، وذلك حيث أورد تزويج فاطمة بعلّي في سيرته
وروي المجلسيّ « ره » قال : قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : قالت فاطمة سيّدة نساء العالمين من الأوليّن والآخرين ، وإنها لتقوم في محرابها فيسلّم عليها سبعون ألف ملك من المقرّبين ، وينادونها بما نادت به الملائكة مريم ، فيقولون : يا فاطمة « إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين » (4) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وآسية امرأة فرعون » . وفي رواية مقاتل والضحّاك وعكرمة عن ابن عباس : « وأفضلهنّ » (5) . وعن محمد بن سنان ، عن المفضّل قال : قلت لأبي عبد الله عليها السلام : أخبرني عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فاطمة : « إنّها سيّدة نساء العالمين » أهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين (6) . وعن الحسن بن زياد العطّار قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ، أسيّدة نساء عالمها ؟ قال : ذاك مريم ، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين (7) .
(1) هامش النصّ والاجتهاد : المورد ، 114 .
(2) إنما قال « عالمها » لأنّ عالمها أفضل من عالم مريم كما صرّح به المؤلف آنفاً . « فاطمة مهجة قلب المصطفى 95 .
(3) « السيرة الحلبيّة » : 2 | 6 .
(4) البحار : 43 | 49 ، وقد تقدم ، والآية في آل عمران ، 42 .
(5) العوالم : 11 | 46 ، 49 .
(6) نفس المصدر السابق .
(7) « العوالم » : 11 | 49 ، 51 .
وفي الحديث : إنّ أسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران ، وخديجه يمشين أمام فاطمة كالحجاب لها إلى الجّنة (2) .
* وروي السّيد الشبّر رحمه الله عن النبّي صلى الله عليه وآله وسلم : « فاطمة خير نساء أمتي إلاّ ما ولدته مريم » . ثمّ قال : وأحسن توجيهاته على تقدير صحّته أن تكون فيه « إلاّ » بمعنى الواو كما ذكره أهل العربيّة ، وحمّلوا عليه قوله تعالى « لئلاً يكون الناس عليكم حجّة إلاّ الّذين ظلموا » (3) ، ويكون المعنى أنّها خير نساء أمتّي وخير نساء أمّة ماولدته مريم وهو عيسى ؛ وخصّص تلك الامّة بالذكر لكثرة النساء الصالحات العابدات فيها دون أمم سائر الأنبياء (4) .
| شــجون تســتهل لهــا الدمـوع | * | وتـحرق مـن لواعـجها الضــلوع |
| وقفت على البـقيع فســأل طــرفي | * | وقــلبي فــالدموع هــيّ النـجيع |
| كأنّ مـــصيبة الزهــراء بــيت | * | بــقلبي للأســى وهــوّ البــقيع |
| أمــثل البــضعة الزهـراء تـجفى | * | ويـعفي قــبرها وهــوّ الرفــيع |
| ويــغصب حــقّها جـهراً وتـؤذى | * | بــحيث وصــية الهـادي تـضيع |
| تــصد عــن البكـاء عـلى أبـيها | * | فـتحبس فـي مــحاجرها الدمـوع |
| وتــقتطع الأراكــة حـــين تأوي | * | لظــلّ غــصونها كـف قــطيع |
| ويــحرق بــيتها بـالنار حـــقداً | * | ويــهتك ســترها وهــو المـنيع |
| ويكســر ضـلعها بـالباب عـصراً | * | فــيسقط حــملها وهـو الشــفيع |
| ويــدمي صـدرها المسـمار كسـراً | * | فـــينبع بــين ثــدييها النـجيع |
| ويــنثر قــرطها لطـما ويــلوى | * | عليها السوط والسـيف الصـنيع (1) |
| وحــمرة عــينها للــحشر تـبقى | * | بــها مـن كـفّ لاطـمها تشــيع |
| تــنوح فـتسمع الشكـوى وتــدعو | * | ومـا فـي المسـلمين لهـا ســميع |
| مــصائب بــالفظاعة قـد تـناهت | * | وكــلّ مــصيبةٍ خـطب فــظيع |
| قــضت المـاً مـن الزهــــراء | * | حشــاشة قــلبها وهـو المـروع |
( يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك ، ولولا عليّ لما خلقتك ؛ ولولا فاطمة لما خلقتكما ) (1) .
هذا الحديث من الأحاديث المأثورة التي رواها جابر بن عبدالله الانصاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تبارك وتعالى ومن المعلوم أن كلام الله تعالى جاء على قسمين أحدهما ماورد في القرآن الكريم والأخر ما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دون ان يكون له وجود في القرآن الكريم وهو ما يعبر عنه بالاحاديث القدسية التي خاطب بها الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولقد جمعت كثير من الكتب هذه الاحاديث القدسية مثل كتاب كلمة الله وكتاب الاحاديث القدسية عند الفريقين وغيرهما من الكتب والذي يهمنا في المقام هذا الحديث القدسي الذي جاء ليثبت للصديقة فاطمة عليها السلام كرامة أخرى ، ومنقبة عظمى وذلك من خلال التمعن في مدلولات هذا الحديث المبارك .
والخطاب هنا من الباري عزوجل لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن المعلوم لدينا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له عدة اسماء وردت على لسان القرآن الكريم مثل « مسجد » صلى الله عليه وآله وسلم ( ما كان محمداً أبا أحدٍ من رجالكم ) ومثل أحمد ( ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد ) ، وكذلك ياسين ، وغيرها من الأسماء التي جاءت بتعابير مختلفة ،
(1) الجنة العاصمة : 148 ، مستدرك سفينة البحار : 3 | 334 عن مجمع النورين : 14 ، عن العوالم : 44 .
قال آدم : يا رب ! هل خلقت أحداً من طين قبلي ؟ قال : لا ، يا آدم ؛
قال : من هؤلاء الخمسة الاشباح الذين أراهم في هيئتي وصورتي ؟
قال : هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك ، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من اسمائي لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ، ولا العرش ولا الكرسي ، ولا السماء ولا الأرض ، ولا الملائكة ولا الأنس ولا الجن ، فان المحمود وهذا محمد ، وأنا العالي وهذا علي وانا الفاطر وهذه فاطمة ، وأنا الاحسان وهذا الحسن ، وانا الحسن وهذا الحسين آليت بعزتي أنه لا يأتيني أحد بمثقال ذرة من خردل من بغض أحدهم الا أدخلته ناري ولا أبالي يا آدم ، هؤلاء صفوتي من خلقي بهم أنجيهم ، وبهم أهلكهم فاذا كان لك الي حاجة فبهؤلاء توسل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحن سفينة النجاة . من تعلق بها نجا ، ومن حاد عنها هلك ، فمن كان له إلى الله حاجة فليسأل بنا أهل البيت (1) .
أقول : يظهر من هذا الحديث عدة أمور مهمة تتطابق في مدلولاتها مع الحديث القدسي الذي نحن بشأن توضيحه ، فأنوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام مخلوقة قبل وجود آدم ، وأكد الحديث على أن علة خلق آدم هو من أجل هذه الانوار ـ حيث قال الله تعالى لادم : لولاهم ما خلقتك بل تجاوز الأمر إلى أن كل الموجودات هي مخلوقة بسببهم فالعرش والجنة والنار والكرسي والسماء والأرض والملائكة والإنس والجن كلهم لن يوجدوا لولا وجود انوار أهل البيت بما فيهم جدهم رسول