مما يؤسف له أن يعمد الجزائري للتدليل على حقائقه إلى اختلاق أحاديث مكذوبة ينسبها إلى الكافي ، لتكفير طائفة كبيرة من طوائف المسلمين.
ومع أن هذين الحديثين لا يشبهان أحاديث أهل البيت عليهم السلام ، ولم يسبق أن قرأتهما لا في الكافي ولا في غيره ، فإني بحثت عنهما فيه وفي باقي الكتب الأربعة فلم أجد لهذين الحديثين عيناً ولا أثراً.
نعم الذي وجدته مروياً في صفحة 107 من روضة الكافي بسند ضعيف (1) مكاتبة الإمام الكاظم عليهم السلام لعلي بن سويد ، وهي مشتملة على أجوبة مسائل عديدة سُئل عنها الإمام عليهم السلام.
ومما جاء في هذه المكاتبة قوله عليهم السلام : وسألتَ عن رجلين اغتصبا رجلاً مالاً كان ينفقه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وفي سبيل الله ، فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حمَّلاه إياه كرهاً فوق رقبته إلى منازلهما ، فلما أحرزاه تولَّيا إنفاقه ، أيبلغان بذلك كفراً ؟ فلعمري لقد نافقا قبل ذلك ، وردَّا على الله عز وجل كلامه ، وهزئا برسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهما الكافران ، عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وهذه الفقرة الأخيرة هي التي نقلها الجزائري في الحديث الذي احتج به بعد أن وضع لها سؤالاً من عنده ، ليلائم الغرض الذي يريده .
وكيف كان ، فلا يمكن أن نقول : إن المراد بالرجلين المذكورين في هذه المكاتبة أبو بكر وعمر ، إلا بحمل ألفاظ الحديث على ما لا تحتمله ، فإن المال
ثم كيف حمَّل أبو بكر وعمر عليًّا عليه السلام الخلافة إلى منازلهما لينفقا منها كيف شاءا ؟
وجواب الإمام عليه السلام بأن الرجلين المسؤول عنهما قد نافقا فيه بيان بأن الذي لا يسلَم المسلمون من يده ولسانه فليس بمسلم ، وإظهاره للإسلام إذا لم يعمل به هو ضرب من النفاق.
والحاصل أن تحريف الجزائري لهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أنه لم يعثر على حديث واضح يدلِّل به على حقيقته هذه ، وأن ما قاله من أن النصوص المروية في كتب الشيعة في تكفير أبي بكر وعمر لا تحصى كثرة ، غير صحيح.
وعلى كل حال فإنَّا لا ننكر أن في بعض كتب الشيعة أحاديث ظاهرها الطعن في بعض مَن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إلا أن هذه الأحاديث مع التسليم بصحتها ووضوح دلالتها لا تستلزم كفراً ، وإلا لزم تكفير الأمة جمعاء ، لأن كتب الشيعة إن كانت مشتملة على أحاديث ظاهرها الطعن في بعض الصحابة ، فكتب أهل السنة مملوءة بأحاديث كثيرة تطعن في بعض آخر منها ، بل فيها ما هو أدهى وأمَرّ ، وهو الطعن في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سيتّضح فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال الجزائري : وبعد أيها الشيعي ، فهل من المعقول الحكم بالكفر والردة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم حواريوه وأنصار دينه ، وحملة شريعته ، رضي الله عنهم في كتابه ، وبشَّرهم بجنَّته على لسان نبيِّه ، حمى
لقد أوضحنا آنفاً أنَّا لم نقل بكفر أو ارتداد أو فسق عامة الصحابة ، وبيَّنَّا بما لا مزيد عليه أن رأي الشيعة الإمامية في الصحابة هو أعدل الآراء ، وهو الموافق لآيات الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهَّرة.
والذي لا ينبغي إنكاره والمناقشة فيه أن بعض من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان منافقاً في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاته ، وأن بعضهم ارتد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما دلَّت عليه الأحاديث المتقدمة وغيرها ، ومن أنكر ذلك فهو مكابر متعصب عنيد ، أو جاهل بليد.
وأما أصحاب رسول الله المنتجبون ، وحواريوه وأنصار دينه وحملة شريعته ، الذين رضي الله عنهم في كتابه ، وبشّرهم بجنّته على لسان نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وحمى الله بهم الدين ، وأعزَّ بهم المسلمين ، فهؤلاء نتولاهم في الدنيا والآخرة ، وندعو لهم ، ونترحم عليهم.
وأما غيرهم من المنافقين وأعداء أمير المؤمنين وأهل بيته الطيبين الطاهرين فلا حرمة لهم ولا كرامة ، وإن تسمَّوا بالصحبة ، وتظاهروا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمودة والمحبة.
وتمييز هذين الصنفين من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد فيه من الإجتهاد والنظر ، بدراسة سِيَرهم ومعرفة أحوالهم وما صدر منهم.
واختلاف الاجتهاد في هذه المسألة وإن أدَّى إلى الحكم بكفر أو نفاق بعضهم لا يستلزم تكفير طائفة من طوائف المسلمين أو أحد من أهل القِبلة ، ولا سيما إذا كان صدور ذلك الحكم ناشئاً عن خطأ وشبهة.
ولو تأملنا صحاح أهل السنة ومصادر الحديث عندهم لوجدناها
ومن ذلك ما ورد في حديث الإفك المروي عن عائشة ، أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة : إنك منافق تجادل عن المنافقين (2).
ومنه ما أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن جابر ، أنه قال : صلى معاذ بن جبل الأنصاري بأصحابه العشاء ، فطوَّل عليهم ، فانصرف رجل منا فصلى ، فأُخبر معاذ عنه ، فقال : إنه منافق. فلما بلغ ذلك الرجل ، دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره ما قال معاذ ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أتريد أن تكون فتَّاناً يا معاذ ؟ إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها ، وسبح اسم ربك الأعلى ، واقرأ باسم ربك ، والليل إذا يغشى (3).
وقد كانت عائشة تكفِّر عثمان ، وكانت تقول : اقتلوا نعثلاً فقد كفر (4).
فلما أرادت بعد قتله أن تطالب بدمه قال لها ابن أم كلاب :
ولما حُصِر عثمان في بيته كفَّر كل أهل المدينة من الصحابة وغيرهم.
قال الطبري : لما رأى عثمان ما قد نزل به ، وما قد انبعث عليه من الناس ، كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام :
بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد : فإن أهل المدينة قد كفروا ، واخلفوا الطاعة ، ونكثوا البيعة ، فابعث إليَّ من قِبَلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول (2).
هذا مضافاً إلى أن جمهور أهل السنة قد ذهبوا إلى كفر أبي طالب عليه السلام ، مع أنه من أجِلاء صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإسلامه ودفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذبّه عن الإسلام أوضح من أن يحتاج إلى بيان. وحسبك دليلاً على إيمانه أقواله المأثورة وأشعاره المشهورة .
ومنها قوله :=
وقوله :
والحاصل أن القول بكفر واحد ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن جلَّ عند قوم لا يستلزم كفر طائفة من طوائف المسلمين أو أحد من أهل القبلة ، وما يُلزَم به الشيعة من تكفير بعض من يعتبرهم أهل السنة من أجلاء الصحابة ، يرِد على أهل السنة سواءً بسواء ، بل إن الحجة على أهل السنة أتم وأظهر ، وذلك لأن أبا طالب عليه السلام الذي تجرَّأوا على تكفيره ، يعترف جمع من علمائهم بإيمانه ، فكان الواجب عليهم ألا يتسرَّعوا في تكفير من اختلفوا هم أنفسهم في إيمانه وكفره ، بخلاف من كفره الشيعة ، فإنهم لم يختلفوا فيه ، وشتان ما بين هذين الأمرين.
قال الجزائري : فقل لي بربك أيها الشيعي ، ألم يكن لهذا التكفير واللعن والبراء لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هدف وغاية ؟ بلى أيها الشيعي ، إن هناك هدفاً وأي هدف ؟ وغاية وأية غاية ؟ إن الهدف هو القضاء على الإسلام خصم اليهودية والمجوسية وعدو كل شرك ووثنية !!
أنا لم نقل بارتداد عامة الصحابة عن الدين كما أوضحناه مكرَّراً ، وإنما قلنا برجوع أكثرهم عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا المعنى هو المراد بالارتداد المذكور في الحديث الذي احتج به.
وأما ما ألصقه بالشيعة من القول بارتداد عامة الصحابة إلا نفراً قليلاً ـ وإن كنا لا نقول به ـ إلا أنه هو الظاهر من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث البخاري المتقدم الذي قال فيه : « فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همَل النعَم » كما بيَّنَّاه آنفاً.
وبعبارة أخرى : إن ما ألصقه بالشيعة من القول بارتداد أكثر الصحابة عن الدين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقوله الشيعة ، ولا تدل عليه الأحاديث المروية من طرقهم ، بل دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة عند أهل السنة التي ذكرنا بعضاً منها.
ومما تقدَّم يتَّضح سقوط كل ما سيأتي من اللوازم الفاسدة التي ساقها الجزائري ، لأنها كلها مبتنية على القول بارتداد عامة الصحابة عن الدين ، ونحن لا نقول به كما بيَّنَّاه مفصَّلاً ، وهو واضح.
وقوله : « إن الهدف من هذا التكفير واللعن والبراء لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو القضاء على الإسلام خصم اليهودية والمجوسية » لا يخفى فساده ، ولا يستحق الرد عليه ، إلا أنا مع ذلك نقول :
إن أراد بأصحاب النبي كل أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم ، فنحن لا نكفِّرهم ولا نلعنهم جميعاً كما أوضحناه فيما تقدَّم.
وإن أراد بعضهم فارتداد ونفاق بعض من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم متَّفق عليه ، ودلَّت عليه الأحاديث الصحيحة عند أهل السنة كما مر آنفاً.
والنتيجة المتحصَّلة هي أن الشيعة وأهل السنة في هذه المسألة سواء ، فما يلزم أولئك يلزم هؤلاء.
ثم إنا لا نعلم كيف يتم القضاء على الإسلام بسبب الاعتقاد بنفاق أو ارتداد بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الشيعة وأهل السنة كلهم يرون ذلك والإسلام بحمد الله باقٍ ، وسيبقى إن شاء الله تعالى إلى أن يرث الله الأرض
ولا يخفى أن الجزائري في كلامه هنا بل في كل ما سطَّره في هذا الكتيِّب يريد بالإسلام مذهب أهل السنة ، المبني على القول بعدالة كل من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مع أن القول بعدالة كل الصحابة يبطله الكتاب والسنة والإجماع والعقل ، والإسلام غير منحصر في مذهب تبطله الأدلة الصحيحة .
والحكم بأن الغاية من اعتقاد ردَّة بعض من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي القضاء على الإسلام خصم اليهودية والمجوسية حكم باطل ، بل هو من الكلام الذي لا يجوز قوله ، لما فيه من رد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة.
ثم كيف يتسبَّب من اعتقاد ردَّة بعض من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم القضاء على الإسلام ؟ والحال أن الردة حقيقة تاريخية لا ينكرها أحد ، غاية ما في الأمر أنهم يقولون إنها وقعت في كل الأمصار ما عدا الحرمين والطائف ، ولو سلَّمنا بذلك فصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا متوافرين في بلاد العرب كلها.
وأما هدف الشيعة من بيان أن جمعاً من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ارتدّوا من بعده فهو بيان ما أراد رسول الله بيانه للأمة ، حتى لا يُغتَر بكل من يدَّعي الصحبة ، ويتخذها وسيلة لإضلال الأمة المهدية وتحريف السنة النبوية .
قال الجزائري : وإن الغاية هي إعادة دولة المجوس الكسروية بعد أن هَدم الإسلام أركانها ، وقوَّض عروشها ، ومحا أثر وجودها ، وإلى الأبد إن شاء الله تعالى ، وهاك إشارة مغنية عن عبارة : ألم يُقتل ثاني خليفة للمسلمين بيد غلام مجوسي ؟
ألم يحمل راية الفتنة ضد الخليفة عثمان فيذهب ضحيَّتها وتكون أول بذرة للشر والفتنة في ديار المسلمين ، اليهودي عبد الله بن سبأ ؟
أن إعادة دولة المجوس الكسروية ليست من غايات الشيعة ، ولو كانت هذه هي غايتهم لَسَعوا إليها وأعادوا بناءها ، فإن الشيعة قامت لهم دول على ممر العصور ، ولم يعيِدوا المجوسية ولا اليهودية ، ولم يدعُوا إليهما.
وأما ما أشار إليه من قتل عمر بن الخطاب بيد غلام مجوسي ، فهذا لا علاقة له بالشيعة ، لأن هذا الغلام لم يكن شيعياً ولا مملوكاً لواحد من الشيعة ، وإنما هو غلام للمغيرة بن شعبة الذي كان من المنحرفين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
وكان هذا الغلام حدَّاداً نقَّاشاً نجَّاراً حاذقاً ، وكان المغيرة قد ضرب عليه مائة درهم في الشهر كما في بعض الأخبار ، أو أربعة دراهم في اليوم كما في بعض آخر ، فاشتكى إلى عمر شدة الخراج ، فقال له عمر : ما خراجك بكثير. فانصرَف ساخطاً يتذمّر ، وأضمر لعمر السوء ، فكمن له وقتله (1).
هذا مع أن الذي ذكره غير واحد أنه كان غلاماً نصرانيًّا ولم يكن مجوسيًّا (2) ، ولا أقل فالأخبار في دينه متضاربة. ولعله كان مسلماً ، إلا أنه لمَّا قتل عمر وصَموه بالمجوسية ، والله أعلم بحقائق الأمور.
وأما عبد الله بن سبأ ، فالذي أفاده جمع من المحققين (3) والباحثين أنه
=
قال الدكتور طه حسين : إن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلَّفاً منحولاً ، قد اختُرع بأخَرَة ، حين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفِرق الإسلامية ، أراد خصوم الشيعة أن يُدخِلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهوديًّا ، إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم (1).
وقال الدكتور عبد العزيز الهلابي الأستاذ في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض : وعلى أية حال ، فسَيف ـ وهو راوي قصة ابن سبأ كما سيأتي ـ أراد طعن الشيعة في الصميم ، وذلك بنسبة مذهب التشيع إلى يهودي حاقد على الإسلام ، يريد تقويضه من الداخل ، وأن أفكار الشيعة ـ المعتدلين منهم والغلاة ـ ليست سوى أفكار هذا اليهودي (2).
ويدل على أن عبد الله بن سبأ شخصية وهمية مختلقة أمور :
الأول : أن كل الأحاديث التي ذُكرت فيها قصة عبد الله بن سبأ تنتهي إلى سيف بن عمر التميمي المتوفى سنة 180هـ كما في تاريخ الطبري وتاريخ دمشق وتاريخ الإسلام وغيرها. وسيف بن عمر ضعيف جداً ، اتفق الجميع على تضعيفه.
وقال أبو داود : ليس بشيء (2).
وقال أبو حاتم الرازي (3) والدارقطني (4) : متروك الحديث.
وقال ابن حبان : اتُّهم بالزندقة. وقال : يروي الموضوعات عن الأَثبات (5).
وقال ابن عدي : عامة حديثه منكَر (6).
وقال الحاكم : اتُّهم بالزندقة ، وهو في الرواية ساقط (7).
وقال النسائي : ضعيف (8).
وقال ابن حجر : ضعيف الحديث (9).
الثاني : أن الذين سبقوا سيف بن عمر والذين عاصروه من المؤرخين والرواة لم يذكروا ابن سبأ في أحاديثهم ومصنفاتهم.
قال الدكتور عبد العزيز الهلابي : أما الرواة والأخباريون المتقدمون كعروة بن الزبير ( ت 94هـ ) ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ( ت 124هـ ) وابن اسحاق ( ت 150هـ ) والواقدي ( ت 207هـ ) وخليفة بن خياط ( ت 240هـ ) في تاريخه ، وابن سعد ( ت 230هـ ) في كتاب الطبقات ، وابن الحكم
قلت : إن إغفال هؤلاء المؤرخين لهذا الرجل الذي كان له هذا الدور الكبير في إحداث الفتنة وفي تغيير وجه التاريخ الإسلامي دليل على أن الرجل مكذوب مختلق في عصر متأخر عن عصر أولئك المؤرخين المذكورين وغيرهم.
الثالث : أن الأحاديث قد تضاربت في بيان شخصية ابن سبأ تضارباً شديداً ، فتارة ذُكر فيها باسم عبد الله بن سبأ ، وتارة باسم ابن السوداء ، والذي يظهر من كلام عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرْق بين الفِرَق أنهما رجلان لا رجل واحد ، بينما يرى الأكثر أن عبد الله بن سبأ هو ابن السوداء.
كما أن الظاهر مما قاله البلاذري في أنساب الأشراف ، والسمعاني في الأنساب ، والمقريزي في الخطط والآثار ، أن ابن سبأ هو عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني الذي كان من رؤساء الخوارج وقُتل معهم في معركة النهروان (2).
والمروي في أكثر الأخبار أنه من يهود اليمن (3) ، إلا أن عبد القاهر
ثم إن المروي في أكثر الأخبار أيضاً أن عليًّا عليه السلام نفاه إلى المدائن ، فلما قُتل علي عليه السلام وبلغه ذلك قال : إن جئتمونا بدماغه في سبعين صُرَّة لم نصدِّق بموته ، لا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها (2).
بينما روي في أخبار أُخَر أن عليًّا عليه السلام أحرقه بالنار (3).
والظاهر من أكثر الأخبار أن سبب نفيه للمدائن هو ادعاء الألوهية في الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، إلا أن ابن عساكر وغيره رووا أن عليًّا عليه السلام نفاه للمدائن لما بلغه أنه كان يقع في أبي بكر وعمر (4). وفي بعضها أنه نفاه لما قال له : أنت دابة الأرض (5).
كما أنهم رووا أنه غلا في علي عليه السلام ، فزعم أنه نبي ، ثم غلا فيه فزعم أنه إله. بينما رووا أيضاً أنه كان يقول : إنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيًّا ، وأن عليًّا عليه السلام هو وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه خير الأوصياء كما أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خير الأنبياء (6).
الرابع : أن رجلاً أسود مجهولاً من أهل اليمن ، لا يُعرف نسبه ، يهودي الأصل ، حديث عهد بالإسلام ، قد أظهر الغلو في علي عليه السلام ، كيف تأتَّى له أن يعبث بعقول صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة والناس عامة ، فاستطاع أن يؤلِّبهم على عثمان ، حتى انقسموا فيه قسمين : إما خاذل له ،
ثم كيف تيسَّر له أن يُظهِر في ذلك المجتمع المسلم ما شاء من الآراء الفاسدة والمعتقدات الباطلة ، فيجهر بالغلو في علي عليه السلام فلا يعارضه معارض ، ولا يردعه رادع ؟!
من كل ذلك نخلص إلى أن ابن سبأ كان شخصية وهمية اختلقها سيف ابن عمر أو غيره للدفاع عن عثمان من جهة ، وللطعن في علي وشيعته من جهة أخرى (1).
وعلى أية حال ، فإنا لو سلَّمنا بأن عبد الله بن سبأ كان رجلاً قد عاش في تلك الفترة وكان له أثر سيِّئ في إحداث الفتنة ، فإن مذهب الشيعة الإمامية لا يرتبط به من قريب ولا بعيد ، وحسبك دليلاً على ذلك :
1 ـ أنا لا نجد حديثاً واحداً مروياً عنه في كتب الإمامية ، ولو كان مذهب الشيعة من صنيعة عبد الله بن سبأ لكانت آثاره وآراؤه وأخباره واضحة جليّة في مذهبهم ، وكل ما نسبوه إلى ابن سبأ من عقائد الشيعة ككون عليّ عليه السلام وصي رسول الله ، وأنه دابة الأرض ، فهو محض افتراء منهم ، لتتم لهم هذه الفرية ، وتلتئم به هذه الكذبة.
2 ـ أن أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام المروية في كتب الإمامية قد
فقد روى الكشي بسنده عن هشام بن سالم ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وهو يحدِّث أصحابه بحديث عبدالله بن سبأ ، وما ادَّعى من الربوبية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقال : إنه لما ادَّعى ذلك فيه استتابه أمير المؤمنين عليه السلام فأبى أن يتوب ، فأحرقه بالنار.
وعن أبان بن عثمان ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : لعن الله عبد الله بن سبأ ، إنه ادَّعى الربوبية في أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان والله أمير المؤمنين عليه السلام عبداً لله طائعاً ، الويل لمن كذب علينا ، وإن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، نبرأ إلى الله منهم (1).
2 ـ أن علماء الإمامية نصوا على كفره وسوء حاله ، وإليك بعض أقوالهم :
قال العلاَّمة الحلي : عبد الله بن سبأ غالٍ ملعون ، حرَّقه أمير المؤمنين عليه السلام بالنار ، كان يزعم أن عليًّا عليه السلام إله ، وأنه نبي (2).
وقال الشيخ الطوسي وابن داود : عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو (3).
وقال أبو عمرو الكشي : كان يدَّعي النبوة وأن عليًّا عليه السلام هو الله ، فاستتابه عليه السلام ثلاثة أيام ، فلم يرجع فأحرقه بالنار في جملة سبعين رجلاً ادَّعوا فيه ذلك (4).
قال الجزائري : وفي هذه الرحم المشؤومة تخلَّق شيطان الشيعة ووُلد من ساعته ، يحمل راية بدعة ( الولاية ) و( الإمامة ) كسيفين مصلتين على رأس الإسلام والمسلمين.
أن الشيعة لا شيطان لهم ، ولا شيطان لواحد من أئمتهم عليهم السلام ، وقصة تخلّق هذا الشيطان الذي ذكره الجزائري أشبه ما تكون بأساطير اليونان القديمة التي لا واقع لها ولا دليل عليها .
على أنَّا لو تأمَّلنا الأحاديث الصحيحة التي يعتقد أهل السنة بمضمونها لوجدناها تدل على أنهم يعتقدون بأن كل واحد منهم له شيطان يستفزّه ويضلّه.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم والنسائي وأحمد وغيرهم عن عروة ، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدَّثتْه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندها ليلاً. قالت : فغِرتُ عليه ، فجاء فرأى ما أصنع ، فقال : ما لكِ يا عائشة ؟ أغِرْتِ ؟ فقلت : وما لي لا يغار مثلي على مثلك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أقد جاءك شيطانك ؟ قلت : يا رسول الله ، أو معي شيطان ؟ قال : نعم. قلت : ومع كل إنسان ؟ قال : نعم. قلت : ومعك يا رسول الله ؟ قال : نعم ، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم (1).
وأخرج أحمد والهيثمي وابن حبان وابن خزيمة وغيرهم ، عن ابن عباس وغيره ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ليس منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الشياطين. قالوا : وأنت يا رسول الله ؟ قال : نعم ، ولكن الله
ومن هذا الباب ما روي عن أبي بكر أنه قال في خطبته الأولى لما تولَّى الأمر : أما بعد ، فإني وُلِّيتُ هذا الأمر وأنا له كاره ، ووالله لوددتُ أن بعضكم كفانيه... ألا وإنما أنا بشَر ، ولست بخير من أحد منكم فراعوني ، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني ، وإن رأيتموني زغت فقوّموني ، واعلموا أن لي شيطاناً يعتريني ، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني ، لا أُوثر في أشعاركم وأبشاركم (2).
هذا مع أن الله جل شأنه قد قال في كتابه العزيز ( ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ) (3) ، وقال ( ألم ترَ أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّاً ) (4) ، وقال ( هل أنبِّئكم على مَن تَنَزَّل الشياطين * تَنَزَّل على كل أفَّاك أثيم ) (5) ، وقال ( ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً ) (6).
وقول الجزائري : « يحمل راية بدعة الولاية والإمامة كسيفين مصلتين على رأس الإسلام والمسلمين »
عجيب منه ، فإن الولاية والإمامة من شعائر الإسلام المؤكدة التي لا تخفى على أحد.
فإن الجزائري إن أراد بالولاية الإمارة فلا يسعه إنكار لزومها ، لاتفاق
هذا وقد أخرج مسلم وأحمد وغيرهما ـ في حديث ـ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : إن بعضكم على بعض أمَراء تكرمة الله هذه الأمّة (1).
فإن إمارة بعض المسلمين على بـعض مضافاً إلى لزومها وضرورتها فهي مما كرَّم الله به هذه الأمة وشرَّفها به كما يدل عليه هذا الحديث.
وأما إذا أراد بالولاية النصرة والمحبة ، فيدل على ثبوتها قوله تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) (2).
وإن أراد بالولاية الأولوية بالتصرف ، وهو معنى الإمامة العظمى والخلافة الكبرى ، فيدل عليه قوله تعالى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) (3).
وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم : أيها الناس ، ألستُ أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه (4).
وأما الإمامة فهي أحد معاني الولاية التي مرَّ بيانها ، وهو المعنى الأخير لها. وقد أثبتها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في آيات كثيرة ، فأخبر أنه قد جعل بعض أنبيائه أئمة للناس ، إذ قال ( قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيّتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (5).
وقال عز من قائل ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) (1).
وأخبر جل شأنه أنه جعل للناس أئمة يدعون إلى الحق ، فقال ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) (2) ، وقال ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) (3).
ثم إن الأحاديث النبوية الدالة على ثبوت الإمامة أكثر من تُحصر.
ومنها : ما أخرجه أحمد والهيثمي والطيالسي وأبو نعيم وابن حجر وابن أبي عاصم والطبراني والبيهقي والسيوطي وغيرهم ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : الأئمة من قريش (4).
قال الجزائري : وبالدعوة إلى الولاية كُفِّر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولُعِنوا ، وكُفِّر ولُعن كل من يرضى عنهم أو يترضى عليهم من المسلمين.
لقد أوضحنا فيما تقدم عقيدة الشيعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبيَّنَّا أنَّا لا نكفِّر أحداً منهم إلا المنافقين الذين كانوا يكيدون للإسلام المكائد ، ويدسُّون له الدسائس.
وهذه مصنفات علماء الإمامية التي كتبوها عبر العصور تؤكد أن كل من شهد الشهادتين فهو مسلم ، له ما للمسلمين ، وعليه ما عليهم ، إلا من قامت الأدلة على كفره كالناصبي والغالي ومن أنكر ضروريًّا من ضروريات الدين.
ثم ما هو التلازم بين الدعوة إلى الولاية أو موالاة علي عليه السلام خاصة وأهل البيت عليهم السلام عامة وبين تكفير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والحال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أول من دعا إليها ، حيث قال : من كنت مولاه فعلي مولاه (1).
وقال : إن عليَّا مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي (2).
وقال : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما (3).
وهذا هو معنى الولاية التي نعتقد بها ، ولا نعني بها شيئاً آخر غير هذا .
قال الجزائري : وببدعة الإمامة حيكت المؤامرات ضد خلافة المسلمين ، وأُثيرت الحروب الطاحنة بين المسلمين ، وسُفكت دماء ، وهُدم بناء ، وعاش الإسلام مفكك الأوصال ، مزعزع الأركان ، أعداؤه منه كأعدائه من غيره ، وخصومه من المنتسبين إليه كخصومه من الكافرين به.
أن الإمامة والخلافة شيء واحد ، ولهذا ورد التعبير عن أولي الأمر تارة بالأئمة كما في حديث « الأئمة من قريش » ، وتارة بلفظ الخلفاء كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة... كلهم من قريش (1).
وعليه ، فكيف تكون الإمامة بدعة ولا تكون الخلافة كذلك ؟!
ثم كيف تحاك المؤامرات بالإمامة ضد الخلافة ؟!
هذا مع أنا لو سبرنا ما حدث منذ العصر الأول إلى يومنا هذا فإنا لا نجد التاريخ يحدِّث أن ثمة مؤامرات حاكها الشيعة ضد خلافة المسلمين ، أو أن حروباً طاحنة أثارها الشيعة قد وقعت بين المسلمين.
وأما أن الإسلام عاش مفكك الأوصال ، مزعزع الأركان ، فكل ذلك إنما حصَل بسبب ابتعاد المسلمين عن الأخذ بشعائر الإسلام المهمة التي منها اتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام وتقديمهم والتمسك بحبلهم ، فإن الناس لما مالوا عنهم إلى غيرهم ، وصارت الخلافة العظمى يتداولها الطلقاء وأبناء الطلقاء ، وصارت أمور المسلمين بيد كل طامع متغلِّب ، آلت الأحوال إلى ما هي عليه الآن.