قال الجزائري :
يشهد لهذه الحقيقة ويثبتها ما أورده صاحب الكافي بقوله : عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : خرج أمير المؤمنين عليه السلام في ليلة مظلمة وهو يقول : هَمْهَمة همهمة ، وليلة مظلمة ، خرج عليكم الإمام عليه قميص آدم ، وفي يده خاتم سليمان وعصا موسى .
وأورد أيضاً قوله : عن أبي حمزة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قـال : سمعته يقول : ألواح موسى عندنا، وعصا موسى عندنا، ونحن ورثة النبيين.
كل الأحاديث المروية في هذا الباب من الكافي ضعيفة (1).
=
أما الحديث الأول :
الذي أورده الجزائري في حقيقته هذه فقد رواه الكليني رحمه الله عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن موسى بن سعدان ، عن أبي الحسن الأسدي ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام.
وحسبك أن من جملة رواته موسى بن سعدان ، وهو موسى بن سعدان الحناط الكوفي ، وهو ضعيف لا يعتمد حديثه.
قال النجاشي : موسى بن سعدان الحناط ضعيف في الحديث (1).
وقال ابن الغضائري : موسى بن سعدان الحناط كوفي ، روى عن أبي الحسن عليه السلام ، ضعيف ، في مذهبه غلو (2).
ومثله كلام العلامة في الخلاصة (3).
وأما الحديث الثاني : فقد رواه الكليني رحمه الله عن أحمد بن إدريس ، عن عمران بن موسى ، عن موسى بن جعفر البغدادي ، عن علي بن أسباط ،عن محمد بن الفضيل ، عن ابي حمزة الثمالي ، عن أبي عبدالله عليه السلام.
وعمران بن موسى مشترك بين عمران بن موسى الخشاب ، وهو مجهول الحال ، وبين عمران بن موسى الأشعري ، وهو مجهول أيضاً ، وبين عمران بن موسى الزيتوني الثقة.
وأما موسى بن جعفر البغدادي فهو مجهول الحال ايضاً. قال
=
الخامس والأخير فمن رواته بشر بن جعفر وهو مجهول الحال ، والمفضل بن عمر وهو مختلف في وثاقته ، والمشهور ضعفه ، إذ ضعفه النجاشي في رجاله ، ص295 ، وابن الغضائري والعلامة في الخلاصة ، ص285 ، وابن داود وغيرهم. راجع تنقيح المقال 3|238.
وأما محمد بن الفضيل فهو مشترك بين الضعيف وغيره .
قال المامقاني : الرجل إما ضعيف أو مجهول ، اتحد أو تعدد (2).
قال الجزائري : وبعد : أيها الشيعي إن هذا المعتقد في هذه الحقيقة بالذات يلزمك أموراً في غاية الفساد والقبح ، لا يمكنك وأنت العاقل إلا أن تتبرأ منها ولا تعترف بها ، وهي :
1 ـ تكذيب علي رضي الله عنه في قوله ـ وقد سئل : هل خصّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم آل البيت بشيء ؟ فقال : لا ، إلا ما كان في قراب سيفي هذا. فأخرج صحيفة مكتوباً فيها أموراً أربعة ، ذكرها أهل الحديث كالبخاري ومسلم .
كل ما ذكره من اللوازم غير لازم للشيعة ، وذلك لأمرين :
الأول : أن أحاديث هذا الباب كما قلنا كلها ضعيفة ، والحديث الضعيف لا يُلزِم ولا يُلزَم به كما هو واضح .
الثاني : ما ظنه الجزائري من اللوازم ـ ولا سيما الثـالـث والرابع مما ذكره ـ هو في حقيقة الأمر ليس بلازم ، وهذا ما سيتضح فيما سيأتي قريباً .
أما ما ذكره من لزوم تكذيب علي عليه السلام فيما قاله في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم فغير صحيح ، وذلك لأن هذا الحديث الذي ساقه ليس متواتراً عن علي عليه السلام ، وإنما هو حديث رواه أهل السنة في كتبهم ،
ولو سلَّمنا بصحته فلا نقطع بصدوره من علي عليه السلام وإن كان حجة يلزم العمل به ، وذلك لأن الخبر الصحيح لا يفيد القطع ، بل غاية ما يفيده الظن .
ثم إنَّا لو صحَّحنا هاتين الروايتين ـ أعني رواية الكليني ورواية البخاري ـ وسلَّمنا بالتعارض بينهما ، فمَن أخذ بأحد الخبرين المتعارضين المرويين عن علي عليه السلام وترك الآخر فإنه لا يُعَد مكذِّباً له عليه السلام ، وإلا لما جاز العمل بالأخبار المتعارضة .
ثم إن أكثر الشيعة ولا سيَّما عوامّهم لم يطَّلعوا على هذا الحديث الذي رووه عن علي عليه السلام ، فكيف يتحقق تكذيبهم لكلام لم يطلعوا عليه ؟!
هذا مع أنه لا تعارض في البين بين أحاديث هذا الباب من الكافي والحديث الذي رووه عن علي عليه السلام ، وذلك لأن المروي في صحيح البخاري أن علي عليه السلام سُئل : هل عندكم كتاب ؟ فقال : لا ، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة... (1) .
وفيه أيضاً : عن علي رضي الله عنه ، قال : ما كتبنا عن النبي صلى الله عليه وآله إلا القرآن وما في هذه الصحيفة ، قال النبي صلى الله عليه وآله : المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا ، فمن أحدث أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة و الناس أجمعين... (2).
وفيه أيضاً : أن علياً خطب فقال : ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة... (3).
ولو سلَّمنا بصحة هذه الأحاديث فالظاهر منها أن علياً عليه السلام قد أخبر أنه ليس عند آل بيت النبي صلى الله عليه وآله شيء مكتوب يقرؤونه ، قد خصَّهم به رسول الله صلى الله عليه وآله دون الناس غير القرآن إلا تلك الصحيفة .
ولهذا قال ابن حجر في شرح قول السائل : « هل عندكم كتاب » : أي مكتوب أخذتموه عن رسول الله صلى الله عليه وآله مما أوحي إليه . ويدل على ذلك رواية المصنف ـ يعنى البخاري ـ في الجهاد : « هـل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ » (2) ، وله في الديات : « هل عندكم شيء مما ليس في القرآن ؟ » (3) ، وفي مسند إسحاق بن راهوايه : عن جرير ، عن مطرف : « هل علمت شيئا من الوحي ؟ » (4).
وقال السندي في حاشيته على سنن النسائي في شرح قول السائل : « هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وآله شيء سوى القرآن ؟ » : أي شيء مكتوب، وإلا فلا شك أنه كان عنده أكثر مما ذكر (5).
ويدل على ذلك أيضاً أن ما ذكر في الصحيفة لم يكن من الأمور المخصوصة بعلي عليه السلام دون سائر المسلمين (6).
=
قال أبو الطيب العظيم آبادي : ليس يخفى أن ما في كتابه ـ أي صحيفة علي عليه السلام ـ ليس من الأمور المخصوصة (1).
ومثله قول السندي في حاشيته على سنن النسائي (2).
وهذا يدل على أن مراد السائل هو معرفة ما إذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد اختص علياً عليه السلام دون الناس بشيء مكتوب فيه شيء من العلم . لأن داعي السؤال هو أن علياً عليه السلام كان إذا وقع حدث قال : صدق الله ورسوله . وهذا يشعر بأن النبي صلى الله عليه وآله كان قد اختصّه بأمور غيبيّه تقع ، أخبره بها ولم يخبر أحداً سواه .
قال ابن حجر : السبب في سؤالهم لعلي رضي الله عنه عن ذلك أخرجه أحمد والبيهقي في الدلائل من طريق أبي حسّان ، أن علياً كان يأمر بالأمر فيقال : قد فعلناه . فيقول : صدق الله ورسوله . فقال له الأشتر : هذا الذي تقول أهو شيء عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وآله خاصةً دون الناس... (3).
وجواب علي عليه السلام يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يخصه بشيء مكتوب دون الناس إلا ما في تلك الصحيفة التي حوت أموراً غير مخصوصة به . أما
=
وفيها أيضا : المدينة حرم ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، ومن ادعى الى غير أبيه ، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ، ( راجع صحيح مسلم 2|1147 ، ومسند أحمد 1|119 ، 122 ، 151 ، 152 ، وسنن النسائي 8|19 ، 23 ، وسنن أبي داود 4|180 ـ 181 وما سبق ذكره من صحيح البخاري ).
ومنه يتضح أن الأحاديث المذكورة في الكافي في باب ما عند الأئمة عليهم السلام من آيات الأنبياء عليهم السلام لا تتنافى مع ما أخرجه البخاري ومسلم من أحاديث الصحيفة ، لأن تلك الأخبار تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله قد اختص أهل بيته ببعض آيات الأنبياء ، كقميص آدم وعصا موسى وخاتم سليمان ، وأحاديث الصحيفة تنفي أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قد اختص علياً وأهل بيته عليهم السلام بكتاب غير القرآن إلا تلك الصحيفة ، وهذا لا ينفي اختصاصه صلى الله عليه وآله لأهل بيته بغير ذلك من المقتنيات والعلوم .
على أنَّا لو لم نقل إن النبي صلى الله عليه وآله ورّث أهل بيته بعض آيات الأنبياء التي كانت عنده فلا نجد محذوراً في القول بحيازتهم لها بعد ذلك ، إذ للّها كانت في أيديهم عندما قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله ، فبقيت كذلك ، كما قالوا في حيازة أبي بكر لخاتم النبي صلى الله عليه وآله ، وحيازة عائشة لبعض ثيابه ، وحيزة غيرهما لغيرها .
فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ( رض ) ، قال : اتخَّذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً من ورِق (1) ، وكان في يده ، ثم كان بعدُ في يد أبي بكر ، ثم كان بعدُ في يد عمر ، ثم كان في يد عثمان ، حتى وقع بعد في بئر أريس ، نقشه : محمد رسول الله (2).
وأخرج البخاري أيضاً بسنده عن أبي بردة ، قال : أخرجتْ إلينا
وزاد سليمان ، عن حميد ، عن أبي بـردة ، قـال : أخرجتْ إلينا عائشة رضي الله عنها إزاراً غليظاً مما يُصنع باليمن ، وكساءاً من هذه التي تدْعونها الملبَّدة (1).
وهذه المقتنيات وغيرها بقيت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بيد مَن كانت عنده كما نصَّ على ذلك ابن حجر ، حيث قال : إنه صلى الله عليه وآله لم يوُرِّث ولا بِيْع موجودُهُ ، بل تُرك بيد مَن صار إليه للتبّرك به ، ولو كانت ميراثاً لبيعت وقُسِّمت (2).
وعليه ، فلا ينبغي الريب في أن أهل البيت عليهم السلام كانت عندهم بعض مقتنيات رسول الله صلى الله عليه وآله كالثياب والسلاح وغيرها ، لأنهم أولى الناس به .
وقد دلَّت بعض الأخبار على ذلك :
فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن شهاب : أن علي بن حسين حدَّثه أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية [ بعد ] مقتل حسين بن علي رحمة الله عليه لقيه المسور بن مخرمة ، فقال له : هل لك إليَّ من حاجة تأمرني بها ؟ فقلت له : فهل أنت معطيَّ سيف رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه ، وأيم الله لئن أُعطيتنيه لا يُخلص إليه أبداً حتى تبلغ نفسي... (3).
وبهذا يتضح السر في إخفاء النبي صلى الله عليه وآله حيازته لمواريث الأنبياء عليهم السلام
قال الجزائري: 2 ـ الكذب عليه رضي الله عنه بنسبة هذا القول إليه.
لقد أوضحنا أن أحاديث هذا الباب من الكافي كلها ضعيفة . وعليه فنحن لا نعلم بصدور هذا القول من أمير المؤمنين عليه السلام ، ولم نقل نحن ولا قال الكليني قدس سره بأنه عليه السلام قد قاله حتى تتجه نسبة الكذب إليه أو إلينا، ولا سيما أنا لا نقطع بصدور هذا القول منه عليه السلام حتى لو صحَّ الخبر عنه ، فمع عدم صحّته لا يحصل عندنا ظن بالصدور كما هو واضح .
هذا مضافاً إلى أن الكليني رحمه الله روى هذه الأحاديث عن غيره ، ولم يقل : « إن علياً عليه السلام قاله » حتى ننسبه إلى الكذب على علي عليه السلام ، وإنما قال : « حدثني فلان عن فلان أن علياً عليه السلام قال كذا وكذا » ، والكليني صادق فيما قال من تحديث غيره له ، أما أن علياً عليه السلام قد قال ذلك أو لم يقله فهذا ما لا نعلمه ، ولا نُسأل عنه ، ولا نُحاسب عليه .
ولا أدري لمَ جزم الجزائري بـأن علياً عليه السلام لم يقل ذلك القول ، مع أنه لم يكن مناقضاً لنص القرآن الكريم ، أو مخالفاً للسنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو حكم العقل .
وكونه خبراً ضعيفاً لا يدل على عدم وقوعه وإن كان بعض رواته معروفاً بالكذب ، لأن الكذوب قد يصدق ، ولهذا أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يتبيّنوا في أخبار الفاسقين ، حيث قال : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينَّوا أن تصيبوا قـوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم
فأمر بالتبيُّن في أخبارهم ، ولم يأمر بردها. ومن البيِّن أن هذا الأمر إنما اتَّجه لأجل احتمال صحة خبر الفاسق ولو في بعض الأحيان .
والحاصل أن جزم الجزائري بأن هذا الخبر مكذوب على أمير المؤمنين عليه السلام في غير محله ، لعدم جريانه على القواعد العلمية . اللهم إلا إذا كان يدَّعي أن لديه ملكة قدسية نورانية ، يستطيع بها تمييز الحديث المكذوب من غيره... وهذا ما يحتاج منه إلى إثبات (2).
والظاهر أن الجزائري جزم بكذب أحاديث هذا الباب من الكافي لأنه استعظم أن يكون عند علي عليه السلام قميص آدم عليه السلام ، وفي يده خاتم سليمان وعصا موسى عليهما السلام ، مع أنهم روَوا أن دابة الأرض التي تظهر في آخر الزمان ، تخرج وفي يدها خاتم سليمان وعصا موسى .
فقد أخرج الترمذي وحسَّنه وابن ماجة وأحمد والطيالسي والحاكم وغيرهم ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : تخرج الدابة معها خاتم سليمان وعصا موسى ، فتجلو وجه المؤمن ، وتختم أنف الكافر بالخاتم ، حتى إن أهل الخِوان ليجتمعون فيقول : ها ها يا مؤمن . ويقال : ها ها يا كافر . ويقول هذا : يا مؤمن . وهذا : يا كافر (3).
=
وروَوا أن دابة الجنة هي علي بن أبي طالب عليه السلام فيما أخرجه الهيثمي والمتقي الهندي وغيرهما عن عمرو بن الحمق ، قال : هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فبينما أنا عنده ذات يوم قال لي : هل أُريك دابة الجنة تأكل الطعام ، وتشرب الشراب ، وتمشي في الأسواق ؟ قال : قلت بلى بأبي أنت . قال : « هذا دابة الجنة » . وأشار إلى علي بن أبي طالب (1).
وروَوا عن علي عليه السلام أنه سُئل عن دابة الأرض فقال : أمَا والله ما لها ذنَب ، وإن لها لَلِحية .
قال الماوردي : وفي هذا القول منه إشارة إلى أنها من الإنس وإن لم يصرّح به (2) .
قال القرطبي : ولهذا ـ والله أعلم ـ قال بعض المتأخرين من المفسرين : إن الأقرب أن تكون هذه الدابة إنساناً متكلماً يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا ، فيهلك من هلك عن بيِّنة ، ويحيا من حيَّ عن بينة (4).
أقول : ويدل على أنها من الإنس أنها تكلِّم الناس كما في قوله تعالى ( تكلِّمهم ) ، وأنها تميِّز المؤمن من الكافر ، وأنها تسِمُ المؤمن بالعصا ، وتختم الكافر بالخاتم... وذلك كله من الصفات المعهودة في البشر لا في غيرهم .
وعلى كل حال ، فإن قلنا إن دابة الأرض هي علي بن أبي طالب عليه السلام ، فليس من الإنصاف أن ننكر أن عنده عصا موسى وخاتم سليمان ، وإن قلنا إن دابة الأرض غيره ، فليس من الإنصاف أن نستعظم حيازته
=
كنز العمال 14|341.
قال الجزائري : 3 ـ الازدراء من نفس صاحب هذا المعتقد والدلالة القاطعة على تفاهة فهمه ، ونقصان عقله ، وعدم احترامه لنفسه ، إذ لو قيل له : أين الخاتم ؟ أو أين العصا ؟ أو أين الألواح مثلاً ؟ لما حار جواباً ، ولما استطاع أن يأتي بشيء من ذلك ، وبه يتبيَّن كذب القصة من أولها إلى آخرها .
لا أدري كيف يُلزَم كل شيعي بالازدراء منه ؟! وهل يُعد الازدراء من الشيعة من الأمور التي يُلزَمون بها إذا اعتقدوا أن آل البيت عليه السلام عندهم مواريث الأنبياء ؟!
ولا أدري لِمَ يزدري الجزائري ممن يعتقد أن آيات الأنبياء كخاتم سليمان وعصا موسى وقميص آدم ، قد صانها الله سبحانه وحفظها عند أشرف خلقه وهم أنبياؤه ورسله ، إلى أن صارت عند أئمة العترة النبوية الطاهرة ، ولا يزدري ممن يعتقد أن خاتم سليمان وعصا موسى يكونان في آخر الزمان عند دابة الأرض التي وصفوها بأنها دابة ذات قوائم أربع لها زغَب (1) وريش ، ورُغاء كرغاء الإبل ؟! (2) .
=
هذا مع أنَّا قد قلنا فيما تقدم أن هذا وأمثاله مما لا يجب معرفته ولا يضر بالشيعي جهله ، ولعل أكثر عوام الشيعة لا يعرفون شيئاً من ذلك .
ومن الغريب أن هذا الرجل قد استدل على تفاهة فهم ونقصان عقل من يعتقد بأن آيات الأنبياء عليهم السلام عند أهل البيت بأنه لو قيل له : أين الخاتم ؟ أو أين العصا ؟ أو أين الألواح مثلاً ؟ لما حار جواباً ، ولما استطاع أن يأتي بشيء من ذلك .
ومن الواضح أنا لا نقول : « إن هذه الآيات عندنا » حتى نُطالَب بأن نأتي بها ، بل هي عند أهل البيت عليهم السلام يتوارثونها .
وقال : وأوضح من ذلك فإنه قد يُقال : لو كان ما قد قيل حقاً لِمَ لا يستخدم آل البيت هذه الآيات كالعصا والخاتم في تدمير أعدائهم والقضاء عليهم ، وهم قد تعرضوا لكثير من الأذى والشر من قِبلهم ؟!
1 ـ أن أهل البيت عليهم السلام عباد لله مكرمون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . والله قادر على نصرهم بغير العصا ، ولكن اقتضت حكمته جل شأنه أن يمهل أعداء الدين من أئمة الجور ، ويملي لهم ليزدادوا إثماً ، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر . قال تعالى ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ، ولهم عذاب مهين ) (1).
=
أذن فيل ، وقرنها قرن إيل ، وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هر ، وذنبها ذنب كبش ، وقوائمها قوائم بعير ، بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعاً ـ الزمخشري : بذراع آدم عليه السلام ـ ويخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان ... الخ. راجع الجامع لأحكام القرآن 13|235.
2 ـ لقد كان أعداء أهل البيت يُظهِرون الإسلام أو يتظاهرون به ، ولم يكن حالهم في إعلان الحرب لله كحال فرعون الذي عتا عتواً كبيراً . قال تعالى ( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً ، يستضعف طائفةً منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) (1).
ثم تمادى في غيِّه فادّعى الربوبية لنفسه ، وكذب بموسى عليه السلام لما جاءه بالدلائل الواضحة الدالة على صدقه . قال سبحانه ( اذهب إلى فرعون إنه طغى * فقل له هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى * فأراه الآية الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى ) (2).
فلما آمن بموسى من آمن توعدَّهم فرعون بالتنكيل والقتل ( قال آمنتم به قبل أن آذن لكم ، إنه لكبيركم الذي علَّمكم السحر فلسوف تعلمون ، لأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم من خـلاف ولأصلبنَّكم أجمعين ) (3). وقال تعالى ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب * فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال ) (4).
ثم سعى لقتل موسى عليه السلام ومن آمن معه . قال تعالى ( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدعُ ربَّه ، إني أخاف أن يبدل دينكم ، أو أن يُظهر في الأرض الفساد ) (5).
فأوحى الله إلى موسى عليه السلام أن يخرج ليلاً هو ومن آمن معه . قال
والحاصل أن الله سبحانه قد استنفد مع فرعون كل السبل ، إلا أنه أبى واستكبر وأسرف وعلا علواً كبيراً ، ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) (4)، فهل كان حال أعداء أهل البيت كحال فرعون ؟!
3 ـ إن إنزال العذاب معلق على مشيئة الله سبحانه ، كما أخبر في كتابه العزيز إذ قال ( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذِّب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، والله على كل شيء قدير ) (5)، ( قال عذابي أُصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء ) (6).
وقد شاء الله سبحانه أن يمهل أعداء الدين ويملي لهم ليزدادوا إثماً كما تقدم .
4 ـ إن أهل البيت عليهم السلام رحمة مهداة إلى هذه الأمة وأمان لها ، بهم يرفع الله العذاب عن الناس ، فإذا ذهبوا أتى الأمَّة ما يوعدون ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الحاكم وصحَّحه عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : النجوم أمان لأهل السماء ، فإن طُمست أتى
قال المناوي : شبَّههم بنجوم السماء ، وهي التي يقع بها الإهتداء ، وهي الطوالع والغوارب والسيارات والثابتات ، فكذلك بهم الإقتداء وبهم الأمان من الهلاك (2).
قال الجزائري : 4 ـ إن الهدف من هذا الكذب المرذول هو إثبات هداية الشيعة وضلال مَن عداهم من المسلمين .
إن هداية الشيعة لا تثبت بمثل هذه الأحاديث الضعيفة ، بل حتى لو صحَّت هذه الأحاديث وسلَّم بها الخصم ، فإنها مع ذلك لا تدل على هداية فئة ولا ضلال فئة أخرى ، وهو واضح .
قال : والقصد من وراء ذلك الإبقاء على المذهب الشيعي ذا كيان مستقل عن جسم الأمة الإسلامية ، ليتحقق لرؤساء الطائفة ولمن وراءهم من ذوي النيات الفاسدة والأطماع الخبيثة ما يريدونه من العيش عـلى حساب هدم الإسلام وتمزيق شمل المسلمين .
هذا القول من التُّهَم الكثيرة الباطلة التي سَوَّد بها كتيّبه ، وحسبك أنه
ولا أدري كيف يتحقق الإبقاء على المذهب الشيعي ذا كيان مستقل عن جسم الأمة الإسلامية ، و كيف يعيش علماء الشيعة على حساب هدم الإسلام وتمزيق شمل المسلمين بإثبات أن أهل البيت عليهم السلام قد ورثوا بعض آيات الأنبياء السابقين صلى الله عليه وآله من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟! أين هذا من ذاك ؟!
ثم ما هو مراده بالأمة الإسلامية ؟
إن كان مراده بالأمّة باقي المسلمين ، فما قاله يُلزم أهل السنة كما يلزم الشيعة ، لأن كل فرقة لها كيان عقائدي مستقل عن غيرها من باقي فرق المسلمين .
وإن عنى بالأمّة أهل السنة ، فمخالفتهم لا تضر ولا تشين ، لأنَّا لم نجد دليلاً واحداً في كتاب الله أو في سُنة نبيِّه صلى الله عليه وآله يحذِّر من مخالفة مَن يُعرفون بهذا الاسم ، بل إن الأدلة الصحيحة تحث على لزوم اتِّباع أئمة أهل البيت صلى الله عليه وآله دون غيرهم (1).
وقوله : ليتحقق لرؤساء هذه الطائفة ولمن وراءهم من ذوي النيات الفاسدة والأطماع الخبيثة ما يريدونه من العيش على حساب هدم الإسلام
جوابه : أن أئمة أهل البيت عليهم السلام مع أنهم كانوا هم أولى الناس بالأمر إلا أنهم لم يدّخروا وسعاً في إرشاد الناس عامة و نصح الخلفاء خاصة بما يضمن للمسلمين عزّهم ووحدتهم .
قال الشيخ محمد رضا المظفر قدس سره في طي كلامه الذي عقده لبيان عقيدة الشيعة في الوحدة الإسلامية : عُرف آل البيت عليهم السلام بحرصهم على بقاء مظاهر الإسلام والدعوة إلى عزّته ووحدة كلمة أهله ، وحفظ التآخي بينهم ، ورفع السخيمة من القلوب والأحقاد من النفوس .
ثم ذكر جملة من مواقف أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام الدالَّة على ذلك ، ثم قال :
وكذلك باقي الأئمة عليهم السلام في مواقفهم مع ملوك عصرهم وإن لاقوا منهم أنواع الضغط والتنكيل ، فإنهم لما علموا أن دولة الحق لا تعود إليهم انصرفوا إلى تعليم الناس معالم دينهم ، وتوجيه أَتْباعهم التوجيه الديني العالي. وكل الثورات التي حدثت في عصرهم من العلويين لم تكن عن إشارتهم ورغبتهم ، بل كانت كلها مخالفة صريحة لأوامرهم وتشديداتهم ، فإنهم كانوا أحرص على كيان الدولة الإسلامية من كل أحد حتى من خلفاء بني العباس أنفسهم .
وكفى أن نقرأ وصية الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لشيعته : لا تذلّوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم ، فإن كان عادلاً فاسألوا الله بقاءه ، وإن كان جائراً فاسألوا الله إصلاحه ، فإن صلاحكم في صلاح سلطانكم ، وإن السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم ، فأحبوا له ما تحبون لأنفسكم ، واكرهوا له ما تكرهون لأنفسكم (1).
قال : وهذا غاية ما يُوصف في محافظة الرعية على سلامة السلطان أن يحبُّوا له ما يحبون لأنفسهم ، ويكرهوا له ما يكرهون لها (1).
وأما علماء الشيعة الإمامية فهم تبع لأئمة أهل البيت عليهم السلام في ذلك، ومواقفهم وكلماتهم وفتاواهم في هذا الشأن أدل دليل على ذلك ، إذ تدل بوضوح على أنهم أكثر علماء هذه الأمة سعياً في رأب الصدع ولمّ الشمل وتوحيد الكلمة .
وحسبك دليلاً على ذلك ما أفتى به مَن وقفنا على فتواه منهم من استحباب الصلاة في جماعة أهل السنة ، وحرمة أو كراهة التظاهر بمخالفة أهل السنة في المسائل الخلافية بين السنة والشيعة ، وحرمة مخالفة أهل السنة في وقوف الحج في عرفات وغير ذلك مما يعرفه المتتبّع .
ثم ما الذي يستفيده علماء الشيعة الإمامية من العيش على حساب هدم الإسلام وتمزيق شمل المسلمين وهـم الذين صرفوا زهرة أعمارهم في الذب عن الإسلام والمسلمين ؟! هذا مع أنهم لو ساروا في ركاب الحكَّام والأُمراء و السلاطين وأكلوا من فتات موائدهم كما يصنع غيرهم ، لكان ذلك أرغد لدنياهم وأرخى لبالهم .
هذا في الوقت الذي كان كثير من علماء أهل السنّة قد دأبوا منذ مئات السنين إلى يومنا هذا على تصنيف المصنفات الكثيرة التي نقدوا فيها عقائد الشيعة الإمامية ، وحكموا فيها بضلالهم وكفرهم ، وأفتوا فيها بإباحة دمائهم وأموالهم .
ومن العجب أن هذا الرجل الذي يكتب مثل هذا الكتيّب الذي يؤجّج به نائرة الفتنة ، ويزيد به الفُرقة بتكفير طائفة كبيرة من طوائف المسلمين ، يرمي علماء الشيعة بهدم الإسلام وتمزيق شمل