وإنما سُمِّي مصحفاً لأنه كتاب جامع لصُحُف مكتوبة ، وكل ما كان كذلك فهو مصحف لغة ، وإن لم يكن قرآناً أو فيه شيء من سُوَره وآياته.
قد يقول قائل : إن ادِّعاء تكليم الملائكة غير الأنبياء باطل ، فلا يصح ادعاء سماع فاطمة وعلي عليهما السلام كلام الملائكة عامة أو جبريل خاصة.
والجواب : أن الأحاديث التي أخرجها حفاظ الحديث من أهل السنة قد دلَّت على أكثر من ذلك في حق مَن هم دون أمير المؤمنين فاطمة عليها السلام.
ولنا أن نقسم تلك الأحاديث إلى أربع طوائف :
الطائفة الأولى : دلَّت على أن الناس لو استقاموا لصافحتهم الملائكة.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والحميدي والطيالسي وابن حبان وغيرهم عن حنظلة التميمي الأسيدي ، أن النبي صلى الله عليه وآله قال : يا حنظلة ، لو كنتم تكونون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو في طرقكم (1).
وفي رواية أخرى ، قال : لو كنتم تكونون إذا فارقتموني كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة بأكُفِّها ، ولزارتكم في بيوتكم(2).
وعلى ذلك يُحمل تكليم الملائكة لمريم عليها السلام فيما حكاه الله سبحانه في كتابه العزيز ، إذ قال ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً * فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويًّا * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًّا * قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيًّا * قالت أنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيًّا * قال كذلك قال ربك هو علي هيِّن ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضيًّا ) (1).
وقال عز من قائل ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين * يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) (2).
وعليه فهل يحق لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينفي عن أمير المؤمنين عليه السلام الاستقامة التي تؤهّله لأن تتحدَّث معه الملائكة في بيته ، وهو مولى كل مؤمن ومؤمنة (3) ، الذي يدور معه الحق حيثما دار (4) ، وأخو النبي
=
وهل يحق لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينفي عن فاطمة
=
مسلم ولم يخرجاه. راجع كتابنا المذكور ، ص253 ـ 254.
الطائفة الثانية : دلَّت على أن بعضاً من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع كلام بعض الملائكة.
ومنها ما أخرجه أحمد عن حذيفة بن اليمان أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : بينما أنا أصلّي إذ سمعت متكلماً يقول : اللهم لك الحمد كله ، ولك الملك
الطائفة الثالثة : ما دلَّ على أن جمعاً من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأوا جبرئيل عليه السلام.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم ـ واللفظ له ـ والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد وغيرهم عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً بارزاً للناس ، فأتاه رجل فقال : يا رسول الله ، ما الإيمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله ، وتؤمن بالبعث الآخر. قال : يا رسول الله ، ما الإسلام ؟ قال : الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان. قال : يا رسول الله ، ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإنك إن لا تراه فإنه يراك.
إلى أن قال : ثم أدبر الرجل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رُدُّوا عليَّ الرجل. فأخذوا ليَردُّوه فلم يروا شيئاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هذا جبريل جاء ليُعَلِّم الناس دينهم (2).
وممن رُوي أنه رأى جبريل عليه السلام عائشة فيما أخرجه ابن سعد عنها أنها قالت : لقد رأيت جبريل واقفاً في حجرتي هذه على فرس ورسول الله
وأخرج أحمد عن عائشة أنها قالت : رأيتك يا رسول الله وأنت قائم تكلم دحية الكلبي. فقال : وقد رأيتِه ؟ قالت : نعم. قال : فإنه جبريل ، وهو يقرئك السلام. قالت : وعليه السلام ورحمة الله ، جزاه الله من زائر ودخيل ، فنعم الصاحب ونعم الدخيل (2).
ومنهم : عبد الله بن العباس فيما أخرجه أحمد عن ابن عباس ، قال : كنت مع أبي عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده رجل يناجيه ، فكان كالمعرض عن أبي ، فخرجنا من عنده ، فقال لي أبي : أي بُني ، ألم ترَ إلى ابن عمك كالمعرض عني ؟ فقلت : يا أبتِ ، إنه كان عنده رجل يناجيه. قال : فرجعنا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال أبي : يا رسول الله ، قلتُ لعبد الله كذا وكذا ، فأخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك ، فهل كان عندك أحد ؟ فقـال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وهل رأيتَه يا عبد الله ؟ قال : قلت : نعم. قال : فإن ذاك جبريل ، وهو الذي شغلني عنك (3).
ومنهم : محمد بن مسلمة فيما أخرجه الذهبي عنه ، قال : مررت فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الصفا واضعاً يده على يد رجل ، فذهبت. فقال : ما منعك أن تسلِّم ؟ قلت : يا رسول الله ، فعلتَ بهذا الرجل شيئاً ما فعلته بأحد ، فكرهت أن أقطع عليك حديثك ، مَن كان يا رسول الله ؟ قال : جبريل ، وقال لي : هذا محمد بن مسلمة لم يسلِّم ، أما إنه لو سلَّم رددنا
ومنهم : حارثة بن النعمان فيما أخرجه ابن سعد والهيثمي عنه ، قال : رأيت جبريل من الدهر مرتين ، يوم الصَّوْرَين حين خرج رسول الله إلى بني قريظة ، مرَّ بنا في صورة دحية ، فأمرَنا بلبس السلاح ، ويوم موضع الجنائز حين رجعنا من حنين (2).
وأخرج أحمد عنه ، قال : مررت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جبريل جالس في المقاعد ، فسلَّمت عليه ثم أجزت ، فلما رجعت وانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : هل رأيت الذي كان معي ؟ قلت : نعم. قـال : إنه جبريل عليه السلام وقد ردَّ عليك السلام (3).
الطائفة الرابعة : دلت على أن بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت الملائكة تسلِّم عليه وتصافحه ويراهم عياناً.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن عمران بن حصين ـ في حديث ـ قال : وقد كان يُسَلَّم عليَّ حتى اكتويتُ فتُرِكْتُ ، ثم تَركْتُ الكَيّ فعاد (4).
وأخرج ابن سعد عن قتادة : أن الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين حتى اكتوى فتَنَحَّتْ (5).
قال الذهبي في ترجمة عمران بن حصين : وكان ممن يسلّم عليه الملائكة...
وقال : وكان به داء الناصور فاكتوى لأجله ، فقال : اكتوينا فما أفلحن
وقال ابن حجر : وكانت الملائكة تصافحه قبل أن يكتوي (2).
وقال النووي : كانت الملائكة تسلّم عليه ويراهم عياناً كما جاء مصرحاً به في صحيح مسلم (3).
وقال ابن عبد البر : يقول عنه أهل البصرة : إنه كان يرى الحفَظة ، وكانت تكلّمه حتى اكتوى (4).
إلى غير ذلك مما لا يُحصى كثرة ، ولا نحتاج إلى تتبّعه واستقصائه (5).
وبالجملة فالأحاديث المروية الدالة على رؤية جمع الصحابة للملائكة وسلامهم عليهم وكلامهم معهم لا تُحصى كثرة ، وفيما ذكرناه كفاية.
ومن كل ذلك نخلص إلى أن سماع أمير المؤمنين وسيدة نساء العالمين عليهما السلام حـديث الملَك أو جبرئيل عليه السلام ممكن الوقوع ، بل إن ذلك غير مستبعد منهما ، ولا سيما بعدما رأينا الأحاديث الكثيرة الدالة على تكليم الملائكة وسلامهم ومصافحتهم لمن هو دونهما عليهما السلام ، فالجرأة على إنكار كلام الملائكة مع علي وفاطمة عليهما السلام خطأ بيِّن فاحش لا يجوز لمسلم أن يقدم عليه ، لأنه طعن واضح في العترة النبوية الطاهرة ، أعاذنا الله من ذلك.
قال الجزائري : 6 ـ صاحب هذا الاعتقاد لا يمكن أن يكون من المسلمين أو يُعَد من جماعتهم وهو يعيش على علوم ومعارف وهداية ليس للمسلمين منها شيء.
الظاهر أنه يشير إلى اعتقاد أن أهل البيت عليهم السلام عندهم الجامعة والجفر ومصحف فاطمة عليها السلام بقرينة قوله : وهو يعيش على علوم ومعارف وهداية ليس للمسلمين منها شيء.
وكيف كان ، فالذي يعتقد بذلك لحصول أدلة صحيحة عنده لا يجوز التسرُّع في الحكم بكفره والجزم بخروجه عن جماعة المسلمين ، لأن هذا الاعتقاد لو سلَّمنا ببطلانه جدلاً فمَن اعتقد به عن شُبهة لا يُكفَّر بل ولا يُفسَّق ، لأنه لم يجحد ما عُلم ثبوته في الدين بالضرورة ، بل إن شُبهته تمنع من الإقدام على تكفيره حتى لو أنكر ضرورياً فضلاً عن غيره.
ومن الواضح أن اعتقاد حيازة أهل البيت عليهم السلام لهذه الكتب لا يستلزم إنكار ضروري في الدين ، بل إن إنكار ذلك فيه احتمال الوقوع في الهلكة برد ما هو ثابت وصحيح ، وبالإقدام على النيل من العترة النبوية الطاهرة ، عصمنا الله من ذلك بمنّه وكرمه. وقد مر ما ينفع في المقام آنفاً عند ذِكرنا للأحاديث الناهية عن رد ما يقوله أهل الكتاب ، فراجعه.
وتعليل خروج من يعتقد بهذا الأمر عن دائرة الإسلام وجماعة المسلمين بأنه يعيش على علوم ومعارف وهداية ليس للمسلمين منها شيء تعليل باطل ، لأن اعتقاد ذلك لا يعني أن هذه الكتب والصحف هي في حيازة الشيعة يهتدون بها دون سائر المسلمين ، ولو سلَّمنا بذلك فلا محذور في أن يتمسك الشيعة الإمامية بالعترة النبوية الطاهرة ، فيأخذون بهديهم ، ويتزوَّدون من علومهم ، وينهلون من معارفهم اتباعاً لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم
هذا مضافاً إلى أن الفرقة الناجية لا بد أن تكون لها هداية ومعارف ليست لغيرها من الطوائف ، وإلا لما كان في المسلمين فرقة ناجية واحدة ، ووجب أن تكون كل فِرَق المسلمين ناجية ، وهو باطل.
قال الجزائري : 7 ـ وأخيراً فهل مثل هذا الهراء الباطل والكذب السخيف تصح نسبته إلى الإسلام ، دين الله الذي لا يقبل غيره ؟!
( ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبَل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ).
أنَّا أوضحنا بما لا مزيد عليه أن كل ما أنكره الجزائري وشنع به على الشيعة لا محذور فيه ، والأحاديث الصحيحة المروية في كتب أهل السنة تعضِّده وتؤيِّده ، مع أن مثله مذكور في كتب أهل السنة أو أكثر منه. وكل ما ذكره من اللوازم غير لازم ، فإنه حمَّل حديث « الكافي » الذي افتتح به حقيقته هذه ما لا يحتمل من الخيالات الباطلة والأوهام الفاسدة ، التي كان الداعي إلى ذكرها هو التعلق بكل ما يكفّر به الشيعة وإن كان باطلاً.
وعليه فأي هراء باطل في هذا الحديث وأي كذب سخيف ؟!
والذي رأيناه في كلمات القوم أنهم يرون كل فضيلة لأهل البيت عليهم السلام
قال الجزائري :
أورد صاحب الكافي هذه الحقيقة بقوله : إن أبا الحسن موسى الكاظم ـ وهو الإمام السابع من أئمة الشيعة الاثني عشرية ـ قال : الله عز وجل غضب على الشيعة ، فخيَّرني نفسي أو هم ، فوقيتهم بنفسي .
قال الجزائري : والآن أيها الشيعي ، فما مدلول هذه الحكاية التي ألزموك باعتقادها ، بعدما فرضوا عليك الإيمان بها وتصديق مدلولها حسب ألفاظها قطعاً ؟
إن موسى الكاظم رحمه الله تعالى قد رضي بقتل نفسه فداءً لأتباعه ، من أجل أن يغفر الله لهم ، ويدخلهم الجنة بغير حساب.
أنا ذكرنا أن هذا الحديث ضعيف السند ، فلا يصح العمل به ولا الاعتقاد بمضمونه ، لأنا أوضحنا مكرراً أن المعتقدات لا يجوز إثباتها بالحديث الصحيح فضلاً عن الضعيف.
وعليه ، فزعم الجزائري أن مضمون هذا الخبر مما أُلزم الشيعي باعتقاده وفُرض عليه الإيمان به زعم باطل لم يستند إلى حجة ، ومجرد روايته في الكافي لا يدل على أن الشيعة يعتقدون به كما أوضحناه فيما تقدم.
وما ذكره من التعليل في قوله : « إن موسى الكاظم رحمه الله تعالى قد رضي بقتل نفسه فداءً لأتباعه من أجل أن يغفر الله لهم ، ويدخلهم الجنة بغير حساب » لا يدل عليه الحديث ، فإن ظاهر الحديث قد دلَّ على أن الإمام الكاظم عليه السلام قد وقى الشيعة بنفسه من القتل في الدنيا ، أما أنه علي السلام قد فداهم بنفسه لغفران ذنوبهم ولإدخالهم الجنة بغير حساب فلا يدل عليه الحديث بأي دلالة كما هو واضح.
قوله عليه السلام : « إن الله غضب على الشيعة » يعني به جماعة من الشيعة المعاصرين له عليه السلام ، وإنما غضب عليهم لأمور وقعت منهم.
قال المولى المجلسي أعلى الله مقامه : « غضب على الشيعة » إما لتركهم التقية ، فانتشر أمر إمامته عليه السلام ، فتردد الأمر بين أن يقتل الرشيد شيعته ويتتبعهم ، أو يحبسه عليه السلام ويقتله ، فدعا عليه السلام لشيعته ، واختار البلاء لنفسه. وإما لعدم انقيادهم لإمامهم وخلوصهم في متابعته وإطاعة أوامره ، فخيَّره الله تعالى بين أن يخرج على الرشيد فتُقتل شيعته إذا يخرج ، فينتهي الأمر إلى ما انتهى إليه.
وقيل : خيَّرني الله بين أن أوطِّن نفسي على الهلاك والموت ، أو
وقيل : أي فخيرني بين إرادة موتي أو موتهم ، لتحقّق المفارقة بيني وبينهم ، فاخترتُ لقاء الله شفقة عليهم (1).
وحاصل معنى الحديث أن الله سبحانه قد غضب على بعض الشيعة لأمور قبيحة صدرت منهم ، فدار الأمر حينئذ بين قتل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وبين هلاك الشيعة ، فاختار الإمام عليه السلام قتله ، ووقى شيعته بنفسه ، فحصلت لهم بذلك النجاة من القتل والبلاء.
قال الجزائري : تأمل أيها الشيعي وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه من صالح المعتقد والقول والعمل. تأمل هذه الفرية ولا أقول غير الفرية (2) ، وذلك لمجانبتها الحق ، وبعدها كل البعد عن الواقع والصدق ، تأملها فإنك تجدها تلزم معتقدها بأمور عظيمة ، كل واحد لا ترضى أن ينسب إليك أو تنتسب أنت إليه ما دمت ترضى بالله ربًّا ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبيًّا.
أنَّا أوضحنا أن هذا الحديث ضعيف السند ، والحديث الضعيف كما مر لا يُلزم الشيعة بشيء مما جاء فيه ، ولا يُحتج عليهم به.
على أنَّا لو سلَّمنا بصحة هذا الحديث فإن معناه لا تردُّه العقول ، ولا يستلزم شيئاً من اللوازم الفاسده التي ذكرها الجزائري ، لإمكان حمله على وجوه صحيحة لا تأباها ألفاظ الحديث كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ثم إن الجزائري أخذ في سرد أمور جعلها لوازم يُلزَم بها كل واحد من الشيعة الإمامية ، فقال :
وتلك الأمور :
1 ـ الكذب على الله عز وجل في أنه أوحى إلى موسى الكاظم بأنه غضب على الشيعة ، وأنه خيَّره نفسه أو شيعته ، وأنه فداهم بنفسه ، فهذا والله لكذب عليه عز وجل ، وهو يقول ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ).
1 ـ أن الحديث لا دلالة فيه على أن الله أوحى إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام أنه غضب على الشيعة وأنه خيَّره نفسه أو الشيعة ، لأنه عليه السلام لم يقل : « إن الله عز وجل أوحى إليَّ ذلك ».
والحديث لا يدل على أكثر من أن الإمام عليه السلام علم بأن الله سبحانه قد غضب على جمع من الشيعة ، أما كيف علم الإمام عليه السلام بذلك فهذا شيء آخر.
ويحتمل في المقام أمران :
1 ـ أنه عليه السلام علم ذلك بالإلهام ، فإن الإلهام يقع في هذه الأمَّة ، وأثبته أهل السنة لجمع من الناس ، منهم عمر بن الخطاب.
واستدلوا على ثبوت الإلهام لخصوص عمر بن الخطاب بما أخرجه البخاري مسلم والترمذي وأحمد والحاكم وابن حبان والطيالسي والطحاوي وغيرهم عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون ، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر (1).
=
قال ابن حجر : « محدَّثون » جمع محدَّث ، واختُلف في تأويله ، فقيل : مُلهَم. قاله الأكثرون ، قالوا : المحدَّث هو الرجل الصادق الظن ، وهو مَن أُلقي في روعه شيء من قِبَل الملأ الأعلى ، فيكون كالذي حدَّثه غيره به (1).
وقال أيضاً : وتمحَّضت الحكمة في وجودهم ـ يعني المحدَّثين ـ وكثرتهم بعد العصر الأول في زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيه ، وقد تكون الحكمة في تكثيرهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فيهم ، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيها لكون نبيّها خاتم الأنبياء ، عُوِّضوا بكثرة الملهَمين (2).
وعلى هذا فليس بمستبعد أن يكون الإمام الكاظم عليه السلام واحداً من هؤلاء المحدَّثين الكثيرين في هذه الأمة. لأنه إمام من أئمة المسلمين وواحد من رؤساء الدين. وهذه كلمات أعلام أهل السنة تصدح في الإشادة بجلالته والتنويه بعظمته وسمو مكانته ، وهي أكثر من أن يتسع لها المقام ، وإليك بعضاً منها :
قال ابن حجر : موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ، أبو الحسن الهاشمي ، المعروف بالكاظم ، صدوق عابد (3).
وقال : ومناقبه كثيرة (4).
=
6|55. المستدرك 3|86. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9|21. مسند أبي داود الطيالسي ، ص308. مشكل الآثار 2|256. فضائل الصحابة 1|354 ـ 355 ، 361 ، 362. در السحابة ، ص161. مشكاة المصابيح 3|1702. الفردوس بمأثور الخطاب 3|278.
وقال أبو حاتم : ثقة صدوق ، إمام من أئمة المسلمين (1).
وقال الذهبي : كان صالحاً عابداً جواداً حليماً كبير القدر (2).
وقال : قد كان موسى من أجواد الحكماء ومن العُبَّاد الأتقياء ، وله مشهد معروف ببغداد (3).
وقال أيضاً : أجلّ آل جعفر وأشرفهم ابنه موسى الكاظم ، الإمام القدوة السيد أبو الحسن العلوي والد الإمام علي بن موسى الرضا ، مدني نزل بغداد (4).
وقال كذلك : روى أصحابنا أنه دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسجد سجدة في أول الليل ، فسُمع وهو يقول في سجوده : « عظُم الذنب عندي ، فليحسن العفو من عندك ، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة » ، فجعل يردّدها حتى أصبح. وكان سخيًّا كريماً ، يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرّة فيها ألف دينار (5).
وقال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابة : كان موسى بن جعفر يُدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده (6).
وقال ابن الجوزي : كان يُدعى العبد الصالح ، لأجل عبادته واجتهاده وقيامه بالليل ، وكان كريماً حليماً ، إذا بلغه عن رجل أنه يؤذيه بعث إليه بمال (7).
وقال ابن كثير : كان كثير العبادة والمروءة ، إذا بلغه عن أحد أنه يؤذيه أرسل له بالذهب والتحف (1).
وقال ابن تيمية : وموسى بن جعفر مشهور بالعبادة والنّسك (2).
وقال السويدي : هو الإمام الكبير القدر ، الكثير الخير ، كان يقوم ليله ، ويصوم نهاره ، وسُمّي كاظماً لفرط تجاوزه عن المعتدين... وكانت له كرامات ظاهرة ومناقب لا يسع مثل هذا الموضع ذكرها (3).
وبالجملة ، فالإمام موسى بن جعفر عليه السلام هو بدرجة من الجلالة والرفعة وعظم الشأن بحيث لا يُنكر في حقه أن يكون واحداً من أولئك المحدَّثين.
2ـ لعلَّ الإمام عليه السلام إنما قال ذلك بناءً على ما هو الظاهر من أن الله سبحانه يغضب على مَن فعَل فعلاً من الأمور العظيمة التي يكون لها آثار سيّئة على الإسلام والمسلمين ، فإن الإمام عليه السلام لما رأى أن جماعة من الشيعة قد تركوا التقية وصرَّحوا باسم الإمام عليه السلام ، علِمَ أن الله قد غضب عليهم ، بتعريضهم الإمام عليه السلام أو باقي الشيعة للقتل والهلاك ، لأن مَن أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوباً بين عينيه : « آيس من رحمة الله » كما جاء في الخبر (4) ، فكيف بمن تسبَّب في قتل إمام المسلمين ؟!
قال الجزائري : 2 ـ الكذب على موسى الكاظم رحمه الله وبهته بهذه
أن الكليني قدس سره روى هذا الحديث في كتابه الكافي بظن أنه معتبر ، وغيره من علماء الشيعة لم يوافقوه في ذلك ، فالكليني اجتهد في الحديث فأخطأ في الحكم عليه بالاعتبار ، وهذا من الأمور المغتفرة للعالم المجتهد كما هو معلوم.
والحديث مع قولنا بضعفه إلا أنّا لا نجزم بأنه مكذوب على الإمام الكاظم عليه السلام ، وقد اتضح ذلك مما تقدم. على أنه لو ثبت أن هذا الحديث مكذوب على الإمام الكاظم عليه السلام فمن الجور أن يُنْسب الشيعة كلهم إلى الكذب في الوقت الذي نرى فيه علماء الشيعة لا يصحّحون هذا الحديث ولا يعتقدون بمضونه.
وكيف كان فلو جاز ذلك لحق لنا نسبة كل الطوائف إلى الكذب ، لأنه ما من طائفة إلا وفي كتبها المعتمدة كثير من الأحاديث المكذوبة كما لا يخفى على من تتبّع كتب الأحاديث.
وقوله : « وبهته بهذه الفرية التي هو منها والله براء » فيه أن البهتان هو الكذب على المرء بما ليس فيه مما يشينه ويضعه كما دلَّت عليه الأحاديث المفرِّقة بين الغيبة والبهتان ، فإن الغيبة هي أن تتكلم في الرجل بما فيه ، والبهتان هو أن تتكلم فيه بما ليس فيه (1).