سلسلة مصادر بحار الانوار ـ 1

وَالمُشْتَهِرُ بـ ( فِقْهِ الرِّضَا )


تحقيق
مُؤَسّسَة آل البَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لاِحيآء التُّراثِ

المُؤتَمرُ العالَمي لِلإمامِ الرِّضا عَلَيهِ السّلام






الإهـداء


( 7 )

تمهيد



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، محمد وعترته المعصومين.
وبعد. فإن الجهد الجبار الذي قام به العلامة الكبير وباعث حديث أهل البيت ( عليهم السلام ) في المائة الحادية عشرة، الشيخ محمد باقر بن محمد تقي المجلسي، حشرة الله مع الأئمة المعصومين، هو مورد تقدير واكبار العلماء والباحثين على مدى العصور.
وقد حمدت له غايته السامية في حفظ تراث أهل البيت ( عليهم السلام ) ولمّ شمل ما انتشر منه في المخطوطات المتفرقة العزيزة الحصول ـ يوم ذاك ـ فحفظ ما اسعفته يد مقدرته، وصرف هو وجملة من تلامذه الاعاظم، الذين هم قمم شاهقة في علم الحديث وغيره، كالسيد نعمة الله الجزائري شارح التهذيب، والشيخ عبدالله بن نورالله البحراني صاحب العوالم، والميرزا الافندي صاحب رياض العلماء.. نعم صرف هؤلاء البررة قسطاً وافراً من أعمارهم الغالية في جمع وتنظيم هذا الكتاب الضخم الفخم، فحفظوا لنا ثروة غالية لا تقدر بثمن.
البحار.. ذلك الكتاب العظيم بصورة الحاضرة محتاج إلى تدقيق وتحقيق حسب القواعد التي استقر عليها هذا الفن ـ في تحقيق المخطوطات ـ.
وذهبت بي الأفكار في مجالاتها الواسعة، حتى استقرت بي على أن الباب الذي يدخل منه إلى تحقيق الكتاب، هو تحقيق مصادر الكتاب أولاً لإرساء القاعدة الصلبة بضبط نصوص الأحاديث وتقويم أسانيدها.
فصممت العزم مع الإخوة المشتغلين في تحقيق التراث في مؤسسة آل البيت ( عليهم السلام ) للنهوض بهذا المشروع العظيم.


( 8 )

وكان كتاب الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا ( عليه السلام )، أول الكتب التي تم العمل في تحقيقها، وهو الكتاب الذي بين يدي القارئ العزيز.
وبرقت بارقة خير وهدى، من الشمس المشرقة في خراسان ـ الثامن الضامن ـ الإمام الرضا ( عليه السلام )، وتجلّت هذه البارقة حزمة ضوء ـ تضيء للباحثين الطريق ـ في المؤتمر العالمي المنعقد سنوياً تحت اسمه الشريف.
والأمة تأمل من هذا المؤتمر، أن يزودها ـ على مدى السنين ـ بالزاد النافع في دنياها و اُخراها، ولن يخيب ظنها إن شاء الله.

***


( 9 )

المقدمة

رغم الحملات المسعورة التي شنها الحكام الجائرون والظلمة العتاة، ضد أهل بيت عصمهم الله من الزلل، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، مستهدفين أطفاء تلك الأنوار الإلهية والقبسات الربانية، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.
ورغم الترشيد والملاحقة التي واجهت الرساليين المؤمنين بربهم، الملتزمين بعقيدتهم، الأوفياء لمبادئهم، فقد كانوا كالبنيان المرصوص، لم تهزهم تلك الرياح الهوجاء والعواصف العاتية.
بيد أن للباطل جولة وللحق دولة، فأتعب المخلصون أنفسهم، وبذلوا الغالي والرخيص لحفظ ذلك التراث الإسلامي العظيم، الموروث من أهل البيت العصمة والطهارة، خوفاً عليه من الدس والإندراس والتلف والضياع.
يحدثنا التاريخ عن اخت محمد بن أبي عمير، وعن كيفية دفن الكتب التي كانت عنده خوفاً من السلطة الحاكمة التي اعتلقته، وما آلت إليه تلك الآثار الثمنية من التلف، وكيف أصبحت مراسيل ابن أبي عمير كالمسانيد، جزاءً لذلك الإخلاص والتفاني في سبيل الحق والمبدأ.
هل ينسى التاريخ الهجوم الوحشي الكاسر، الذي شنه طغرل بك السلجوقي على دار شيخ الطائفة في بغداد لإحراق كتبه، ورمي القسم الآخر منه في الماء، وإحراق كرسي كان يجلس عليه عند إلقاء دروسه، هذا الكرسي الذي هو اعتراف من خليفة بغداد، بأعلمية الشيخ الطوسي في عاصمة الإمبراطورية الواسعة.
كم وكم قاسى الشهيدان الأول والثاني، وغيرهما من أعلام الطائفة، من جهلة عصرهم و طواغيت زمانهم.
فكان أن تلف القسم الكثير من ذلك الموروث الحضاري العظيم، وسرق القسم الأوفر مما تبقى منه وسلم من عوادي الزمان، ليستقر في خزانات المتاحف البريطانية


( 10 )

والأسبانية والإيطالية وو...، أو في خبايا المكتبات الشخصية أو المهجورة.
ولكن جهود الباحثين بعد التتبع الشاق العسير، توصلهم، إلى نسخة من تلك النسخ في احدى المكتبات المطورة ـ بعد بقاء القسم الأكبر منها رهينا بيد الاقدار تتلاعب به كيفما أرادت وشائت ـ وتكثر حينذاك حول هذه النسخة علامات التساؤل والإستفسار، وتوضع على طاولة التشريح. في أي قرن الف الكتاب، وما هو موضوعه؟ ولمن هذه الكتب؟ وو...؟
وتزداد بذلك علامات الحيرة والإستفهام أكثر فأكثر.

***

ومن أهم تلك الكتب التي كانت ـ وما تزال ـ عرضة للتساؤل والإستفسار ومورداً للبحث و النقاش بين الأعلام ـ هو الكتاب الماثل بين يديك ـ الفقه المنسوب لسيدنا ومولانا الإمام علي بن موسى الرضا عليه الصلاة والسلام.
لقد تناول المحققون والعلماء هذا الكتاب بالبحث والدراسة المتعمقة وذهبوا في ذلك مذاهب شتى اتسم البعض منها بقوة الإستدلال وحجية المنطق وأصالة الرأي.
وانا إذ نذكر أولاُ أهم الآراء والاحتمالات المروية في الباب ومن ثم نتطرق إلى ذكر أدلة كل واحد منهم، وهي.
1 ـ أنه للإمام الثامن علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ).
2 ـ كونه متحداً مع كتاب الشرائع الذي كتبه أبوالحسن علي بن موسى بن بابويه لولده الشيخ الصدوق.
3 ـ كونه مجعولاً كله أو بعضه على الإمام الرضا ( عليه السلام ).
4 ـ أنه عين كتاب المنقبة للإمام الحسن بن علي العسكري ( عليه السلام ).
5 ـ أنه من مؤلفات بعض اولاد الائمة بأمر الرضا ( عليه السلام ).
6 ـ أنه من مؤلفات بعض أصحاب الامام ( عليه السلام ).
7 ـ التوقف.
8 ـ أنه كتاب التكليف لمحمد بن علي بن أبي العزاقر الشلمغاني الذي رواه عنه الشيخ أبوالحسن علي بن موسى بن بابويه.
وعلى فرض إحدى الاحتمالات المذكورة، فهل أنه مورد اعتماد الأصحاب، وهل يمكن التعويل عليه في استنباط الأحكام أو لا؟


( 11 )

ذهب بعض الاعلام إلى أنه كتاب حديثي روائي، وآخرون منهم إلى أنه كتاب فقهي فتوائي.
فلذلك كان مثار الجدل عند أكابر القوم وأعلام الطائفة، وذكر كل منهم دليله الذي يعضد رأيه ويؤيد مشربه.

1 ـ أنه من تأليف الإمام الرضا عليه السلام.
لم يكن الكتاب متداولاً بين الاصحاب إلى زمان الفاضل التقي مولانا محمد تقي المجلسي قدس سره، وهو أول من روج لهذا الكتاب ونبه عليه في اللوامع ـ وهو شرحه الفارسي على الفقيه ـ وبعده ولده العلامة مروج الشريعة المحدث مولانا محمد باقر المجلسي، فإنه أورده في كتاب بحارالنوار ووزع عباراته على الأ بواب، واستند إليها في الآ داب و الأحكام المشهورة الخالية عن المستند ظاهراً (1).
يقول العلامة المجلسي. « وكتاب الفقه الرضا ( عليه السلام ) أخبرني به السيد الفاضل المحدث القاضي أمير حسين ـ طاب ثراه ـ بعد ما ورد أصفهان، قال. قد اتفق في بعض سني مجاورتي بيت الله الحرام، أن أتاني جماعة من أهل قم حاجين، وكان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه عصر الرضا صلوات الله عليه، وسمعت الوالد ـ رحمه الله ـ أنه قال. سمعت السيد يقول. كان عليه خطه صلوات الله عليه، وكان عليه إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء وقال السيد. حصل لي العلم بتلك القرائن أنه تأليف الإمام ( عليه السلام ) فأخذت الكتاب وكتبته وصححته، فأخذ والدي ـ قدس الله روحه ـ هذا الكتاب من السيد واستنسخه وصححه، وأكثر عباراته موافق لما يذكره الصدوق أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيهمن غير سند، وما يذكره والده في رسالته إليه، وكثير من الأحكام التي ذكرها أصحابنا ولا يعلم مستندها مذكورة فيه » (2).
واعتمد عليه بعدهما السيد صاحب الرياض وصاحب مفاتيح الاصول، والشيخ البحراني، والفاضل الكاشاني، وجعلوه في مصاف الأخبار ونقلوه في مؤلفاتهم بنحو
____________
(1) مفاتيح الاصول. 352، وعوائد الايام. 248.
(2) بحارالانوار 1: 11.

( 12 )

الروايات.
والسيد أمير حسين ـ على حد قول النراقي ـ هو.
القاضي أمير حسين الذي حكى عنه الفاضلان المجلسيان، هو السيد أمير حسين بن حيدر العاملي الكركي، ابن بنت المحقق الشيخ علي بن عبدالعال الكركي، وكان قاضي اصفهان والمفتي بها في الدولة الصفوية ـ أيام السلطان العادل شاه طهماسب الصفوي ـ وهو أحد الفقهاء المحققين، والفضلاء المدققين، مصنف مجيد، طويل الباع، كثير الاطلاع.
وجدت له رسالة مبسوطة في نفي وجوب الجمعة في زمان الغيبة، وكتاب النغمات القدسية في أجوبة المسائل الطبرسية، وكتاب رفع المناواة عن التفضيل والمساواة (1).
يقول المحدث النوري رحمه الله. والثقة العدل القاضي أمير حسين ـ طاب ثراه ـ استنسخ هذا الكتاب قبل هذا بنحو من عشر سنين، وكان في عدة مواضع خط الإمام الرضا ( عليه السلام ) وإني أشرت إليه ورسمت صورة خطه ( عليه السلام ) على ما رسمه القاضي. ومن موافقة الكتاب لكتاب الفقيه يحصل الظن القوي بان علي بن بابويه ومحمد بن علي كانا عالمين بان هذا الكتاب تصنيف الامام ( عليه السلام ) وقد جعله الصدوق حجة بينه وبين ربه (2).
وذكر القاضي أمير حسين. ان من كان عنده هذا الكتاب، ذكر أنه وصل من آبائنا، إن هذا الكتاب من تصنيف الامام ( عليه السلام ) كانت نسخة قديمة مصححة، وفي ذلك إشعار بتواتر انتسابه اليه ( عليه السلام ).
ولا أقل من الإستفاضة، وبذلك يخرج عن حيز الوجادة ـ ويدخل في حد الحسان من المسانيد برواية من مدحهم القاضي من الشيعة القميين وان جهل حالهم (3).
قال صاحب الدرة. إن السيد أمير حسين بن حيدر العاملي الكركي ـ ابن بنت
____________
(1) عوائد الايام: 249.
(2) مستدرك الوسائل 3: 337.
(3) مفاتيح الاصول: 351.

( 13 )

المحقق الشيخ علي بن عبدالعال الكركي طاب ثراه ـ وكان قاضي إصفهان والمفتي بها في الدولة الصفوية ـ أيام السلطان الغالب الشاه طهماسب الصفوي ـ وهو أحد الفقهاء المحققين، والفضلاء المدققين، مصنف مجيد، طويل الباع، كثير الاطلاع، وله كتاب الإجازات فيه إجازات جم غفير من العلماء المشاهير له، منهم خاله المحقق المدقق الشيخ عبدالعال بن المحقق الشيخ علي الكركي، وابن خالته السيد العماد، والأمير محمد باقر الداماد، والشيخ الفقيه الأوحد الشيخ بهاء الدين محمد العاملي (1).
وذكر في موضع آخر من كتابه: ان السيد امير حسين كان مجاوراً في مكة المعظمة سنين، وبعد ذلك جاء إلى اصفهان وذكر لي. أني جئت بهدية نفيسة إليك (2).
فإن سياق هذا الكلام مما لا يناسب الطريقة المعهودة من السيد الكركي الذي كان من مشائخ المولى المذكور وبنيه، وإنما هو كلام يصدر غالباً عمن يتكلم مع من هو أعلى منه أو يساويه (3).
وقال السيد الخوانساري في رسالته.
و أما ما تقدم من اتحاد القاضي أمير حسين المذكور، مع السيد الأجل الأكمل السيد حسين بن حيدر العاملي المجتهد، كما توهمه سيدنا صاحب الدرة، فهو أيضاً كلام عارٍ عن التحقيق، ناشئ عن قلة التتبع والتدقيق، وذلك لأن السيد حسين بن حيدر الكركي المفتي صاحب كتاب الإجازات، كان من أعظم فقهاء عصر مولانا الفاضل التقي المجلسي، ومعاصره المولى الأفقه الأكمل المحقق الخراساني صاحب الذخيرة والكفاية، وقد استجازه الفاضلان المذكوران، وجمع آخر من فضلاء عصره، فأجاز لهم، وأقر جميع هؤلاء بأفقهيته، وبأنه شيخهم المقدم ورئيسهم المعظم، كما يشهد به سياق روايتهم عنه في الإجازات وغيرها (4).
واستطرد قائلاً.
ومما يزيد ذلك بياناً ويوضحه نهاية التوضيح، ما يعطيه كلام صاحب
____________
(1) الفوائد: 148.
(2) الفوائد: 147.
(3) رسالة الخوانساري. 32.
(4) رسالة الخوانساري. 31.

( 14 )

الرياض (1)، الذي قد بلغ في الاطلاع على دقائق أحوال العلماء الغاية، وتجاوز بتتبعه الكامل النهاية، حيث عقد للقاضي حسين عنواناً عارياً عن ذكر والده باعتبار جهله لنسبه، و ذكر في ذيله أنه الذي أظهر أمر الفقه الرضوي، وجاء به من البيت المعظم، ونبه على أنه غير القاضي مير حسين الميبذي المتوفى سنة ( 870 هـ ) شارح الديوان المرتضوي والكافية الحاجبية.
وأفرد للسيد الفقيه الكركي عنواناً آخر، وأخذ في الإطراء عليه، وفصل الكلام في أحواله و بيان مؤلفاته (2).
وكفانا مؤونة البحث المحدث النوري في مستدركه (3)، والسيد الخونساري في رسالته (4) فراجع.
وسواء أكان السيد امير حسين هذا أو ذاك، فإن روايته للكتاب ممّا يعرف في علم الدراية بالوجادة، ولم نعرف راويها عن الامام ( عليه السلام ) إن صحت.
وهناك رواية اخرى ادعى لها بعض الأعلام الاجازة المسلسلة بالآباء إلى ابن السكين معاصر الإمام الرضا ( عليه السلام ).
ونقل المحقق المجلسي في إجازات البحار (5) صورة إجازة الأمير صدرالدين محمد بن الأمير غياث الدين منصورالحسيني الشيرازي الدشتكي، للسيد الفاضل علي بن القاسم الحسيني اليزدي، وهي إجازة لطيفة حسنة، ومنها بعد ذكر سنده المعنعن بالآباء، قال: ثم ان أحمد السكين (6) جدي صحب الإمام الرضا ( عليه السلام ) من لدن كان بالمدينة
____________
(1) رياض العلماء 2: 30، 31.
(2) رسالة الخونساري: 32.
(3) مستدرك الوسائل 3: 354.
(4) رسالة الخونساري: 32، 33.
(5) بحار الانوار 108: 127، 128.
(6) ما ذكره السيد علي خان من أن الكتاب برواية جده أحمد بن السكين عن الإمام الرضا ( عليه السلام )، فلم نعثر له في كتب الرجال ـ التي بين أيدينا ـ على ذكر.
والذي ذكره الرجاليون محمد بن سكين بن عمار النخعي الجمال ثقة روى أبوه عن أبي عبدالله ( عليه السلام )، له كتاب. قاله النجاشي.

=


( 15 )

إلى أن أُشخص تلقاء خراسان ـ عشر سنين ـ فأخذ منه العلم، وإجازته ( عليه السلام ) عندي، فأحمد يروي عن الإمام الرضا ( عليه السلام )، عن آبائه، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا الإسناد مما أنفرد به لا يشركني فيه أحد، وقد خصني الله تعالى بذلك ، والحمد لله، ومن جميع ذلك ظهر ان امارات الوثوق والاعتماد بهذه النسخة المكية أزيد من النسخة القمية، فلاحظ وتأمل (1).
وهو الذي قواه السيد النحرير صاحب الدرة المنظومة قائلاً: ذكر أنه وجد في الكتب الموقوفة على الخزانة الرضوية ـ على مشرفها آلاف التحية والثناء ـ نسخة من هذا الكتاب كان مكتوباً عليها أن الامام الثامن الضامن صنف هذا الكتاب لمحمد بن سكين، وأن أصل النسخة وجدت في مكة المشرفة بخط الامام، وكانت بالخط الكوفي فنقله المولى المحدث الأميرزا محمد إلى الخط المعروف (2).
ويقول السيد المجاهد في مفاتيحه: ومحمد بن سكين في رجال الحديث، رجل واحد هو محمد بن السكين بن عمار النخعي الجمال ثقة له كتاب، روى أبوه عن أبي عبدالله، وفي الفهرست (3) والنجاشي (4) أن الراوي عنه إبراهيم بن سليمان، والمراد منه إبراهيم بن سليمان بن حيّان، والطبقة تلائم كونه من أصحاب الرضا عليه السلام (5).
وقيل: وروى عنه ابن أبي عمير، وهو من اصحاب الرضا والجواد، فيكون محمد بن سكين من كبار أصحاب الرضا عليه السلام.
ولكن الميرزا عبدالله أفندي قال في رياضه، عند ذكر سلسلة سند السيد علي خان
____________

=

وقد ذكر البرقي في رجاله محمد بن سكين بن يزيد، وعده في أصحاب الكاظم ( عليه السلام ) ، كما في معجم رجال الحديث.
والرجلان ـ كما ترى ـ يمكن أن يكونا من أصحاب الرضا ( عليه السلام ) خصوصاً الأول الذي ذكر النجاشي أن له كتاباً.
أنظر رجال النجاشي: 256، معجم رجال الحديث 16: 119.
(1) مستدرك الوسائل 3: 341.
(2) الفوائد: 149.
(3) فهرست الشيخ: 151 رقم 644.
(4) رجال النجاشي: 256.
(5) مفاتيح الاصول: 353. 7

( 16 )

شارح الصحيفة: إعلم أن أحمد السكين ـ وقد يقال أحمد بن السكين ـ هذا الذي كان في عهد مولانا الرضا صلوات الله عليه، وكان مقربا عنده في الغاية، وقد كتب لأجله الرضا فقه الرضا، وهذا الكتاب بخط الرضا موجود في الطائف بمكة المعظمة، من جملة كتب السيد عليخان المذكور التي قد بقيت في بلاد مكة، وهذه النسخة بالخط الكوفي، وتاريخها سنة مائتين من الهجرة، وعليها إجازات العلماء وخطوطهم (1).
وذهب السيد الخونساري إلى اتحاد النسختين، ولكن المحدث النوري رده بقوله: إتحاد النسختين بعيد، لأن المكية كانت بخطه، والقمية بخط غيره، وقد رسم في بعض مواضعها بخطه كما صرح به التقي المجلسي.
كان في المكية مرسوماً: انه كتبه لأحمد السكين ـ المقرب عنده ـ ولو كان في القمية ذلك لأشار إليه مولانا التقي في شرح الفقيه، لشدة حرصه على نقل كل ما كان له ربط وتعلق بالكتاب، ولذكر تاريخه وأنه كان بالخط الكوفي كما ذكر في المكية (2).
وقال الشيخ منتجب الدين في فهرسته، الموضوع لذكر العلماء المتأخرين عن الشيخ الطوسي ، ما هذا لفظه: السيد الجليل محمد بن أحمد بن محمد الحسيني، صاحب كتاب الرضا، فاضل ثقة، كذا في عدة نسخ مصححة من فهرست المنتجب (3).
وفي كتاب أمل الآمال نقلاً عنه (4): والظاهر أن المراد بكتاب الرضا ( عليه السلام ) هو هذا الكتاب. وأما الرسالة المذهبة المعروفة بالذهبية وطب الرضا، فهي عدة أوراق في الطب صنّفها الرضا للمأمون (5).
أورد على ذلك صاحب الفصول بقوله: وأما ما ذكره البعض في محمد بن أحمد من أنه صاحب كتاب الرضا ( عليه السلام ) فلا دلالة فيه على أن إجازة هذا الكتاب منتهية إليه، لجواز أن يكون المراد به بعض رسائله ( عليه السلام ) مما رواها الصدوق في
____________
(1) رياض العلماء 3: 364.
(2) مستدرك الوسائل 3: 342.
(3) فهرست منتجب الدين: 171 رقم 412.
(4) أمل الآمال 2: 242.
(5) مفاتيح الاصول: 353.

( 17)

العيون، ولو سلم أن المراد به الكتاب المذكور فلا دلالة في كونه صاحبه، على أنه كان يرويه بطريق معتبر لجواز أن يكون واجداً له، أو راوياً بطريق غير معتبر، ولا يبعد أن يكون الكتاب المذكور من تصانيف بعض أصحاب الرضا ( عليه السلام )، وقد أكثر فيه من نقل الأخبار التي سمعها منه ( عليه السلام ) بواسطة وبدونها كما يستفاد من قوله: روي عن العالم وأروي العالم، بناءاً على أن يكون المراد بالعالم هو الرضا ( عليه السلام ) ويصح نسبة الكتاب إليه ( عليه السلام ) نظراً إلى أن الغالب حكاية كلامه، إذ لا يلزم في النسبة أن يكون أصل النسخة بخطه ( عليه السلام ) وربما نسب إلى الصدوق وهو بعيد، مع احتمال أن يكون موضوعاً، ولا يقدح فيه موافقة أكثر احكامه للمذهب، إذ قد يتعلق قصد الواضع بدس القليل بل هذا أقرب إلى حصول مطلوبه لكونه أقرب الى القبول (1).
وقال المحقق النراقي: والمراد بكونه صاحب كتاب الرضا وجود نسخة الأصل عنده وانتهاء إجازة الكتاب إليه لا إنه روى هذا الكتاب عن الإمام بلا واسطة وأنه صنفه له فإنه من العلماء المتأخرين الذين لم يدركوا أعصار الأئمة (2).

* * *

واحتمل المحدث النوري كونه لأُناس آخرين رووا عن الإمام الرضا بأدلة:
منها ما وجده منقولاً عن خط السيد السند المؤيد صاحب مطالع الأنوار، على ظهر نسخة من هذا الكتاب، ما لفظه بعد الإصرار على عدم كونه له ( عليه السلام ): ويحتمل أن يكون هذا الكتاب لجعفر بن بشير، لما ذكره شيخ الطائفة في الفهرست: جعفر بن بشير البجلي، ثقة جليل القدر، له كتاب ينسب الى جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) رواية علي بن موسى الرضا ( عليه السلام )، انتهى كلامه.
وجعفر بن بشير لما كان من أصحاب مولانا الرضا ( عليه السلام ) يمكن أن يكون ما كتبه في أول الكتاب من لسانه ( عليه السلام ) فصار منشأ لنسبة الكتاب إليه ( عليه السلام ) وكان الكتاب قبل زمان الشيخ منسوباً الى جعفر بن محمد ( عليهما السلام )، للإشتراك في الاسم كما أنه في هذه الازمنة مما نسب إلى مولانا الرضا ( عليه السلام ).
____________
(1) الفصول الغروية: 313.
(2) عوائد الايام: 249 ـ 250.

( 18 )

واحتمل كذلك أن يكون هذا الكتاب لمحمد بن علي بن الحسين بـن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) لما قال النجاشي في ترجمته ما هذا لفظه: له نسخة يرويها عن الرضا ( عليه السلام ) أخبرنا أبو الفرج محمد بن علي بن قرة ـ إلى أن قال ـ حدثنا محمد بن علي بن الحسين بن زيد قال: حدثنا علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) بالنسخة (1).
وذكر احتمالات أخرى لذلك.

***

وقال صاحب مفاتيح الاصول بصحة انتسابه إلى الإمام علي بن مـوسى الرضا: ومن أعظم الشواهد على ذلك مطابقة رواية الشيخين الجليلين الصدوقين لذلك، وشدة تمسكهما به، حتى أنهما قدماه في كثير من المسائل على الروايات الصحيحة والأخبار المستفيضة. واتفقا باختيار ما في هذا الكتاب، وخالفا لأجله من تقدمهما من الأصحاب، وعبرا في الغالب بنفس عباراته، وجعلها الصدوق في الفقيه ـ وهو كتاب حديث ـ درايةً ولم يسندها الى الرواية، ويلوح من الشيخ المفيد الأخذ به والعمل بما فيه في مواضع من المقنعة، ومعلوم أن هؤلاء الأعاظم الذين هم أساطين الشيعة وأركان الشريعة، لا يستندون إلى غير مستند، ولا يعتمدون على غير معتمد، وقد سرت فتاواهم إلى من تأخر عنهم، لحسن ظنهم، وشدة اعتمادهم عليهم، وعلمهم بأنهم أرباب النصوص، وأن فتواهم عين النص الثابت عن الحجج ( عليهم السلام )، وقد ذكر الشهيد في الذكرى أن الأصحاب كانوا يعملون بشرائع علي بن بابويه، ومرجع كتاب الشرائع ومأخذه هو هذا الكتاب، كما هو معلوم لمن تتبعهما، وتفحص ما فيهما، وعرض أحدهما على الآخر، ومن هذا يظهر عذر الصدوق في عده لرسالة أبيه من الكتب التي إليها المرجع وعليها المعول. فإن الرسالة مأخوذة من الفقه الرضوي الذي هو حجة عنده، ولم يكن الصدوق ليقلد أباه فيما أفتاه حاشاه، وكذلك اعتماد الأصحاب على كتاب علي بن بابويه، فإنه ليس تقليداً بل اجتهاداً، لوجود السبب المؤدي إليه، وهو العلم بكون ما تضمنه هو عين كلام الحجة انتهى (2).
____________
(1) مستدرك الوسائل 3: 360.
(2) مفاتيح الاصول: 353 ـ 354.

( 19 )

قال المجلسي في لوامعه، عند نقل الصدوق عبارة ابنه في رسالته إليه، في مسألة الحدث الأصغر في أثناء غسل الجنابة، ما ترجمته: الظاهر أن علي بن بابويه أخذ هذه العبارة وسائر عباراته في رسالته الى ولده من كتاب الفقه الرضوي، بل أكثر عبارات الصدوق التي يفتي بمضمونها ولم يسندها إلى الرواية وكأنها من هذا الكتاب. وهذا الكتاب ظهر في قم، وهو عندنا.
وقال في كتاب الحج من الشرح المذكور في شرح رواية اسحاق بن عمار: والمظنون أن الصدوق كان على يقين من كونه تأليف الإمام أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) وانه كان يعمل به وان القدماء منهم كان عندهم ذلك (1).
وهو ما ذهب إليه صاحب الفصول (2) بقوله: ويدل على ذلك أيضاً أن كثيراً من فتاوى الصدوقين مطابقة له في اللفظ وموافقة له في العبارة، لا سيما عبارة الشرائع وأن جملة من روايات الفقيه التي ترك فيها الاسناد موجودة في الكتاب ومثله مقنعة المفيد فيظن بذلك أن الكتاب المذكور كان عندهم وأنهم كانوا يعولون عليه، ويستندون إليه مع ما استبان من طريقة الصدوقين من الإقتصار على متون الأخبار وإيراد لفظها في مقام بيان الفتوى، ولذا عد الصدوق رسالة والده إليه من الكتب التي عليها المعول وإليها المرجع وكان جماعة من الأصحاب يعملون بشرائع الصدوق عند اعواز النص فإن الوجه في ذلك ما ذكرناه (3).
ولذا قال المحقق النراقي: المظنون ان الصدوق كان على يقين من كونه تأليف الامام أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) وأنه كان يعمل به، وأن القدماء منهم من كان عنده ذلك، ومنهم من يعتمد على فتاوى الصدوق والمأخوذ منه، لجلالة قدر عندهم (4).
واستظهره السيد المجاهد في مفاتيحه بقوله: الظاهر أن هذا الكتاب كان موجود عند المفيد أيضاً، وكان معلوماً عنده أنه من تأليفه، ولذا قال الصدوق: أفتي به وأحكم
____________
(1) مستدرك الوسائل 3: 337.
(2) الفصول الغروية: 311.
(3) مستدرك الوسائل 3: 345.
(4) عوائد الأيام: 248 ـ 249.

( 20 )

بصحته (1).

* * *

ذهب المثبتون الى انه: لا شك ولا ريب في اندراجه تحت كتب الأخبار، وكونه معدوداً من أحاديث الأئمة الأطهار، لصدق حد الحديث والخبر عليه، وهو ما يحكي قول المعصوم من حيث هو، لا من حيث أنه رأي المجتهد وظنه، ويحتمل الصدق، ولا يعلم كذبه أو وضعه بل لا يظن.
وما قيل أنه من وضع الواضعين، فلا داعي لذلك أصلاً، لمطابقة آراء وأقوال الأئمة، علماً بأن وضع الواضعين لم يكن إلا لتزييف الواقع وترويج الباطل، للطعن في المذهب. وخلو هذا الكتاب من ذلك، دليل على صحته من الأمام، إلاّ في موارد حملت على التقية.
فمما يحكي قول المعصوم، ويدل على أنه من أهل بيت العصمة والطهارة:
ما جاء صريحاً في ديباجة الكتاب: يقول عبدالله علي بن موسى الرضا (2).
ومنها: ما جاء في باب فضل الدعاء: أروي عن العالم أنه قال: لكل داء دواء، وسألته عن ذلك، فقال: لكل داء دعاء (3).
ومنها: ما جاء في باب الصلاة: قال العالم: قيام رمضان بدعة وصيامه مفروض، فقلت: كيف اُصلي في شهر رمضان؟ فقال: عشر ركعات ـ إلى أن قال ـ وسألته عن القنوت يوم الجمعة إذا صليت وحدي أربعاً. فقال: نعم في الركعة الثانية خلف القراءة، فقلت: أجهر فيهما بالقراءة؟ فقال: نعم (4).
ومنها: ما جاء في باب الاستطاعة: قال: سألت العالم: أيكون العبد في حال مستطيعاً؟ قال: نعم، أربع خصال: مخلى السرب، صحيح، سليم مستطيع. فسألته عن تفسيره... إلى آخره (5).
____________
(1) مفاتيح الاصول: 352.
(2) الفقه المنسوب: 65.
(3) الفقه المنسوب: 345.
(4) الفقه المنسوب: 125.
(5) الفقه المنسوب: 352.

( 21 )

ومنها: ما جاء بلفظ نروي عن العلماء، واعلم أن بعض العلماء
فقد جاء لفظ ( العالم ) بعباراته المختلفة في أكثر من 130 مورداً وورد لفظ ( العلماء ) في بضعة موارد.
ومنها: قوله: ومما نداوم عليه نحن معاشر أهل البيت (1).
ومنها: ما جاء في باب الأغسال قال: ليلة تسعة عشر من شهر رمضان، هي الليلة التي ضرب فيها جدّنا أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) (2).
ومنها: ما قال في باب غسل الميت: وكتب أبي في وصيته، أن اكفنه في ثلاثة أثواب ـ إلى أن قال ـ وقلت لأبي: لم تكتب هذا؟ فقال: إني أخاف أن يغلبك الناس، يقولون: كفنه بأربعة أثواب أو خمسة، فلا تقبل قولهم، وأمرني أن أجعل ارتفاع قبره أربعة أصابع مفرجات (3).
وقد جاء هذا اللفظ ( أبي ) في عدة موارد.
قال المحقق النراقي: « ولولا أن أباه هو الإمام المعصوم، لم يكن في نقل قوله فائدة، بل لم تكن وصيته وأمره ماضية، لأن التكفين ورفع القبر تكاليف لغيره بعد موته » (4).
ومنها: ما ذكره في باب آخر في الصلاة على الميت أيضاً قال: ونروي أن علي بن الحسين ( عليهما السلام ) لما أن مات قال أبو جعفر: لقد كنت أكره أن أنظر إلى عورتك في حياتك، فما أنا بالذي أنظر اليها بعد موتك، فأدخل يده وغسل جسده، ثم دعا بأم ولد له فأدخلت يدها فغسلت مراقه، وكذلك فعلت أنا بأبي (5).
وظاهر أنه لولا أنه من المعصوم الذي فعله حجة، لم تكن فائدة في قوله: وكذلك فعلت، بل ذكره بعد نقل فعل أبي جعفر ( عليه السلام ) بأبيه ادل شاهد على أنه أيضاً من أقرانه وأمثاله (6).
____________
(1) الفقه المنسوب: 402.
(2) الفقه المنسوب: 83.
(3) الفقه المنسوب: 183.
(4) عوائد الأيام: 251.
(5) الفقه المنسوب: 188.
(6) عوائد الأيام: 251.