بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: 71 ـ 80
(71)
    د ـ إذا لم يقبض المشتري المكيل أو الموزون فيتمكّن أن يبيع بمقداره ونوعه في الذمّة ، وبعد تمامية البيع يوكّل المشتري في أخذ المبيع من البائع الذي اشترى بائعه منه ولم يقبضه بوكالة غير قابلة للعزل. وهذا ما يسمّى بـ السلم الموازي ) أو الوكالة في القبض ) ، وهي طريقة لا تشملها الروايات المانعة ، لأنّها تمنع من العقد الثانيإذا جرى على ما جرى عليه العقد الأول : « لا تبعه حتى تكيله أو تزنه ». أمّا هنا فلم يبع ما جرى عليه العقد الأول ، بل وكّل دائنه في أخذ المبيع من مدينه ، فهو استيفاء ، وفائدته سقوط ما في ذمّته عنه (1).
    هـ ـ إذا كان المشتري لم يقبض المكيل والموزون لعدم حلول الأجل في المبيع كما في السلم ) وقد احتاج إلى المال فيتمكّن أن يبيع سلماً إلى ما بعد ذلك الأجل بقليل ، ثمّ يحوّل المشتري على البائع الذي باعه فيستلم المثمن في وقته ، وبما أنّ الحوالة ليست بيعاً ولا معاوضة كما هو التحقيق ) بل هي تعيين الدَّين الذي في ذمّة المديون بمال في ذمّة فرد آخر ـ وهي عقد مستقل ـ فلا يشملها النهي عن بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه.
     ويمكن الاستدلال لجواز هذه الحوالة ـ مضافاً إلى اقتضاء القاعدة والعمومات ذلك ـ بموثّقة عبد الرحمان ابن أبي عبد الله ، قال : « سألت الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن رجل عليه كرُّ من طعام ، فاشترى كرّاً من رجل آخر ، فقال للرجل : انطلق فاستوفِ كُرَّك ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس » (2).
     (1) إنّ هذه الطريقة لا نقولها في مورد نفهم الملاك من المنع ، كما إذا حلف انسان أو نذر عدم بيع بيته ، وكان السبب في ذلك هو أن لا يبقى بدون مأوى هو وعائلته رغم الظروف التي يمرّ بها ، فلا يجوز أن يبيع بيتاً كليّاً في الذمة ثمّ يقول للمشتري : اُعطيك بيتي وفاءً لما في ذمتي ، لأنَّ العرف يرى أن عمله هذا ممنوع منه بواسطة حلفه أو نذره لوجود الملاك فيه. وكذا الأمر في النهي عن بيع اُمهات الأولاد في الشريعة الإسلامية.
     (2) وسائل الشيعة : ج13 ، ب10 من السلف ، ح2.

(72)
    فالرواية شاملة لما إذا كان الكرّ في ذمّة الإنسان بالشراء أو القرض ، وشاملة لما إذا كان في ذمّة المحيل معوّض أو عوض ، وشاملة لكون المبيع كليّاً في الذمّة أو شخصياً ، فتكون دليلا لما نحن فيه.
    و ـ إذا باع المشتري المكيل أو الموزون الذي لم يقبضه على بائعه فهو جائز ما لميستلزم محذوراً آخر كالربا ، وذلك بأن يبيعه بجنس آخر أو يبيعه بنفس الجنس
    بلا زيادة ولا نقيصة. ودليل هذا هو : أنّ ظاهر الروايات المانعة هو المنع عن بيع ما لم يكن مكيلا أوموزوناً على شخص ثالث ، أمّا هنا فالمبيع على البائع نفسه فلا تشمله روايات المنع.
     وحتى لو قلنا بأنّ روايات المنع مطلقة للبيع على شخص ثالث أو على البائع ، إلاّ أنّ الروايات التي جوّزت البيع على البائع قد أحلّت هذه الصورة ، فمن الروايات الصحيحة رواية العيص بن القاسم عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سألته عن رجل أسلف رجلا دراهم بحنطة ، حتى إذا حضر الأجل لم يكن عنده طعام ، ووجد عنده دواباً ومتاعاً ورقيقاً يحلّ له أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه ؟ قال ( عليه السلام ) : نعم ، يسمّي كذا وكذا بكذا وكذا صاعاً ... » (1).
    ز ـ الإقالة : إذا اشترى إنسان مكيلا أو موزوناً ولم يقبضه فهو لا يتمكّن من بيعه على ثالث حسب ما تقدّم ، ولكن هل له أن يطلب الإقالة من البائع فيرجع إليه ثمنه قبل القبض ؟
    الجواب : نعم ، يجوز ذلك ، لجواز الإقالة في كل بيع ، فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : « أيّما عبد أقال مسلماً في بيع أقال الله عثرته يوم القيامة » (2).
     (1) المصدر السابق : ب11 من السلف ، ح6 وغيرها من الروايات.
     (2) وسائل الشيعة : ج12 ، ب3 من أبواب آداب التجارة ، ح2 وغيرها.

(73)
    والإقالة في الحقيقة هي فسخ في حقّ المتعاقدين برضاهما وليست بيعاً ، وذلك لعدم قصد معنى البيع ولا غيره من المعاوضات الموجبة ملكاً جديداً ، بل هي تفيد ردّ الملك بفسخ العقد الذي ارتأى خلافه. ولهذا لا تجوز الإقالة بزيادة عن الثمن ، كما لا تجوز بنقصان ، لعدم ما يصلح مملِّكاً لما زاد عن الثمن أو نقص منه بعد فسخ العقد.
     وقد ذهب إلى هذا الرأي بعض أهل السنّة أيضاً ، فقد ذكر في المغني عن الإمام الخرقي : أنّ الإقالة فسخ ، وأيّد ذلك ابن قدامة وذكر : أن هذا هو اختيار أبي بكر وهو مذهب الشافعي ، خلافاً لمذهب الإمام مالك حيث اعتبرها بيعاً (1).
    ر ـ الحطيطة : إذا اشترى إنسانٌ مكيلا أو موزوناً ولم يقبضه فهو لا يتمكّن من بيعه على ثالث حسب ما تقدّم ، ولكن هل له أن يبيعه على ثالث بحطيطة عن الثمن الذي اشتراه به ؟
     قد يقال : إنّ الروايات لم تجوّز البيع قبل القبض إلاّ تولية أو شركة ، وحينئذ تكون الحطيطة ممنوعاً منها.
     ولكن يمكن القول : إن الروايات المانعة من البيع إلاّ تولية كان المقصود منها هو القصر الإضافي بالنسبة إلى المرابحة ، فحينئذ يكون المعنى بأنّ البيع بنحو المرابحة قبل القبض لا يجوز ، بل يلزم أن يكون تولية ، وليس المقصود أنَّ الحطيطة لا تجوز. وعليه فيمكن الحكم بجواز الحطيطة تمسكاً بقاعدة ( تجارة عن تراض ).
     ويدلّ على هذا ظاهر التقابل بين المرابحة والتولية في الروايات ، فيجوز ما عدا المرابحة ، فقد ذكرت صحيحة علي بن جعفر عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : « إذا ربح لم يصلح حتى يقبض ، وإن كان تولية فلا بأس » (2).
    أقول : في الرواية المتقدّمة شرطيتان اختلف الجزاء فيهما بنحو التضاد أو التناقض ، وكل منهما بعض مفهوم الآخر ، وحينئذ يكون الظاهر الذي سيق لبيان
     (1) المغني : ج4 ، ص225.
     (2) وسائل الشيعة : ج12 ، ب16 من أحكام العقود ، ح9.

(74)
    المفهوم هو الشرطية الاُولى فقط ، لا كلتاهما ، ولا خصوص الثانية ، بل الشرطية الثانية هي لصرف بيان بعض أفراد مفهوم الشرطية الاُولى ، وعلى هذا يرتفع توهّم التناقض بين الشرطيتين ، فيتّضح إناطة الحرمة بالمرابحة وجوداً وعدماً (1).
     ويؤيّد هذا ما روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) انّه لما بعث اُسيد إلى مكّة قال : « إنهَهُم عن بيع ما لم يقبضوه ، وعن ربح ما لم يضمنوه » (2). وبما أنّ الحطيطة ليست ربحاً لما لا يضمن ، بل هي خسارة فلا يشملها النهي.
     هذا ، ولكن توجد رواية أبي بصير القائلة : « لا بأس أن يولّيه كما اشتراه إذا لم يربح فيه أو يضع » (3).
     فقيّدت عدم البأس في البيع قبل القبض بعدم الربح وعدم الوضع. ولكن الرواية ضعيفة بعلي ابن أبي حمزة البطائني.
    أقول : ممّا تقدّم من هذه الاستثناءات يتّضح عدم صحّة ما ذكر من أن الشركة في المكيل والموزون قبل القبض والتولية والحوالة به كالبيع ، كما ذهب إلى ذلك ابو حنيفة والشافعي (4) ، لعدم دليل يعتدّ به على ذلك ، على أنّ الدليل خلافه.

6 ـ هل يقوم الضمان مقام القبض ؟ (5)
     إذا اشترى إنسان شيئاً مكيلا أو موزوناً وباعه قبل قبضه ، ولكن اشترط على
     (1) شرح الشهيدي على مكاسب الشيخ الأنصاري : ص316.
     (2) المغني 4 : 221.
     (3) وسائل الشيعة : ج12 ، ب16 من أحكام العقود ، ح16.
     (4) المغني لابن قدامة : ج4 ، ص223.
     (5) ذكرنا في بحث السلم وتطبيقاته المعاصرة المقدّم لمجمع الفقه الإسلامي بجدّة في دورته التاسعة في « أبو ظبي » : عدم قيام قدرة البائع ( في بيع السلم على توفير السلعة عند المطالبة ) عن القبض ، وكذا ذكرنا عدم قيام التأمين على سلعة المسلم فيها عن القبض ، وعدم قيام وجودها في مخازن عمومية منظمة عن القبض أيضاً بنفس النكتة التي ذكرناها هنا.

(75)
    نفسه فيما إذا تلف المبيع يكون ضمانه عليه لا على البائع الأول ولا على المشتري الثاني ) فهل يصحّ أن يقوم هذا الضمان مقام القبض الحسّي فتصحّ المعاملة الثانية ؟
    أقول : إنّ القبض الذي يجعل البائع ضامناً للبضاعة إذا لم يحصل ويرتفع الضمان عنه إذا حصل ، هو غير القبض الذي يجوّز للمشتري بيع بضاعته بعده ، ولا يجوز له بيع بضاعته قبله ، إذ المراد من الأوّل التخلية ، فلو خلّى البائع بين المشتري وبين البضاعة المباعة فقد خرج عن الضمان وإن لم يحصل القبض الحسّي من قبل المشتري ، وحينئذ يكون البائع غير ضامن ، ومع ذلك لا يجوز للمشتري أن يبيع البضاعة قبل أن يقبضها قبضاً حسيّاً ويحوزها. وبهذا يفهم أنّ المراد من القبض في الثاني هو القبض الحسّي ، وعليه فإذا خرج البائع عن الضمان بالتخلية توجّه الضمان على المشتري ، ولكن إذا لم يحصل القبض الحسّي فلا يجوز له بيع البضاعة المكيلة أو الموزونة ، للأدلّة المتقدّمة المصرِّحة بلا بدّية القبض الحسّي في البيع الثاني.
    ثم : إنّ بين ضمان المشتري للمبيع وقبضه تبايناً وتضادّاً ، وقد جعل الشارع القبض الحقيقي شرطاً لصحّة البيع الثاني إذا كان غير تولية.
     وحينئذ نقول : لا يمكن أن يقوم مقامه ضمان المشتري للمبيع ، على أننا لم نعلم علّة لابدّية القبض في المكيل والموزون قبل البيع الثاني ، ومن يقول بقيام الضمان مقام القبض لابدّ له من أن يثبت أنّ علّة القبض في المبيع قبل البيع الثاني إنّما هي لضمان المشتري السلعة ، وهذا دونه خرط القتاد.

7 ـ شحن السلعة في السفن
     في التجارة الدولية يكون شحن السلع في السفن مُخرِجاً للبائع عن الضمان فيما إذا تلفت السلع بعد ذلك ، ثم إنّ المشتري قد يقوم ببيعها وهي في البحر لشخص ثالث ، ويكون هذا البيع مُخرِجاً للمشتري الأول عن الضمان فيما إذا تلفت السلع بعد ذلك ،


(76)
    ويتحمّل المشتري الثاني الخسارة في صورة التلف ، فهل تكون هذه المعاملة صحيحة ؟
    أقول : هنا مشكلتان :
     الاُولى : الضمان على المشتري قبل أن يقبض المبيع.
     الثانية : بيع المبيع قبل قبضه.
     ولأجل حلّ المشكلتين نقول : إذا كان الشرط في البيع هو التسليم على ظهر السفينة وكان البائع قد شحن السلعة في السفينة فيكون قد خلّى بين المشتري وسلعته ، وحينئذ فقد خرج عن الضمان وقد انحلّت المشكلة الاُولى.
     ثم إذا كان ربّان السفينة يعدّ وكيلا عن المشتري فقد حصل القبض الحسّي بالوكالة الذي يجوّز للمشتري أن يبيع هذه السلعة وإن كانت مكيلة أو موزونة. أمّا إذا كانت البضاعة غير مكيلة أو موزونة فيجوز بيعها قبل قبضها ، كما تقدّم ذلك.
     ونتمكّن أن نتصوّر وكالة ربّان السفينة فيما إذا كان أمرُ ما في السفينة بيد المشتري ، بحيث يتمكّن أن يأمرَ ربّانها بواسطة الاتصالات الحديثة بالتوجّه إلى غير بلد المشتري ، أو يأمره بتسليم البضاعة إلى شخص آخر ، وحينئذ يتمكّن أن يبيع هذه البضاعة إلى شخص ثالث ، لأنّها مقبوضة بالقبض الحسّي بالوكالة. وبهذا فقد انحلّت المشكلة الثانية.
     ثم إذا كان أمر ما في السفينة بيد المشتري الثاني ، بحيث لا يكون للمشتري الأوّل الذي باع أيّ تسلّط بعد بيعه على البضاعة فقد خرج المشتري الأوّل عن الضمان ، لحصول التخلية بين البضاعة وبين المشتري الثاني. فإن عُدّ ربّان السفينة وكيلا عن المشتري الثاني في القبض والتسلّط بحيث كان يأتمر بأمر المشتري الثاني في التوجّه إلى أي مكان أراد فحينئذ تكون البضاعة مقبوضة بالقبض الحسّي للمشتري الثاني بالوكالة ، فيصحّ بيعها وإن كان مكيلة أو موزونة ... وهكذا.
     وقد ذكر الشيخ الأنصاري ( قدس سره ) في كتاب المكاسب فقال : « لو باع داراً أو سفينة مشحونة بأمتعة البائع ومكّنه منها بحيث جعل له تحويلها من مكان إلى


(77)
مكان كان قبضاً ... » (1).
     أمّا إذا كان الشحن في السفينة لا يعدّ تخلية كما إذا كان الشراء للسلعة قد اشترط فيها التسليم في بلد المشتري ففي هذه الصورة لا يكون الشَحن في السُفن تخليةً للسلعة ، كما لا يكون المشتري متسلّطاً عليها بحيث يتمكّن أن يأمر ربّانها بتسليمها إلى شخص ثالث أو التوجّه إلى غير بلد المشتري ، بل يكون أمر البضاعة بيد البائع ، وحينئذ إذا تلفت السلعة فيكون ضمانها على البائع ، لقاعدة « اذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه ». كما لا يمكن للمشتري بيعها على آخر إذا كانت مكيلة أو موزونة ، لعدم تسلّطه عليها بحيث يكون قابضاً. وعلى هذا فإنَّ اشترط الضمان على المشتري في هذه الصورة يكون الشرط مخالفاً للسنّة ، ولا يصحّ بيعها قبل قبضها للأدلّة المتقدّمة على ذلك إن كانت البضاعة مكيلة أو موزنة.

8 ـ بيع السمك في النهر أو البركة
     قد يملك إنسانٌ نهراً أو بِركةً قد ربّى فيها السمك فهل يجوز له أن يعقد مقاولة مع آخرين على الانتفاع بهذه البركة أو النهر الذي فيه السمك أكلا أو بيعاً له بعد اصطياده ) مدّة معلومة بأجر معيّن ؟
    والجواب : أنّ هذه المقاولة يمكن تصوّرها بثلاث صور :
    1 ـ بيع السمك الموجود إذا كان معيناً ) وإجارة البركة مدّة معيّنة. وبما أنَّ السمك معلوم بالمشاهدة فالبيع صحيح. وبما أن المدّة معلومة لإجارة البركة والأجر معين أيضاً فالإجارة صحيحة.
    2 ـ إذا لم يكن السمك معلوماً فيتمكّن أن يبيع كمية معلومة منه مع الباقي الذي
     (1) المكاسب : ج2 ، ص311.
(78)
يجهل مقداره ، ويدلّ على صحّة هذا البيع روايات الضميمة ، وهي على طوائف :
     الطائفة الاُولى : تدلّ على جواز بيع اللبن في الضرع إذا ضمّ إليه شيء معلوم (1).
     الطائفة الثانية : تدلّ على جواز بيع ما في بطون الأنعام مع الضميمة لا منفرداً (2).
     الطائفة الثالثة : تدلّ على جواز بيع الآبق منضمّاً إليه شيء معلوم لا منفرداً (3).
     الطائفة الرابعة : تدلّ على جواز شراء ما لم يدرك منضمّاً إليه ما أدرك (4).
     الطائفة الخامسة : تدلّ على جواز بيع الثمار قبل خروج الطلع مع الضميمة (5).
     فمن الطائفة الاُولى : موثقة سماعة قال : «سألته عن اللبن يشترى وهو في الضرع ؟ فقال : لا ، إلاّ أن يحلب لك منه اُسكرجّة فيقول : اشترِ منّي هذا اللبن في الاُسكرجة وما في ضروعها بثمن مسمّى ، فإن لم يكن في الضرع شيء كان ما في الاُسكرجة » (6).
     ومن الطائفة الثالثة : صحيحة رفاعة النخّاس قال : «سألت الإمام الرضا ( عليه السلام ) قلتله : أيصلحلي أن أشتري منالقوم الجاريةالآبقة واُعطيهم الثمن
    وأطلبها أنا ؟ قال ( عليه السلام ) : لا يصلح شراؤها إلاّ أن تشتري منهم معها ثوباً أو متاعاً فتقول لهم أشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهماً ،
     (1) وسائل الشيعة : ج12 ، ب8 من عقد البيع وشروطه.
     (2) المصدر السابق : ب10 من عقد البيع وشروطه.
     (3) المصدر السابق : ب10 من عقد البيع وشروطه.
     (4) المصدر السابق : ب10 من عقد البيع وشروطه.
     (5) المصدر السابق : ب10 من عقد البيع وشروطه.
     (6) الحديث الثاني من الطائفة الأولى.

(79)
فإنّ ذلك جائز » (1).
     ومن الطائفة الخامسة : موثّقة سماعة عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : «سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها ؟ فقال ( عليه السلام ) : لا ، إلاّ أن يشتري معها شيئاً من غيرها رطبة أو بقلة فيقول : أشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا ، فإن لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل » (2).
    3 ـ كما يمكن تصوّر المقاولة بصورة الإجارة للبركة مدّة معلومة على أن ينتفع بها وبما فيها أكلا أو بيعاً بعد اصطياده ، وهذا نظير إجارة البقرة للانتفاع بها وبلبنها مدّة معلومة ، وإجارة المرأة للرضاع (3).
     وهذا الحكم في الصور الثلاث لا يختلف فيما إذا جاء السمك إلى النهر أو البركة تلقائياً بواسطة الفيضانات ، فإنَّ المالك للنهر أو البركة يملك ما يدخل فيها ، وحينئذ إمّا أن يبيعه إذا كان معلوماً ويؤجر البركة لمدّة معينة. وإمّا أن يبيع شيئاً معلوماً منه مع ضميمة الموجود فيها الذي لا يُعلم مقداره. أو يؤجر البركة على أن ينتفع بما فيها لمدّة معلومة كإجارة المرأة للإرضاع.
     كما أنّ هذا الحكم لا يختلف لو كانت الدولة مالكة للنهر أو البركة من باب ملكيتها للأنفال ، فتملك ما فيهما كذلك ، وتصحّ المعاملات المتقدّمة على هذا السمك الذي في البركة بصوره الثلاث بشرط أن تكون الدولة شرعية ، بمعنى
    قيمومتها الشرعية على المجتمع ، كأن يكون رئيس الدولة حاكماً شرعياً أو منصوباً من قبله بحيث تكون الأنفال ملكاً للمقام.
     وكذا تصحّ هذه الصور الثلاث إذا كانت الملكية للمسلمين ، وكان المتوليّ
     (1) الحديث الأول من الطائفة الثالثة ، وأمّا الحديث الثاني فيها فهو موثّق.
     (2) الحديث الأوّل من الطائفة الخامسة.
     (3) وسائل الشيعة : ج15 ، ب71 من أبواب أحكام الأولاد ، أحاديث الباب.

(80)
    عليهم حاكماً شرعياً يصرف حاصل ما باعه أو أجّره على المسلمين.

9 ـ بيع الحطب
     قد تعمد الدولة لبيع أحطاب الأشجار التي تغرسها في أطراف الطرق ، أو تخرج تلقائياً في أرض الحكومة ، وهذه المعاملة أيضاً صحيحة إذا كان ما يغرس أو يخرج تلقائياً في أرض الدولة الأنفال ) أو الأراضي الميتة التي تكون للإمام ( عليه السلام ) أو في أرض المسلمين إذا قام بها الحاكم الشرعي أو وكيله.
     أمّا إذا كانت الحكومة غير شرعية فالتصرّفات فيها على بيع الحطب أو المقاولة على السمك بصوره الثلاث المتقدّمة مشكلةٌ ، لأنّ الحكومة إمّا ليست بمالكة ، أو ليس لها ولاية على أموال المسلمين ، فتحتاج تصرّفاتها إلى إمضاء من الحاكم الشرعي ، فإن لم يمضِ الحاكم الشرعي تصرّفات الحكومة غير الشرعية في المقاولات على السمك أو بيعها له بصوره الصحيحة أو بيعها للحطب ، فيجب على المشتري لهذه الأسماك أو المؤجّر للبرك أو المشتري للحطب المراجعة والمصالحة مع الحاكم الشرعي ، لأخذ الثمن أو الإجارة منه وصرفها في مواردها المقررة من صرف موارد الانفال أو الصرف على مصالح المسلمين ، حتى يكون عمل المشتري صحيحاً. والله هو العالم بحقائق الاُمور.
     هذا ما أردنا بيانه على الأسئلة الموجّهة من مجمع الفقه الإسلامي في الهند لدورته التاسعة. والحمد لله أولا وآخراً.

بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: فهرس