بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: 151 ـ 160
(151)
    لم أرده ، ثم آتيه به فأبيعه ؟ فقال : ما أرى بهذا بأساً لو هلك منه المتاع قبل أن تبيعه إيّاه كان من مالك ، وهذا عليك بالخيار إن شاء اشتراه منك بعد ما تأتيه ، وإن شاء ردّه ، فلستُ أرى به بأساً » (1).
     3 ـ صحيحة منصور بن حازم قال : « قلت للصادق ( عليه السلام ) : الرجل يريد أن يتعيّن من الرجل عينة ، فيقول له الرجل : أنا أبصرُ بحاجتي منك فأعطني حتّى اشتري ، فيأخذ الدراهم فيشتري حاجته ثمّ يجيء بها إلى الرجل الذي له المال فيدفعه اليه ، فقال : أليس إن شاء يشتري وان شاء ترك ، وإن شاء البائع باعه وإن شاء لم يبع ؟! قلت : نعم ، قال : لا بأس » (2).
     4 ـ وعن منصور بن حازم أيضاً قال : « سألت الصادق ( عليه السلام ) عن رجل طلب من رجل ثوباً بعينة قال : ليس عندي ، هذه دراهم فخذها فاشترِ بها ، فأخذها فاشترى بها ثوباً كما يريد ، ثم جاء به أيشتريه منه ؟ فقال : أليس إن ذهب الثوب فمن مال الذي أعطاه الدراهم ؟ قلت بلى ، قال : إن شاء اشترى ، وإن شاء لم يشترِ ؟ قلت : نعم ، قال : لا بأس » (3).
     5 ـ صحيحة اسماعيل بن عبد الخالق قال : « سألت أبا الحسن ( عليه السلام ) عن العينة ، وقلت : إنّ عامّة تجارنا اليوم يعطون العينة ، فأقصّ عليك كيف نعمل ؟ قال : هات ، قلت : يأتينا المساوم يريد المال فيساومنا وليس عندنا متاع ، فيقول : اُربحك ده يازده ، وأقول أنا : ده دوازده ، فلا نزال نتراوض حتى نتراوض على أمر فإذا فرغنا قال : قلت : أيّ متاع أحبّ إليك أن أشتري لك ؟ فيقول : الحرير لأنّه لا يجد شيئاً أقل وضيعةً منه ، فأذهب وقد قاولته من غير
     (1) وسائل الشيعة 12 : ب8 من أحكام العقود ، ح9.
     (2) المصدر السابق : ح11.
     (3) المصدر السابق : ح12.

(152)
    مبايعة ، فقال : أليس إن شئت لم تعطه ، وإن شاء لم يأخذ منك ؟ قلتُ : بلى ، قال : فأذهب فاشتري له ذلك الحرير ، واُماكِس بقدر جهدي ، ثم أجيء به الى
    بيتي فاُبايعه ، فربما ازددتُ عليه القليل على المقاولة ، وربما أعطيته على ما قاولته ، وربما تعاسرنا فلم يكن شيء ، فإذا اشترى مني ... فقال : أليس إنّه لو شاء لم يفعل ولو شئت أنت لم تزد ؟ فقلتُ : بلى لو أنّه هلك فمن مالي قال : لا بأس بهذا إذا أنت لم تعد هذا فلا بأس به » (1).
     6 ـ وعن خالد بن الحجاج قال : « قلت للإمام الصادق ( عليه السلام ) : الرجل يجيء فيقول : اشترِ هذا الثوب واُربحك كذا وكذا ، قال : أليس إن شاء ترك ، وإن شاء أخذ ؟! قلت : بلى ، قال : لا بأس به » (2).
     وهذه الروايات كلها تفيدنا قاعدة عامّة هي : « لا يجوز مواجبة البيع قبل أن تستوجبه » أي لا يجوز أن نلزم أحداً بالبيع قبل أن نوجب البيع لنا ، وقد ذُكرت هذه القاعدة في رواية ، هي صحيحة محمد بن قيس عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ومَنْ وجب له البيع قَبل أن يلزم صاحبه فليبع بعدما شاء » (3).
     ولا بأس بالتنبيه الى وجود روايات تصحّح هذه العملية من دون تفصيل بين صورة وجود الالزام وعدمه ولكن بواسطة هذه الروايات المتقدّمة نقيّدها بصورة عدم وجود الالزام. فمن تلك الروايات المطلقة :
     1 ـ عن ابن سنان عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه ، ثم تشتري له نحو الذي طلب ، ثم توجبه على
     (1) وسائل الشيعة : ج12 ، ب8 من أحكام العقود ، ح14.
     (2) المصدر السابق : ح4.
     (3) المصدر السابق : ب3 ، ح2.

(153)
    نفسك ، ثم تبيعه منه بعدُ » (1).
     2 ـ وروى عبد الرحمن ابن أبي عبد الله قال : « سألت الصادق ( عليه السلام ) عن الرجل يأتيني يطلب منّي بيعاً وليس عندي ما يريد أن اُبايعه به إلى السنة أيصلح لي أن أعده حتى أشتري متاعاً فأبيعه منه ؟ قال : نعم » (2).
     3 ـ صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « سألته عن رجل أتاه رجل فقال : ابتع لي مقاعاً لعلّي أشتريه منك بنقد أو نسيئة ، فابتاعه الرجل من أجله ، قال : ليس به بأس ، إنّما يشتريه منه بعد ما يملكه » (3).
     الخلاصة : هذه الروايات الكثيرة تجعلنا نرفع اليد عن القاعدة الأوليّة ، ونقول ببطلان المعاملة إذا كان هناك إلزام من أحد الطرفين للآخر بالنسبة للبيع الثاني الذي يحصل بعد تملّك الأول للسلعة.
     وهذه النتيجة المستفادة من الروايات تشمل تعهّد البنك والعميل كلّ منهما للآخر ، وتشمل أيضاً الالزام الذي يأتي من قبل الشرط في ضمن العقد إذا كان الشرط قد أملاه أحدهما على الآخر ، لأنّ هذا الشرط الذي قد نهي عنه في هذه المعاملة يكون شرطاً قد حرّمه الله تعالى ، وكلّ شرط قد حرّمه الله تعالى لا يجوز اشتراطه في المعاملة ، كما قالت الرواية المتقدّمة : « المسلمون عند شروطهم إلاّ شرطاً خالف كتاب الله عزّوجلّ فلا يجوز ».
     نعم ، الروايات لا تنظر الى ما إذا أوجب أحد الطرفين العقد الثاني على نفسه بواسطة « حلف أو نذر أو تعهّد لله تعالى » إذا حصلت شروط انعقاد هذه العقود ، ولم تكن حيلة من قبل الطرف الآخر لإلزام الحالف أو الناذر أو
     (1) وسائل الشيعة : ج12 ، ب8 من أحكام العقود ، ح1.
     (2) المصدر السابق : ح5.
     (3) المصدر السابق : ح8.

(154)
    المتعهد لله تعالى ، بمعنى أن الروايات غير ناظرة إلى الإلزام الذي يأتي من قبل السماء ، وإنّما هي ناظرة إلى الإلزام الذي يأتي من قبل الآخر قبل أن يملك الطرف الآخر السلعة.

الصورة الثانية (1) للمرابحة للآمر بالشراء :
     كما إذا قال العميل للبنك : « اشترِ لي سلعةً كذا بعشرة دراهم نقداً وأنا اشتريها منك بإثني عشر درهماً الى أجل ».
     وهذه المعاملة باطلة; لوجود نص صحيح على بطلانها ، وهو صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ( الإمام الباقر ( عليه السلام ) ) قال : « قضى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في رجل أمره نفر ليبتاع لهم بعيراً بنقد ، ويزيدونه فوق ذلك نظرة ، فابتاع لهم بعيراً ومعه بعضهم ، فمنعه أن يأخذ منهم فوق ورقه نظرة » (2).
     ومعنى الحديث واضح ، إذ أنّ المشتري كان مأموراً ووكيلا عن جماعة ، فاشترى لهم وعندما يدفع الثمن ، فإنّه يدفع الثمن أيضاً بوكالته عنهم ، وعلى هذا يكون البعير ملكاً للجماعة بذلك النقد ، فإذا دفع الجماعة أكثر من النقد نظرةً فمعناه أنّهم دفعوا للمشتري ( الوكيل ) ثمناً على انتظاره « على قبض ما دفع » وهو الربا.

الصورة الثالثة :
     كما إذا قال العميل للبنك : « اشترِ لي سلعةً كذا باثني عشر الى أجل ، وأنا اشتريها منك بعشرة نقداً ».
     (1) وقد تقدّمت الصورة الاُولى في ص135.
     (2) وسائل الشيعة : ج12 ، ب3 من أحكام العقود ، ح1
.


(155)
    وهذه المعاملة حرام أيضاً وإن لم يوجد فيها نص بالخصوص ، لأنّ البنك كان وكيلا عن العميل في شراء السلعة ، وحينئذ يكون المدين في الحقيقة هو العميل ، ولكنّ العميل دفع عشرةً نقداً إلى البنك في سبيل أن يدفع البنك اثني عشر مؤجلة ، وهذه العملية معناها أن البنك أخذ عشرة من العميل نقداً ورضي أن يسدّد عنه اثنى عشر بعد مدّة ، وهذه هي الزيادة في مقابل الأجل وهي ربا حرام (1).
     ونستطيع أن نقول : إنّ الروايات المتقدّمة شاملة للصورة الثانية والثالثة ، إذ أنّ قول العميل للبنك : اشترِ لي هذه السلعة ، بمعنى اشترِ لأجلي هذه السلعة ثم بعها لي بكذا وكذا ، وحينئذ لا يكون أي فرق بين الصورة الاُولى والثانية والثالثة في الروح وإن كان هناك فرق في اُمور اُخر لا تضرّ بالحكم.

الصورة الرابعة :
     كما إذا قال العميل للبنك ـ نتيجة قدرات البنك على جلب السلعة من خارج البلاد ـ : « اشترِ لي هذه السلعة بكذا وكذا درهم ، وأنا اُقدم لك أجرأ على عملك كذا نقداً » ففي هذه الصورة يكون البنك أجيراً للعميل ، ويكون الشراء للعميل ، والبنك أجيراً عنه ووكيلا ، وبهذا يستحق البنك الاُجرة التي حدّدها العميل ، سواء كانت نقداً أو نسيئة ، وهذه معاملة صحيحة لا إشكال فيها.

الخلاصة :
     انتهينا الى بطلان الصورة الاُولى والثانية والثالثة إذا كان البيع الثاني على نحو الإلزام الصادر من الطرف الآخر.
     أمّا إذا كان البيع الثاني من غير إلزام على العميل وعلى البنك فهو معاملة
     (1) كتاب الربا فقهياً واقتصادياً ، للمؤلف.
(156)
    صحيحة ، وكذا يصحّ البيع الثاني مع الإلزام إذا كان الإلزام سببه حلفاً أو نذراً أو تعهّداً لله تعالى ، من دون أن يكون حيلةً لإلزامه من قبل صاحبه.
     أمّا الصورة الرابعة فهي صحيحة; لأنّ البنك أجير في إجراء المعاملة ويأخذ على عمله أجراً ، ولكن لا بأس بالتنبيه الى أنّ السلعة إذا تلفت من دون تفريط في
    الصورة الرابعة فهي تكون قد تلفت على المشتري الموكَّل ، لأنّ الوكيل أمين لا يضمن من دون تعدٍّ أو تفريط.
     هذا ما انتهى إليه البحث ، والحمد لله أوّلا وآخراً.


(157)
مشاكل البنوك الاسلامية وادوات حّلها


(158)

(159)
    إنّ البنوك الإسلامية التي تعمل في نطاق بعض الدول الإسلامية ـ وقد جذبت بعض أموال المسلمين وأدخلتها عملية الاستثمار المفيد للبلد ولصاحب المال والعامل ـ لا زالت بطيئة السير في اتجاهها الهادف للوصول إلى سوق إسلامية لها أدواتها الشرعية التي تخدم جميع الاطراف المشاركة في العمل والاستثمار ، كما تخدم المجتمع الذي يعيش في ظلها ، فأدواتها الشرعية قليلة ، والربح الذي يحصل عليه من يرتبط بهذه البنوك غير مغر وغير مضمون لأصحاب الأموال ، بخلاف البنوك الربوية التي يكون ربحها مضموناً بالاضافة الى إغرائها صاحب المال ، لذا نجد ـ كما قالوا ـ أنّ الاستثمارات العربية الخليجية في الغرب والبنوك الربوية تقدّر بأكثر من سبعمئة مليار دولار ، وهو رقم ضخم إذا قيس بالأموال الاستثمارية في البنوك الإسلامية ، وما ذاك إلاّ لأنّ البنوك الإسلامية لم توفر الأدوات المشروعة الفعّالة بحيث تكوّن لها ما يسمى بسوق «البورصة » التي يدخلها رأس المال الإسلامي ليكون في خدمة الأهداف التنموية ، التي منها تحقّق التوازن في المجتمع الإسلامي.
     لذا سوف نبحث في هذا النطاق ، مبينين بعض الأدوات التي يمكن للبنك أن يستخدمها في أعماله الاستثمارية ، مستندين الى نصوص الشريعة الإسلامية ، كما سننبه الى بعض ما اُقرّ في مجمع الفقه الإسلامي وضرورة إعادة النظر فيه ، لوجود الرُخَص التي تبرِّر لنا أن نتبعها أو يتبعها البنك الإسلامي للوصول الى


(160)
    هدفه المنشود.
     وبصورة مجملة فان النظام الإسلامي قد جعل كلاًّ من العمل ، وأدوات الإنتاج ، ورأس المال النقدي ، والأرض; موارد للكسب ولتنمية الثروة ، ولكن لكلّ واحد من هذه الاُمور الأربعة شرطه الخاص في دخوله عملية الاستثمار الشرعية ، فقد جعل العمل حينما يمارس على مادّة غير مملوكة بصورة مسبقة لشخص آخر سبباً في تملّك العامل كل الثروة التي حصل عليها ، ولا تشترك معه في هذه الثروة العناصر الماديّة التي استعملها في عمله ، وهي ملك لغيره ، حيث أن العناصر المادّية هي قوى تخدم الإنسان المنتج ، فقد جُعِلَ لها الاُجرة فقط ، وجعل العمل حينما يمارس على مادّة مملوكة لفرد آخر سبباً في استحقاق الاُجرة أو نسبة من الربح ، وطبعاً تختلف الاُجرة عن النسبة من الربح ، حيث تكون الأجرة محدّدة نوعاً وكمّاً فهي مضمونة بقطع النظر عن نتائج العمل المربحة أو غيرها.
     أمّا النسبة من الربح فهي عبارة عن ربط العامل بنتيجة العملية التي يمارسها ، وبهذا يفقد عنصر الضمان على هذه النسبة من الربح حيث لا تكون العملية مربحة ، كما أنّه قد يحصل على نسبة من الربح تفوق الأجر المحدّد بكثير.
     وأمّا ادوات الانتاج فهي التي تستعمل خلال عملية الانتاج ، وبواسطتها يستحق صاحبها الأجر فقط.
     وأمّا رأس المال التجاري ( النقدي ) الذي منع من ضمانه مع تقاضي الأجر عليه بحيث لا يرتبط بنتائج العملية الاستثمارية ، يتمكن أن يدخل العملية الاستثمارية بنسبة من الربح ويتحمّل الخسارة إن وجدت كما في عقد المضاربة. كما أن صاحب السلع يتمكّن من أن يدخل العملية التجارية بسلعه هذه فيحصل على نسبة من الربح إن وجدت ويتحمّل الخسارة.
     أمّا العامل في هذه العملية فهو يتحمّل خسارة عمله إن وجدت. كما أن عقد المزارعة أو المساقاة يمكن إدراجه في السلع التي تدخل عملية المضاربة ولكن إذا

بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: فهرس