بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: 331 ـ 340
(331)
     وحرمة استعمال النجس ، وبما أنّ وجوب حفظ النفس أهم من حرمة استعمال النجس فقد جُوِّز استعمال النجس لأجل حفظ النفس من الموت طبقاً لقانون تقديم الأهم على المهم عند التزاحم ، أو طبقاً لقانون الضرورات تبيح المحظورات ، وليس هناك ضرورة أهمّ من حفظ النفس.
     2 ـ أمّا في حالة انطباق عنوان الدواء على بعض هذه النجاسات ، وافترضنا أنَّ المرض الذي فيه هذا الإنسان لا يؤدّي إلى هلاكه فهل يجوز استعمال الدواء المحرم بالأكل والشرب ؟
     الجواب : هنا صورتان :
     الاُولى : أنّ الدواء ليس منحصراً في النجس ، بل يوجد فيه وفي غيره.
     الثانية : أنّ الدواء منحصر في النجس.
     أمّا في الصورة الاُولى فلا يجوز استعمال النجس للشفاء ، لعدم التزاحم بين حرمة النجس ووجوب الشفاء من المرض ، حيث يمكن الشفاء عن طريق الحلال ، وبهذا يجوز استعمال النجس ، ومثال ذلك : أنّ مريضاً يرقد في المستشفى بحاجة إلى دواء معين كالدم النجس ، ويمكن تهيئة ذلك عن طريق استعمال الدواء المستحضر من مادة طاهرة العين ، كالكبد الطاهر ، أو المقويات المزيدة للدم ، ففي هذه الحالة لا يجوز شرب الدواء الذي فيه نجاسة عينية.
     وأمّا الصورة الثانية فقد يقال بعدم جواز استعمال النجس ، وذلك لعدم التزاحم بين حرمة استعمال النجس والشفاء من المرض ، لأنّ الشفاء من المرض ليس بواجب.
     ولكن الصحيح أنّ السعي إلى الشفاء من المرض واجب أيضاً ، لما فيه من مصلحة الفرد الكبرى التي يتوقّف عليها سعيه في الأرض وكونه فرداً صالحاً ، ولما فيه أيضاً من مصلحة مجتمعه الذي يعيش فيه فإن المرض الذي يوجد في المجتمعات


(332)
     إن لم يسع إلى التخلّص منه فإنّ البشرية جمعاء تبتلى بالمفاسد الكبرى التي تهلك الجماعات والأفراد ، لذا فإن التزاحم الذي ذكر سابقاً يجري هنا بين وجوب السعي للشفاء من المرض وبين حرمة استعمال المحرّم وحينئذ إذا كان وجوب السعي للشفاء من المرض أهم من استعمال المحرم فيجوز حينئذ استعمال المحرّم لأجل الشفاء من المرض إذا كان الشفاء منحصراً في استعمال المحرّم.
     ومن الأمثلة على ذلك : أنّ مريضاً يرقد في المستشفى يحتاج إلى دواء ولا طريق إلى ذلك إلاّ استعماله للنجس أكلا أو شرباً قبل أن يطغى مرضه ويستفحل ، فإذا كان القضاء على المرض في استعمال الدواء أهم من حرمة استعمال النجس جاز استعمال النجس كما تقدّم ، هذا كله بحسب القاعدة الأوليّة.
     أمّا بالنسبة للروايات فقد وردت الروايات الظاهرة بل الصريحة في حرمة استعمال النجس أكلا أو شرباً حتى في صورة انحصار الدواء به كالضرورة ، واليك بعضها :
     1 ـ صحيحة عمر بن اذينة ، قال : « كتبت إلى الإمام الصادق ( عليه السلام ) أسأله عن الرجل ينعت له الدواء من ريح البواسير ، فيشربه بقدر اسكرجة من نبيذ ، ليس يريد به اللذة ، إنّما يريد به الدواء ؟ فقال ( عليه السلام ) : لا ولا جرعة ، ثم قال : إنّ الله عزّوجلّ لم يجعل في شيء ممّا حرم دواءً ولا شفاءً » (1).
     2 ـ صحيحة الحلبي قال : « سألت الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن دواء عجن بالخمر ؟ فقال : لا والله ما اُحبّ أن أنظر إليه ، فكيف أتداوى به ؟ إنّه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير وترون اُناساً يتداوون به » (2).
     (1) وسائل الشيعة : ج17 ، ب20 من الأشربة المحرّمة ، ح1.
     (2) المصدر السابق : ح4.

(333)
    3 ـ صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه ( الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ) قال : « سألته عن الدواء هل يصلح بالنبيذ ؟ قال : لا ... إلى أن قال : وسألته عن الكحل يصلح أن يعجن بالنبيذ ؟ قال : لا » (1).
     وهذه الروايات وإن كانت واردةً في الخمر إلاّ أنّ ظاهرها النهي عن التداوي بالحرام ، وهي مطلقة لصورة الضرورة وانحصار الدواء بالحرام وعدمها ، إلاّ الرواية الاُولى فهي تقنن قاعدة « إنّ الله لم يجعل في شيء ممّا حرّم دواءً ولا شفاءً » فهي تشير إلى عدم وجود انحصار الدواء في المحرم ، بل تقرّر أنّ المحرّم لا يمكن أن يجيء منه الشفاء والدواء ، وبهذا يبطل الفرض الذي نحن فيه ، هو انحصار رفع الداء بالحرام أو ارتفاع الداء بالحرام.
     هذا ولكن إذا أثبت العلم بما لا شك فيه ولا ريب أنّ بعض المحرمات والنجاسات يمكن استفادة الدواء منها ، وقد ينحصر الدواء فيها في بعض الحالات فحينئذ تطرح هذه الروايات للخلل في متنها الذي يكون مخالفاً للواقع الخارجي ، ويعود الفرض ويحكّم قانون التزاحم.
     ويمكن أن يقال : إنّ هذه الروايات المانعة من وجود الدواء في الحرام هي ناظرة إلى الواقع الخارجي الذي كان في وقت صدور الروايات فكان الدواء غير موجود فيما هو محرّم ، أمّا في زمان آخر كزماننا إذا تمكّن العلم بأدواته الدقيقة وعمقه الكبير أن يوجد دواءً من النجاسات أو المحرّمات ، وانحصر الدواء به فنرجع إلى القاعدة ، حتى لو لم يكن المتن الروائي مخالفاً للواقع الخارجي وقت صدورها.
     بل يمكن أن يقال : إنّ هذه الروايات مختصة بصورة الخمر وشرابه على هيأته الخمرية ، بينما كلامنا في صورة استخراج الدواء من المحرم بحيث تزول صفةالخمرية أو صفة الحرام ويتّصف بصفة اُخرى هي صفة الدواء ولكن عيبه هو
     (1) المصدر السابق : ح15.
(334)
     النجاسة أو الحرمة ، فتكون الروايات منصرفة عمّا نحن بصدده من انحصار الدواء في ما يستخرج من المحرّم أو النجس ، وهذا سيأتي في القسم الثالث. وبهذا الذي تقدّم يرجع البحث السابق ، ونحكّم قانون التزاحم.
     ولكن نقول : إنّ هذه الروايات قد تكون معارضةً ـ إذا قلنا بحرمة شرب الأبوال الطاهرة ، كما هو الصحيح ـ بالروايات التي خصّت في التداوي فقط بأبوال الأبل والبقر والغنم في صورة الدواء فقط ، ومن تلك الروايات :
     1 ـ موثّقة عمار بن موسى الساباطي ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سئل عن بول البقر يشربه الرجل ؟ قال ( عليه السلام ) : إن كان محتاجاً إليه يتداوى به يشربه ، وكذلك أبوال الإبل والغنم » (1).
     2 ـ موثّقة المفضل بن عمر ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) « أنّه شكا إليه الربو الشديد ، فقال له ( عليه السلام ) : اشرب أبوال اللقاح ، فشربت ذلك فمسح الله دائي » (2).
     3 ـ وعن أنس : « أنّ رهطاً من عرينة أتو النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقالوا : إنا اجتوينا المدينة وعظمت بطوننا وارتهست اعضاؤنا ، فأمرهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أن يلحقوا برّاً الإبل ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فلحقوا براعى الابل ، فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم ، ثم قتلوا الراعي وساقوا الابل » (3).
     وفي القاموس : جوى : كره ، وأرض جويه : غير موافقة وفيه ، ارتهس الوادي : امتلأ.
     (1) وسائل الشيعة : ج17 ، ب59 من أبواب الأطعمة المباحة ، ح1.
     (2) وسائل الشيعة : ج17 ، ب59 من أبواب الأطعمة المباحة ، ح8.
     (3) السنن الكبرى للبيهقي : ج10 ، ص4 ، ورواه البخاري في الصحيح : ج1 ، باب الأبوال ص67 بأدنى تفاوت.

(335)
    4 ـ وعن ابن عباس قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « إنّ في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذربة بطونهم » (1).
     وفي القاموس : الذربة محركة : فساد المعدة.
     والصحيح أنّ هذه الروايات لا تكون معارضة لما تقدّم حيث انها اخص منها فتقيد الحرمة بغير شرب الأبوال الطاهرة للدواء. نعم ، هناك روايات تجوِّز شرب أبوال مأكول اللحم على وجه الاطلاق ، إلاّ أنّها ضعيفة السند ولابدّ من تقييدها بالتداوي وحتى لو كانت صحيحة السند فلابُدَّ من تقييدها بالتداوي لموثّقة عمار المتقدّمة.

القسم الثاني : التداوي بالنجس أو الحرام بغير الأكل والشرب :
     نقول : إنّ لفظ « التداوي بالحرام » يشمل غير الأكل والشرب أيضاً ، كالتدهين والتزريق والتكحيل ووضع عضو من جسم الخنزير في جسم الإنسان واشباهها ، ولكن الروايات المتقدّمة وان كان مطلقة إلاّ أنّها منصرفة إلى المحرم الذي حرم أكله أو شربه ، لكثرة استعمال الحرمة وارادة خصوص الأكل والشرب منها ، كما إذا قال شخص لآخر : « حرم الشارع علينا الميتة » فإنّ المنصرف منها هو حرمة الأكل وإن كان اللفظ يشمل حرمة الحمل واللمس والنظر. وكذا كل رواية فيها لفظ « الخمر » ، فإنّ المحرم شربه ومقدماته ومؤخرته التي تتعلق بالشرب ، وعلى هذا تبقى موارد بقية الاستعمالات مثل التزريق ـ إذا لم يكن فيه ذهاب العقل ـ والتدهين والتكحيل ووضع مادة من جسم حيوان في جسم الإنسان واشباهها غير محرمة ، وذلك لعدم التزاحم بين الواجب والحرام.
     نعم ، نخرج التكحيل الذي فيه خمر عن دائرة الجواز ، لوجود روايات تحرمه ،
     (1) مسند أحمد : ج1 ، ص293.
(336)
    مثل الرواية الثالثة المتقدّمة ( صحيحة علي بن جعفر ) وغيرها ، إلاّ أن روايات « ليس شيء ممّا حرمه الله تعالى إلاّ وقد أحله لمن اضطر إليه » تجوِّز ذلك إذا كان ضرورة ، ولا يمكن الدواء إلاّ به.
     ولا تأتي هنا قاعدة « إنّ الله لم يجعل في شيء ممّا حرم دواءً ولا شفاءً » لأنّها منصرفة إلى خصوص الأكل والشرب.
     إذن النتيجة : هو جواز التداوي بعين النجس إذا لم يكن أكلا أو شراباً ، ولو لم تكن ضرورة إلى ذلك.

القسم الثالث : هل يجوز التداوي بالنجس إذا استهلك في شيء آخر ؟
     أقول : هذه هي الصورة الواسعة المنتشرة في الدواء ، حيث يوضع النجس مع مواد اُخرى بحيث يستهلك فيها ولا ينعدم ، فهل يجوز استعمال الدواء في هذه الصورة وإن كان هناك دواء غيره ، أو يجوز في صورة انحصار الدواء بالنجس المستهلك ؟
     الجواب : مرةً نتكلّم عن صورة كون الدواء هو عبارة عن الأكل والشرب.
     ومرة نتكلّم عن صورة كون الدواء ممّا ينتفع به بغير الأكل والشرب.
     أمّا في الصورة الاُولى فإنّ الاستهلاك الذي حصل للنجس في ضمن
    غيره لا يجعله طاهراً ، فيبقى الدواء الذي فيه النجس على حكم عدم جواز اكله أو شربه ، سواء كان مائعاً أو لا ، وذلك لأنّ الشبهة هي وجود النجس في المادة ، ولا يجوز تناول المادة التي فيها النجس ، وعلى هذا فإذا كان هذا الدواء غير منحصر لذلك الداء فلا يجوز استعماله ، وذلك لعدم التزاحم بين حرمة أكل النجس أو شربه ، وبين وجوب السعي في الشفاء من الداء لوجود الدواء الطاهر ، أمّا إذا كان هذا الدواء قد انحصر فيه الاستشفاء فهل يجوز شربه أو أكله أم لا ؟


(337)
    الجواب : يقع التزاحم بين حرمة أكله أو شربه ووجوب السعي للاستشفاء ، فإن كان الوجوب أهمّ من حرمة استعمال النجس جاز استعماله للاستشفاء ، وهنا لا تأتي قاعدة « إنّ الله عزّوجلّ لم يجعل في شيء ممّا حرم دواءً ولا شفاءً » لأنّها واردة في عين النجس ، أو منصرفة إليه ، أمّا هنا فإنّ عين النجس مستهلكة مع اشياء اُخر ، فتأتي قاعدة « ليس شيء ممّا حرمه الله تعالى إلاّ وقد أحله لمن اضطر إليه ».
     وأمّا الصورة الثانية فهو أمر جائز بلا كلام ، كالتدهين والتزريق والتكحيل فإنّ هذه الأمور لا مانع من استعمال النجس فيها فضلا عن استهلاكه مع غيره; لأنّها جائزة بالأصل ولا دليل على الحرمة ، فلا تزاحم أصلا بين الوجوب والحرمة.

دفع توهّم :
     إنّ ما ذهبنا إليه من حرمة استعمال أبوال مأكول اللحم ليس من ناحية الاستدلال بآية ( ويحرّم عليهم الخبائث ) ، فإنّ معنى الخبائث في الآية هو كل ما فيه مفسدة ولو كان من الأفعال ، فإنّ لفظ « الخبيث » يطلق على العمل الخبيث كما في قوله تعالى : ( ونجّيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ) وبما أن أبوال ما يؤكل لحمه فيه مصلحة للمريض فهي ليست من الخبائث وإن تنفّر منها الطبع ، وإنّما دليلنا هو الروايات المتقدّمة التي أحلّت شرب البول لأجل الدواء.

هل يجوز تعطيل عضو من اعضاء الإنسان بواسطة الطبيب ؟
     قد يطلب الفرد اختياراً تعطيل عضو من اعضائه التناسلية ـ مثلا ـ أو غيرها ، كرضّ الخصيتين ، أو منع المني من عملية الاخصاب ، كما قد تطلب المرأة من الطبيب قلع الرحم أو سد الانابيب التي تخصب ، أو يطلب شخص رفع كليته واشباه ذلك ، فهل يجوز هذا العمل ؟
     وقد يصوّر هذا البحث بصورة ثانية ، وهي : هل يجوز للطبيب أن يعمل هذا


(338)
    العمل بدون رضا الفرد ؟ (1)
     وبحثنا الآن في صورة العمل الاختياري الذي يقوم به الفرد والطبيب ، فهل هذا جائز ؟
     الجواب : قد يقال : إنّه عمل محرم في صورة يعدّ الجسم المأخوذ منه العضو ناقصاً ، لأنّه يدخل تحت اطلاق « لا ضرر ولا ضرار » التي تشمل الأحكام الشرعية التي يحدث منها الضرر والأفعال الضررية ، فإنّها كلها قد نهى عنها النبي ( صلى الله عليه وآله ) بقوله : « لا ضرر ولا ضرار » ، ومن الأفعال الضررية : ضرر الإنسان لنفسه وجعل جسمه ناقصاً عرفاً ، وهو ضرر كبير لا يمكن أن يقال بجواز اقدام الإنسان عليه.
     نعم ، يُستثنى من الحرمة ما لو كانت المرأة في حالة يضرها الحبل بصورة قد يؤدّي إلى فقدان الاُم حياتها ، ففي هذه الحالة تكون حياة الاُم مقدّمة على حرمة نقص العضو ، كسد الأنابيب المخصبة للحمل عند المرأة. كما تستثنى حالة ما إذا توقف على نقص العضو عند فرد نجاة إنسان آخر من الموت ، كما إذا كان هناك شخص يعاني من توقف كليتيه ، وقد أراد آخر أن يتبرّع له بإحدى كليتيه لينقذهمن الموت ، ففي هذه الحالة ترتفع الحرمة التي تقدّم الكلام عنها ، وذلك لأنّ دليل حرمة أن ينقص الإنسان عضواً من أعضائه هو في صورة ما إذا كان التنقيص
     (1) وقد ذكر لنا أن الصين قامت بعقم أكثر من مائة مليون شخص في عهد ماوتسي تونغ بالاكراه ، كما قامت انديرا غاندي ( رئيسة وزراء الهند ) في بداية السبعينات من هذا القرن بعقم احد عشر مليوناً من الرجال والنساء قسراً ، وطبعاً أنّ هذا العمل محرم لما فيه من انتهاك لحرية الإنسان ـ التي اعطاها الله سبحانه له ـ بدون مبرر ، كما أنّها انتهاك وتعدٍّ على جسم الإنسان وضرر عرفي متوجّه إليه.
     ومثل هذا ما يحدث في إجراء التجارب القاسية والخطيرة على المسجونين بالاكراه.

(339)
    لا يلازمه عنوان آخر مهم يعدّ معه التنقيص غير محرم ، كفرضنا الذي نحن فيه ، وهذا يتّضح من ملاحظة التزاحم الذي يذكر فيما إذا كان انجاء الغريق متوقفاً على أضرار الغير بإتلاف زرعه ، ففي هذه الحالة لا يكون الاتلاف محرماً حيث يُقدّم انقاذ الغريق على حرمة اتلاف زرع الغير ، فما نحن فيه كذلك وان لم يكن انقاذ حياة الفرد الآخر واجباً على المعطي; لأنّنا نتكلم في التزاحم الأعم من الحكمي ، وهو التزاحم الملاكي (1) وان لم يكن أحد فرديه واجباً من قبل الشارع لمصلحة التسهيل على العباد إلاّ أنّه ذو مصلحة مهمّة جدّاً تجعل اضرار الفرد الآخر بنفسه وتنقيص عضو من أجل إنقاذ حياة الآخر ليست محرمة.
     هذا كله بالنسبة إلى العضو إذا قلع من جسم الإنسان ، كالعين والكلية
     (1) التزاحم الملاكي : والمراد منه اعطاء الكِلية لفرد آخر إذا لم تكن واجبة ( رغم أهميّة ملاكها ) لوجود مانع من الوجوب كمصلحة التسهيل مثلا فمع ذلك هو يزاحم حرمة اضرار الإنسان بنفسه.
     وهذا التزاحم يختلف عن التزاحم في الحكم الذي اُشير إليه في الأصول من مصطلحات الآخوند ( صاحب الكفاية ) القائل بالتزاحم الملاكي ، ومصطلحات الميرزا النائيني القائل بالتزاحم الخطابي في كيفية تصوّر التزاحم ، فيقصد الآخوند أن المولى ناظرُ إلى أقوى الملاكين ، ويحكم وفقاً له. ويقصد الميرزا أن المولى خاطبنا خطابين قد تزاحما ، فإنّ في هذا التزاحم الاُصولي يقصد وجود ملاكين كلٌّ منهما بحد ذاته يؤدّي إلى الحكم ، فالآخوند يصوّر التزاحم في نفس الملاكين فبالتالي لا يوجد سوى حكم واحد ، والميرزا يصوره في الخطابين أي أن الملاكين أثّرا ووصلا إلى حكمين وتزاحما.
     أمّا في التزاحم الذي نقصده في هذا البحث : فهو انّنا حتى إذا فرضنا أن الملاك لا يصل إلى الحكم فمع هذا لا يفهم العرف الاطلاق من الحكم الآخر ، ففي موردنا إذا قلنا بحرمة أن يضر الإنسان بنفسه ويقلع عضواً من اعضائه ففي صورة كون هذا العمل منقذاً لإنسان آخر وان لم يكن انقاذه واجباً يحصل تزاحم ملاكي بين الفعلين ، فلا تكون حرمة الضرر مطلقةً لصورة انقاذ إنسان آخر.

(340)
    والنخاع. أمّا إذا كان المقلوع من الجسم غير الأعضاء ( كالجلد مثلا ) الذي هوقابل للتجديد في الإنسان وكالدم فهو جائز بلا كلام; لعدم عدّ ذلك نقصاً في جسم الإنسان بحيث يشمله حديث « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ».
     وقد يقال في ردّ دليل « لا ضرر » : إنّ لا ضرر لا يشمل صورة اضرار الإنسان لنفسه ، وإنّما يقتصر على منع الضرر الذي يتوجّه إلى الغير من قبل الأخرين (1).
     وقد يقال بعدم وجود الضرر كما في مثال العقم ، فعلى هذا المنبى هل يوجد دليل يحرم هذه الأعمال في صورة الاختيار ؟
     نقول : إنّ أهم دليل يمكن أن يُستدل به للحرمة هو الآية القرآنية الواردة على لسان الشيطان ، وقد نقلها القرآن الكريم ولم يردّها ، فهي مقبولة عند الله تعالى وهي ( ولأضلنّهم ولاُمنينّهم ولآمرنّهم فليبتكنّ آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيّرن خلق الله ومن يتّخذ الشيطان وليّاً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً ) (2).
     فقد يقال : اننا نفهم من هذه الآية أن تغيير خلق الله تعالى من عمل الشيطان
     (1) هناك مبنى يقول : إن ضرر الإنسان بالغير قد منعه الشارع وفقاً لقانون ارتكازي عرفي يمنع اضرار الإنسان بغيره ، وهذا القانون مستمد من عدم جواز اضرار الإنسان بنفسه الذي هو ارتكازي ايضاً ، ولذا ورد في الحديث « الجار كالنفس غير مضار » فقد افترض أن الإنسان لا يضر نفسه ، فكذا لا يجوز له اضرار جاره كنفسه.
     ولكن لنا أن نقول : إنّ الحديث وارد في القضايا الأخلاقية لا الشرعية; حيث إنّ إقدام الإنسان على ضرر نفسه في المعاملات والأعمال جائز بلا كلام كما في اقدامه على الشراء الغبني مع علمه به ووقوفه تحت الشمس ساعات طويلة لأجل تحصيل رزق يومه مع امكانه صنع مضلة له ، وأمثال ذلك ، على أنّ ارتكازية حرمة الضرر بالغير عرفاً ممنوعة ، فإنّ الشارع أراد بتأسيسه الحرمة إيجاد المجتمع الإسلامي الصالح ، فشرع حرمة الاضرار بالغير ، كما هو واضح لمن اطلع على حكاية سمرة بن جندب وجذع النخلة.
     (2) النساء : 119.


بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: فهرس