بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: 421 ـ 430
(421)
    ج ـ بل حرّم الشارع كل ما يثير الشهوات ، فقد قال تعالى : ( ... ولا يضربن بأرجلهن ليُعلَمَ ما يخفين من زينتهن ) (1) ، فيعلم منه حرمة حتى صوت الخلخال وحتى التكسّر في المشية مما يوجب لفت نظر الرجال وتحريك شهواتهم.
     د ـ تحريم الخلوة بالأجنبية ، فقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « لا يخلونّ رجل بامرأة إلاّ كان ثالثهما الشيطان » (2).
     هـ ـ تحريم الغناء الذي فسِّر به لهو الحديث الوارد في الآية القرآنية : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله بغير علم ويتّخذها هزواً اُولئك لهم عذاب مهين ) (3).
     4 ـ توعية المجتمع على نوع العقوبة الرادعة عن الفحشاء في الدنيا ، وبيان أنّ عذاب الله أشدّ في الآخرة ، وتطبيق هذه العقوبة أمام المؤمنين اذا وقعت الفحشاء في المجتمع ; ليرتدع الناس عن هذا الإثم ، كما ذكر ذلك القرآن الكريم. فيبيّن للناس حدّ الجلد والرجم والقتل والإلقاء من شاهق والإحراق بالنار ، وما الى ذلك من عقوبات ذكرها المشرّع الحكيم في القرآن والسنة. فمثلاً :
     أ ـ حكم الزاني أو الزانية ( اذا لم يكونا محصنين ) هو الجلد مائة جلدة ، قال تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابَهما طائفة من المؤمنين ) (4).
     ب ـ حكم الزاني أو الزانية ( اذا كانا محصنين ) هو الرجم.
     (1) النور : 31.
     (2) أخرجه الترمذي وأحمد في مسنده : ج3 ، ص339.
     (3) لقمان : 6.
     (4) النور : 2.

(422)
    ج ـ حكم اللائط والملوط به ( سواء كانا محصنين أو غير محصنين ) هو القتل للفاعل والمفعول به ، وطريقة القتل مخيّرة ( كما في الروايات ) بين القتل بالسيف أو الالقاء من شاهق أو الإحراق بالنار.
     وبهذه التدابير (1) نكون قد صُنّا الإنسان من الوقوع في الحرام ، واذا وقع في الحرام فقد سددنا الطريق على العدوى بمرض الإيدز.

* * *

     (1) أنّ التلفاز وما تقوم به فِرَقُه يؤثّر أثراً مهماً ورئيساً في توعية الشعب ، فعلى عاتق المسؤولين عنه تقع هذه المسؤولية الكبيرة أولاً وبالذات.
(423)
موجبات الافطار في مجالي التداوي والحالات المرضية


(424)

(425)
     قبل الدخول في محوري البحث لابدّ من معرفة ضابط المفطِّر ليكون ميزاننا في معرفة المفطِّرات في مجال التداوي أو الحالات المرضية ، ولهذا نرى أن نذكر مقدّمة لبحثينا وهي ضابط المفطِّرات.

ضابط المفطِّرات
     إنّ أول مفطِّر أوجب القرآن الكريم الامساك عنه وكذا الروايات هو : ما يصدق عليه عنوان الأكل والشرب ، فقد ذكر القرآن الكريم ذلك بالمفهوم فقال : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتمّوا الصيام الى الليل ) (1).
     فقد أجاز القرآن الكريم الأكل والشرب حتى يطلع الفجر ، ومعناه يحرم جواز الأكل والشرب في النهار الى الليل. وكذا ذكرت الروايات ذلك ، كما في صحيحة محمد بن مسلم قال : « سمعت الإمام الباقر ( عليه السلام ) يقول : لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث ( أو أربع ) خصال : الطعام والشراب والنساء والارتماس
     (1) البقرة : 187.
(426)
    في الماء » (1).
     وقد ذكروا : أنَّ اجتناب الطعام والشراب يراد بهما اجتناب أكل الطعام واجتناب شرب الشراب الذي ذكر في الآية القرآنية ، وهذا الأمر من الوضوح بحيث انعقد عليه اجماع المسلمين (2) وضرورتهم.
     إنّما الكلام في اُمور اُخر منها :

1 ـ ما هو الأكل والشرب ؟
     إنّ أكثر اللغويين أوكلوا أمر الأكل والشرب إلى وضوحه ، فقال الراغب (3) في المفردات : الأكل تناول المطعم ، وقال الخليل (4) : الأكل معروف ، وكذا قال الفيومي (5) في المصباح المنير.
     نعم ، ذكر الزبيدي في تاج العروس (6) فقال : الأكل إيصال ما يمضغ الى الجوف ممضوغاً ...
     وقال الرمّاني : الأكل حقيقة بلع الطعام بعد مضغه. قال : فبلعُ الحصاة ليس بأكل حقيقة.
     أما الشرب : فقال في مفردات الراغب (7) : تناول كل مائع ماءً كان أو غيره.
     وأرى أن الأكل في العرف يشترط فيه أن يكون للمأكول مضغ ويصل الى
     (1) وسائل الشيعة : ج7 ، ب1 ممّـا يمسك عنه الصائم ، ح1.
     (2) راجع الشرح الكبير في هامش المغني : ج3 ، ص36.
     (3) مفردات الراغب : ص20.
     (4) معجم مقاييس اللغة : ج1 ، ص122.
     (5) المصباح المنير : ج1 ، ص10.
     (6) تاج العروس : ج1 ، ص19.
     (7) مفردات الراغب : ص257.

(427)
    الجوف عن طريق الحلق. أمّا الشرب فهو أيضاً إيصال ما يشرب الى الجوف عن طريق الحلق.

2 ـ هل الأكل والشرب الذي يكون مفطراً ينحصر في الطريق العادي المتعارف ـ وهو طريق الفم ـ أو يشمل ما يكون من غير الطريق العادي ؟
     فمثلا : إذا شرب إنسان الماء من أنفه أو أدخل الطعام الى المعدة من أنفه فهل يكون مفطراً ؟
     الجواب : أنّ الأكل والشرب متى صدق صدق عنوان المفطرية ، ولا خصوصية لكون الأكل والشرب من الطريق المتعارف بعد اطلاق الدليل ، وعلى هذا فلا دخل للفم في صدق عنوان الأكل أو الشرب إذا كان دخول الطعام أو الشراب الجوف عن طريق الحلق ، ولذلك لا يحتمل أيّ فقيه جواز شرب الخمر المحرّم من طريق الأنف بدعوى أنّ النهي عن شربه منصرف الى ما كان شربه عن طريق الفم.

3 ـ هل يكون الأكل والشرب مفطراً إذا كان معتاداً ؟
     أمّا إذا كان غير معتاد كالدواء غير المعدِّ للأكل والشرب وكعصارة الأشجار وبعض المساحيق الشبيهة بالتراب والطين فهل يكون مفطراً ؟
     والجواب : قد ذكر الإمام الخوئي ( قدس سره ) : « أن المرتكز في اذهان عامّة الناس أنّه لا فرق في المأكول والمشروب بين المعتاد منهما كالخبز والماء ، وغير المعتاد كالحصى (1) والتراب والطين ومياه الأنهار وعصارة الأشجار ونحو ذلك ممّا لم يكن
     (1) أقول : يمكن التشكيك في صدق الأكل على الحصى ، من حيث عدم امكان مضغها ، ولم تمضع وحينئذ يصدق عليها عنوان البلع ، وحينئذ فإن كان هناك دليل خاص يدلّ على مفطرية بلع الحصى ( كالاجماع من المسلمين ) فهو ، وإلاّ فلا يحصل به الافطار ( إذا قلنا : إنّ الافطار يحصل بالأكل والشرب لا بعنوان أعمّ منهما ) لعدم صدق الأكل العرفي على بلع الحصاة ، وقد تقدّم عن الرماني : بأن بلع الحصاة ليس بأكل حقيقي.
(428)
    معدّاً للأكل والشرب ، ولم ينسب الخلاف حتى الى المخالفين ما عدا اثنين منهم ، وهما الحسن بن صالح وأبو طلحة الأنصاري » (1).
     أقول : وقد ذكر في المغني والشرح الكبير : عدم ثبوت ما نقل عن أبي طلحة الأنصاري (2).
     والدليل على هذا الارتكاز عند المسلمين هو اطلاق الآية القرآنية والروايات المفسِّرة لها ، فإنّ المفهوم منهما هو المنع من الأكل والشرب من غير ذكر للمتعلق ، ومن المعلوم ـ في علم الاُصول ـ أنّ حذف المتعلق يدلّ على العموم بعد صدق الأكل والشرب ، فلا فرق اصلا بين الأكل والشرب في المعتاد ، كأن يقول : أكل محمد الخبز وشرب محمد الماء ، أو غير العتاد كأن يقول : أكل محمد الدواء أو التراب أو الطين ، أو شرب محمد الدواء أو السمّ أو عصارة الشجر.
     وممّا يؤيّد هذا ما ذكر في مفطرية الغبار الداخل الى الحلق ـ كما ذكر ذلك النص ـ مع عدم كون الأكل للغبار متعارفاً.
     إذن عُلم من ذلك أن الاعتبار في المنع بالدخول الى الجوف من طريق الحلق سواء كان متعارفاً أم لا إذا صدق عليه عنوان الأكل والشرب.
     وما قيل من عدم صدق الطعام والشراب ـ الوارد في صحيحة محمد بن مسلم (3) عن الإمام الباقر المتقدّمة ) على الدواء وما يدخل الى الجوف إذا كان غير
     (1) مستند العروة الوثقى ، كتاب الصوم : ج1 ، ص92.
     (2) المغني : ج3 ، ص36 ، وهامش المغني ( الشرح الكبير ) : ج3 ، ص37.
     (3) وسائل الشيعة : ج7 ، ب1 ممّا يمسك عنه الصائم ، ح1.

(429)
    معتاد فيكون الطعام والشراب حينئذ مختصاً بالمتعارف منهما ـ يُبطله أنَّ الصحيحة في صدد بيان أن الطعام والشراب مضرٌّ بالصوم بخلاف الأفعال الخارجية من النوم والمشي والعمل وما شابه ذلك ، وأمّا ما هو المراد من الطعام والشراب هل هو مطلق المأكول والمشروب أو خصوص المعتاد منهما ؟ فليست الصحيحة بصدد بيانه حتى تدلّ على حصر المفطر في الطعام والشراب العاديين.

4 ـ هل العبرة بوصول الطعام أو الشراب الى الجوف أو بدخوله عن طريق الحلق ؟
     اقول : تقدم سابقاً أن ما يؤكل ويشرب لو وصل من طريق الأنف وهو طريق غير عادي للوصول الى الجوف ، وقد قلنا : إنّه مضرٌّ بصحة الصوم ، وعليه فلو فرضنا ثقباً تحت الذقن ـ مثلا ـ بحيث يصل المطعوم أو المشروب الى الجوف من طريق الحلق فيكون مضرّاً بصحة الصوم.
     ولكن هنا يكون التساؤل عن أمر آخر ، وهو ما إذا فتحنا ثقباً تحت الحلق أو في الصدر لأجل ايصال ما يؤكل أو يشرب الى الجوف فهل يضرّ هذا في صحة الصوم ؟
     وقد اجاب على هذا الإمام الخوئي ( رحمه الله ) فقال : « وعلى أي حال فالمدار على الدخول في الحلق كيفما اتفق ، ومنه نعرف عدم البأس بالدخول في الجوف من غير هذا الطريق إلاّ أن يقوم عليه دليل بالخصوص ، فيقتصر على مورده كما في الاحتقان بالمائع. وأمّا ما عدا ذلك فلا ضير فيه لعدم كونه من الأكل والشرب في شيء كما لو صبَّ دواءً في جرحه أو شيئاً في اُذنه أو إحليله فوصل الى جوفه ... » (1).
     (1) مستند العروة الوثقى ، كتاب الصوم : ج1 ، ص108.
(430)
    واستدلَّ ( رحمه الله ) بصحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) قال : « سألته عن الصائم هل يصلح له أن يصب في اُذنه الدهن ؟ قال ( عليه السلام ) : إذا لم يدخل حلقه فلا بأس » (1). وقال في موضع آخر : « فإن العبرة في صدق ذلك ( المفطرية ) بدخول المأكول أو المشروب في الجوف من طريق الحلق » (2).
     وقال في موضع آخر : « فحقيقة الأكل والشرب ليس إلاّ ادخال شيء في الجوف من طريق الحلق ... » (3) ( 4).
     ولكن نقول :
     1 ـ إنّ صدق الأكل والشرب وإن كان متوقفاً على مرور المأكول والمشروب عن طريق الحلق ـ وهو المعنى العرفي لهما ـ إلاّ أنَّ الآية القرآنية التي منعت بمفهومها عن الأكل والشرب لم تمنع عنهما بما أنّهما فعل من الافعال ، بل منعت عنهما بما أنّهما فعلان يوجبان وصول المأكول والمشروب الى الجوف ، فالمهم هو المنع من وصول الطعام والشراب الى الجوف الذي يكون عادةً بواسطة الأكل ، وعلى هذا فسيكون الأكل والشرب طريقاً مرآتياً لما يصل الى الجوف من الطعام أو الشراب (5) ، ولهذا ذكرت صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة اجتناب الطعام والشراب.
     (1) وسائل الشيعة : ج7 ، ب24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، ح5.
     (2) مستند العروة الوثقى ، كتاب الصوم : ج1 ، ص91.
     (3) مستند العروة الوثقى ، كتاب الصوم : ج1 ، ص93.
     (4) لا بأس بالتنبيه إلى أن كلام الإمام الخوئي ( رحمه الله ) هنا يختلف عن فتواه في رسالته العملية ، فإنّه قد استشكل في صحة الصوم حتى فيما إذا وصِلَ المغذّي بالوريد مع عدم صدق الأكل والشرب قطعاً فكيف فيما إذا دخل الطعام الى المعدة لا عن طريق الحلق ؟ فهو أولى بالبطلان عنده من ناحية الاحتياط الوجوبي.
     (5) أقول : هذا الرأي ليس هو المشهور بين علماء الإمامية ، وليس هو الذي عليه الفتوى الآن وإن وجد مَن يقول به منهم من قدماء الأصحاب.


بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: فهرس