4 ـ نسخة نفيسة مشكولة مصححة موشحة بالحواشي جزءان في مجلد لمكتبة العالم الكامل صاحب الفضيلة الميرزا حسن المصطفوي التبريزي دام مجده نزيل طهران وكانت في 500 صفحة ـ 25 سطرا ـ 23 * 18 سم ـ كاتبها ومصححها ومقابلها ومحشيها : ابن صفي الدين محمد أحمد الحسيني القمي . تاريخ فراغها يوم الاحد ، الرابع عشر من محرم الحرام سنة 1090 سقطت من أولها وأوسطها أوراق .
5 ـ نسخة عتيقة ثمينة جدا غير مؤرخة لخزانة كتب العالم البارع المحقق المتضلع الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي ـ دامت أيام إفاداته ـ نزيل قم المشرفة في مجلد بدون التاريخ وذكر الكاتب . في 716 صفحة ـ 13 سطرا ـ 26 * 5/19 سم ـ وسقطت من أولها ورقة ومن أوسطها أوراق .
6 ـ نسخة نفيسة بخط النستعليق وهي مع علل الشرايع في مجلد لمكتبة استاذنا الاجل الشريف السيد جلال الدين الارموي المشتهر بالمحدث دام ظله في 266 صفحة ـ 26 سطرا ـ 30 * 20 سم ـ تاريخها شهر شعبان المعظم سنة 1069 هـ . بدون ذكر الكاتب .
7 ـ نسخة مذهبة ثمينة جيدة متقنة بخط النستعليق معنونة بالحمرة لخزانة كتب الالمعي المفضال الحاج باقر ترقي لا زال مؤيدا مسددا . جزءان في مجلد في 532 صفحة ـ 18 سطرا . 24 * 15 سم ـ كاتبها محمد كاظم بن محمد معصوم انجو الحسني الحسيني ، الجزء الاول منها مؤرخة هكذا « يوم الاربعاء شهر رجب المرجب سنة أربع وخمسين وألف » 1054 . والجزء الثاني يوم السبت ثامن عشر شهر رمضان المبارك 1054 .
ونسخة من المطبوعة لاستاذنا الرباني أيضا صححها بعد الطبع بعض العلماء جيدا وعلق عليها بقلمه وقابلها بنسخة مخطوطة لم يعرفها . والمظنون أنها قوبلت مع النسخة التي وصفناها تحت رقم 4 .
أما عملي في التصحيح والتحقيق :
فاعلم أني راجعت نصوصه أولا النسخة الاولى والرابعة والخامسة ، ثم قابلته بالنسخة المطبوعة المذكوة أخيرا التي قوبلت بعد الطبع بسعي بعض الافاضل بنسخة مخطوطة . ثم راجعت موارد الاختلاف بقية النسخ . وكثيرا ما راجعت البحار الطبعة الحروفية الحديثة . واجتهدت في إخراجه صحيحا كاملا على ما في هذه الاصول .
وأما النسخ المطبوعة سابقا ـ سواء كان طبعها حجريا أو حروفيا ـ مترجما أو غير مترجم ـ ففي غاية الاندماج والتصحيف والتحريف وكثرة الاغلاط والسقطات فلا أعتمد على سطر منها .
ثم اعلم أن مقدمة المؤلف ـ وهى قسم كبير من الكتاب ـ بما أنها مبحث كلامي بحت لكن على غير مصطلح المتكلمين والنسخ كثيرة الاختلاف ، عاضدني وأعاني في تصحيح هذا القسم أستاذي الاجل الحجة السيد أبو الحسن المرتضوي الموسوي دام ظله العالي ، فنشكر جميل معاضدته ومعاونته .
ثم إنى وضعت في هذا القسم فقط لكل موضوع عنوانا ليعرف به القارئ الغرض الذي تضمنه ، ويستطيع سبيلا إلى معرفة الموضوع ، وذلك لئلا يضيع وقت الباحثين عما يعنيهم في موضوعات الكتاب وأغراضه .
ثم إني كلما عثرت على خطأ في تلك النسخ في ضبط رجال الاسانيد صححته ونبهت عليه في الهامش تفاديا من أن يحكم على بعض من لاخبرة له بالرجال بالخطأ أو الغفلة ، وأنا مصيب .
وأما تحقيق الكتاب فهو شيء لا يحتاج إلى البيان ، وهو معلوم بالشهود والعيان ،
وفي الختام أمد أكف الضراعة إلى الله سبحانه وأسأله القبول فانه خير معط وأجود مسئول .
خادم العلم والدين
علي اكبر الغفاري
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .
الحمد لله الواحد الاحد الفرد الصمد الحي القادر العليم الحكيم ، تقدس و تعالى عن صفة المخلوقين ، ذي الجلال والاكرام ، والافضال والانعام ، والمشيئة النافذة والارادة الكاملة ، ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، لا تدركه الابصار ، وهو يدرك الابصار ، وهو اللطيف الخبير .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خالق كل شيء ، ومالك كل شيء وجاعل كل شيء ، ومحدث كل شيء ، ورب كل شيء ، وأنه يقضي بالحق ، ويعدل في الحكم ، ويحكم بالقسط ، ويأمر بالعدل والاحسان ، وأيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، ولا يكلف نفسا إلا وسعها ، ولا يحملها فوق طاقتها ، وله الحجة البالغة ، ولو شاء لهدى الناس أجمعين ، يدعو إلى دار السلام ، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
لا يعجل بالعقوبة ولا يعذب إلا بعد إيضاح الحجة وتقديم الايات والنذارة ، لم يستعبد عباده بما لم يبينه لهم ، ولم يأمرهم إطاعة من لم ينصبه لهم ، ولم يكلهم إلى أنفسهم واختيارهم وآرائهم بطاعته واختراعهم في خلافته ( 1 ) ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله وأمينه ، وأنه بلغ عن ربه ، ودعا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وعمل بالكتاب وأمر باتباعه ، وأوصى بالتمسك
( 1 ) في بعض النسخ " في دينه " .
وأشهد أنه ليس بمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، وأن الله يخلق من يشاء ويختار ، وأنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضاه ويسلموا تسليما ، وإن من حرم حلالا ومن حلل حراما ، أو غير سنة ، أو نقص فريضة ، أو بدل شريعة ، أو أحدث بدعة يريد أن يتبع عليها ويصرف وجوه الناس إليها فقد أقام نفسه لله شريكا ، ومن أطاعه فقد ادعى مع الله ربا ، وباء بغضب من الله ومأواه النار وبئس مثوى الظالمين ، وحبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين . وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .
قال الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي مصنف هذا الكتاب ـ أعانه الله على طاعته ـ : إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا : أني لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه رجعت إلى نيسابور وأقمت بها ، فوجدت أكثر المختلفين إلي ( 3 ) من الشيعة قد حيرتهم الغيبة ، ودخلت عليهم في أمر القائم عليه السلام الشبهة ، وعدلوا عن طريق التسليم إلى الاراء والمقائيس ، فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالاخبار الواردة في ذلك عن النبي والائمة صلوات الله عليهم ، حتى ورد إلينا من بخارا شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلد قم ، طال ما تمنيت لقاءه و
( 1 ) في نسخة " بعد وفاته "
( 2 ) في بعض النسخ " وانه يدل المسلمين بهما على المحجة الواضحة " .
( 3 ) الاختلاف بمعنى التردد أي الذهاب والمجيئ .
فبينا أنا ذات ليلة أفكر فيما خلفت ورائي من أهل وولد وإخوان ونعمة إذ غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف حول بيت الله الحرام وأنا في الشوط السابع عند الحجر الاسود أستلمه وأقبله ، وأقول : « أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة » فأرى مولانا القائم صاحب الزمان ـ صلوات الله عليه ـ واقفا بباب الكعبة ، فأدنو منه على شغل قلب وتقسم فكر ، فعلم عليه السلام ما في نفسي بتفرسه في وجهي ، فسلمت عليه فرد علي السلام ، ثم قال لي : لم لا تصنف كتابا في الغيبة حتى تكفي ما قد همك ؟ فقلت له : يا ابن رسول الله قد صنفت في الغيبة أشياء ، فقال عليه السلام : ليس على ذلك السبيل آمرك أن تصنف [ ولكن صنف ] ( 2 ) الان كتابا في الغيبة واذكر فيه غيبات الانبياء عليهم السلام .
( 1 ) يعنى عبد الله بن الصلت .
( 2 ) كذا في النسخ .
ثم مضى صلوات الله عليه ، فانتبهت فزعا إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى إلى وقت طلوع الفجر ، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلا لامر ولي الله وحجته ، مستعينا بالله ومتوكلا عليه ومستغفرا من التقصير ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
الخليفة قبل الخليقة : ( 1 )
اما بعد فان الله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه : « وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة ـ الاية » ( 2 ) فبدأ عزوجل بالخليفة قبل الخليقة ، فدل ذلك على أن الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليقة ، فلذلك ابتدأ به لانه سبحانه حكيم ، والحكيم من يبدء بالاهم دون الاعم ، وذلك تصديق قول الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام حيث يقول : " الحجة قبل الخلق ، ومع الخلق ، وبعد الخلق " ولو خلق الله عزوجل الخليقة خلوا من الخليفة لكان قد عرضهم للتلف ، ولم يردع السفيه عن سفهه بالنوع الذي توجب حكمته من اقامة الحدود وتقويم المفسد . واللحظة الواحدة لا تسوغ الحكمة ضرب صفح عنها ( 3 ) ، إن الحكمة تعم كما أن الطاعة تعم ، ومن زعم أن الدنيا تخلو ساعة من إمام لزمه أن يصحح مذهب البراهمة في إبطالهم الرسالة ، ولو لا أن القرآن نزل بأن محمدا صلى الله عليه وآله خاتم الانبياء لوجب كون رسول في كل وقت ، فلما صح ذلك لارتفع معنى كون الرسول بعده وبقيت الصورة المستدعية للخليفة في العقل ، وذلك أن الله تقدس ذكره لا يدعو إلى سبب إلا بعد أن يصور في العقول حقائقه ، وإذا لم يصور ذلك لم تتسق الدعوة ولم تثبت الحجة ، وذلك أن الاشياء تألف أشكالها ، وتنبو عن أضدادها . فلو كان في العقل إنكار الرسل لما بعث الله عزوجل نبيا قط .
مثال ذلك الطبيب يعالج المريض بما يوافق طباعه ، ولو عالجه بدواء يخالف طباعه أدى ذلك ألى تلفه ، فثبت أن الله أحكم الحاكمين لا يدعو إلى سبب إلا وله في
( 1 ) العنوان هنا وما يأتي في المقدمة منا أضفناها تسهيلا للباحثين .
( 2 ) البقرة : 30 .
( 3 ) يعنى عن اقامة الحدود .
وجوب طاعة الخليفة :
ولما استخلف الله عزوجل آدم في الارض أوجب على أهل السماوات الطاعة له فكيف الظن بأهل الارض ، ولما أوجب الله عزوجل على الخلق الايمان بملائكة الله وأوجب على الملائكة السجود لخليفة الله ، ثم لما امتنع ممتنع من الجن عن السجود له أحل به الذل والصغار والدمار ، وأخزاه ولعنه إلى يوم القيامة ، علمنا بذلك رتبة الامام وفضله ، وان الله تبارك وتعالى لما أعلم الملائكة أنه جاعل في الارض خليفة أشهدهم على ذلك لان العلم شهادة فلزم من ادعى أن الخلق يختار الخليفة أن تشهد ملائكة الله كلهم عن آخرهم عليه ، والشهادة العظيمة تدل على الخطب العظيم كما جرت به العادة في الشاهد فكيف وأنى ينجو صاحب الاختيار من عذاب الله وقد شهدت عليه ملائكة الله أولهم وآخرهم ، وكيف وأنى يعذب صاحب النص وقد شهدت له ملائكة الله كلهم .
وله وجه آخر وهو أن القضية في الخليفة باقية إلى يوم القيامة ، ومن زعم أن الخليفة أراد به النبوة فقد أخطأ من وجه ، وذلك أن الله عزوجل وعد آن يستخلف من هذه الامة ( الفاضلة ) خلفاء راشدين كما قال جل وتقدس : « وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا » ( 1 ) ولو كانت قضية الخلافة قضية النبوة أوجب حكم الاية أن يبعث الله عزوجل نبيا بعد محمد صلى الله عليه وآله وما صح قوله : « وخاتم النبيين » ( 2 ) فثبت
( 1 ) النور : 55 .
( 2 ) الاحزاب : 40 .
وآخر : هو أنه عزوجل أراد أن يظهر باستعباده الخلق بالسجود لادم عليه السلام نفاق المنافق وإخلاص المخلص كما كشفت الايام والخبر عن قناعيهما أعني ملائكة الله والشيطان ، ولو وكل ذلك المعنى ـ من اختيار الامام ـ إلى من أضمر سوءا لما كشفت الايام عنه بالتعرض ، وذلك أنه يختار المنافق من سمحت نفسه بطاعته والسجود له ، فكيف وأنى يوصل إلى ما في الضمائر من النفاق والاخلاص والحسد والداء ـ الدفين .
ووجه آخر : وهو أن الكلمة تتفاضل على أقدار المخاطب والمخاطب ، فخطاب الرجل عبده يخالف خطاب سيده ، والمخاطب كان الله عزوجل ، والمخاطبون ملائكة الله أولهم وآخرهم ، والكلمة العموم لها مصلحة عموم كما أن الكلمة الخصوص لها مصلحة خصوص ، والمثوبة في العموم أجل من المثوبة في الخصوص كالتوحيد الذي هو عموم على عامة خلق الله يخالف الحج والزكاة وسائر أبواب الشرع الذي هو خصوص فقوله عزوجل : « وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة » دل على أن فيه معنى من معاني التوحيد لما أخرجه مخرج العموم ، والكلمة إذا جاورت الكلمة في معنى لزمها ما لزم أختها إذا جمعهما معنى واحد ، ووجه ذلك أن الله سبحانه علم أن من خلقه من يوحده ويأتمر لامره ، وأن لهم أعداء يعيبونهم ويستبيحوا حريمهم ، ولو أنه عزوجل قصر الايدي عنهم جبرا وقهرا لبطلت الحكمة وثبت الاجبار رأسا ( 1 ) ، وبطل الثواب والعقاب والعبادات ، ولما استحال ذلك وجب أن يدفع عن أوليائه بضرب من الضروب لا تبطل به ومعه العبادات والمثوبات فكان الوجه في ذلك إقامة الحدود كالقطع والصلب والقتل والحبس وتحصيل الحقوق كما قيل : « ما يزع السلطان أكثر
( 1 ) في بعض النسخ « لبطلت الحكمة وتنيه الاختيار » . وفي بعضها « وفائدة الاختيار » وفي بعضها « وتب الاختيار » .
( 1 ) أي ما يمنع الحاكم أكثر مما يمنع القرآن .
( 2 ) الحشر : 13 .
( 3 ) البندار - بضم الميم - : من بيده ديوان الخراج ، ويقال لمحمد بن بشار البصري : « بندار » لانه جمع حديث أهل بلده .
( 4 ) سورة ص : 75 وتمامها « أم كنت من العالين » .
( 5 ) يعنى الباء في قوله « بيدى » ليست متعلقة بخلقت حتى تكون اليد بمعنى القدرة ، بل متعلقة بفعل متأخر هو قوله « استكبرت » . أقول : وفيه مالا يخفى لان الهمزة للاستفهام بقرينة « أم » وشأنها الصدر وعليه فلا يصح أن يكون ما قبلها معمولا لما بعدها كما حقق في محله ، وفي حديث عن الرضا عليه السلام قال : يعني بقدرتي وقوتي .
( 6 ) في بعض النسخ « جرتا نعما » وكذا ما يأتي .
( 7 ) لقمان : 20 .
فقوله : « وإذ قال ربك للملئكة إنى جاعل في الارض خليفة » يدل على معنى هدايتهم لطاعة جليلة مقترنة بالتوحيد ، نافية عن الله عزوجل الخلع والظلم وتضييع الحقوق وما تصح به ومعه الولاية ، فتكمل معه الحجة ، ولا يبقى لاحد عذر في إغفال حق .
واخرى أنه عز وجل إذا علم استقلال أحد من عباده لمعنى من معاني الطاعات ندبه له حتى تحصل له به عبادة ويستحق معها مثوبة على قدرها ما لو أغفل ذلك جاز أن يغفل جميع معاني حقوق خلقه أولهم وآخرهم ، جل الله عن ذلك . فللقو ام بحقوق الله وحقوق خلقه مثوبة جليلة متى فكر فيها مفكر عرف أجزاءها إذ لا وصول إلى كلها لجلالتها وعظم قدرها ، وأحد معانيها وهو جزء من أجزائها أنه يسعد بالامام العادل النملة والبعوضة والحيوان أولهم وآخرهم بدلالة قوله تعالى : « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » ( 1 ) . ويدل على صحة ذلك قوله عزوجل في قصة نوح عليه السلام : « فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا ـ الاية » ( 2 ) . ثم من المدرار ما ينتفع به الانسان وسائر الحيوان ، وسبب ذلك الدعاة إلى دين الله والهداة إلى حق الله ، فمثوبته على أقداره ، وعقوبته على من عانده بحسابه . ولهذا نقول : إن
( 1 ) الانبياء : 107 .
( 2 ) نوح : 10 ـ 12 .
وقد أخرجت الاخبار التي رويتها في هذا المعنى في هذا الكتاب في باب العلة
يحتاج من أجلها إلى الامام .
ليس لاحد أن يختار الخليفة الا الله عزوجل :
وقول الله عزوجل : « وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة » « جاعل » منون ( 1 ) صفة الله التي وصف بها نفسه ، وميزانه قوله : « إني خالق بشرا من طين ( 2 ) فنونه ووصف به نفسه ، فمن ادعى أنه يختار الامام وجب أن يخلق بشرا من طين ، فلما بطل هذا المعنى بطل الاخر إذ هما في حيز واحد .
ووجه آخر : وهو أن الملائكة في فضلهم وعصمتهم لو يصلحوا لاختيار الامام حتى تولى الله ذلك بنفسه دونهم واحتج به على عامة خلقه أنه لا سبيل لهم إلى اختياره لما لم يكن للملائكة سبيل إليه مع صفائهم ووفائهم وعصمتهم ، ومدح الله إياهم في آيات كثيرة مثل قوله سبحانه : « بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون » ( 3 ) وكقوله عزوجل : « لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( 4 ). »
ثم إن الانسان بما فيه من السفه والجهل كيف وأنى يستتب له ( 5 ) ذلك فهذا والاحكام دون الامامة مثل الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك لم يكل الله عز وجل شيئا من ذلك إلى خلقه ، فكيف وكل إليهم الاهم الجامع للاحكام كلها و الحقائق بأسرها .
وجوب وحدة الخليفة في كل عصر :
وفي قوله عزوجل « خليفة » إشارة إلى خليفة واحدة ثبت به ومعه إبطال قول
( 1 ) يعنى قوله تعالى « جاعل » بالتنوين يفيد الحصر .
( 2 ) ص : 71 .
( 3 ) أنبياء : 26 و 27 .
( 4 ) التحريم : 6 .
( 5 ) أي يهيؤ ويستقيم له . وفى بعض النسخ « يستثبت له » .
لزوم وجود الخليفة :
ولقوله عزوجل : « وإذ قال ربك للملئكة ـ الاية » في الخطاب الذي خاطب الله عزوجل به نبيه صلى الله عليه وآله لما قال : « ربك » من أصح الدليل على أنه سبحانه يستعمل هذا المعنى في أمته إلى يوم القيامة ، فان الارض لا تخلو من حجة له عليهم ، ولو لا ذلك لما كان لقوله : « ربك » حكمة وكان يجب أن يقول : « ربهم » وحكمة الله في السلف كحكمته في الخلف لا يختلف في مر الايام وكر الاعوام ، وذلك أنه عزوجل عدل حكيم لا يجمعه وأحد من خلقه نسب ، جل الله عن ذلك .
وجوب عصمة الامام :
ولقوله عزوجل : « وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة ـ الاية » معنى ، وهو أنه عزوجل لا يستخلف إلا من له نقاء السريرة ليبعد عن الخيانة لانه لو اختار من لا نقاء له في السريرة كان قد خان خلقه لانه لو أن دلالا قدم حمالا خائنا إلى تاجر فحمل له حملا فخان فيه كان الدلال خائنا ، فكيف تجوز الخيانة على الله عزوجل وهو يقول ـ وقوله الحق ـ : « إن الله لا يهدي كيد الخائنين » ( 1 ) وأدب محمدا صلى الله عليه وآله بقوله عزوجل : « ولا تكن للخائنين خصيما » ( 2 ) فكيف وأنى يجوز أن يأتي ما ينهى عنه ، وقد عير اليهود بسمة النفاق ، وقال : « أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون » ( 3 ) .
( 1 ) يوسف : 52 .
( 2 ) النساء : 105 .
( 3 ) البقرة : 44 .
وفي قول الله عزوجل : « وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الارض خليفة » حجة قوية في غيبة الامام عليه السلام ، وذلك أنه عزوجل لما قال : « إني جاعل في الارض خليفة » أوجب بهذا اللفظ معنى وهو أن يعتقدوا طاعته فاعتقد عدو الله إبليس بهذه الكلمة نفاقا وأضمره حتى صار به منافقا ، وذلك أنه أضمر أنه يخالفه متى استعبد بالطاعة له ، فكان نفاقه أنكر النفاق لانه نفاق بظهر الغيب ، ولهذا من الشأن صار أخزى المنافقين كلهم ، ولما عرف الله عزوجل ملائكته ذلك أضمروا الطاعة له واشتاقوا إليه فأضمروا نقيض ما أضمره الشيطان فصار لهم من الرتبة عشرة أضعاف ما استحق عدو الله من الخزي والخسار ، فالطاعة والموالات بظهر الغيب أبلغ في الثواب والمدح لانه أبعد من الشبهة والمغالطة ، ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : « من دعا لاخيه بظهر الغيب ناداه ملك من السماء ولك مثلاه » . وإن الله تبارك وتعالى أكد دينه بالايمان بالغيب فقال : « هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ـ الاية » ( 1 ) فالايمان بالغيب أعظم مثوبة لصاحبه لانه خلو من كل عيب وريب لان بيعة الخليفة وقت المشاهدة قد يتوهم على المبايع أنه إنما يطيع رغبة في خير أو مال ، أو رهبة من قتل أو غير ذلك مما هو عادات أبناء الدنيا في طاعة ملوكهم وإيمان الغيب مأمون من ذلك كله ، ومحروس من معايبه بأصله ، يدل على ذلك قول الله عزوجل : « فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا » ( 2 ) ولما حصل للمتعبد ما حصل من الايمان بالغيب لم يحرم الله عزوجل ذلك ملائكته فقد جاء في الخبر إن الله سبحانه قال هذه المقالة للملائكة قبل خلق آدم بسبعمائة عام . وكان يحصل في هذه المدة الطاعة لملائكة الله على قدرها . ولو أنكر منكر هذا الخبر والوقت والاعوام لم يجد بدا من القول بالغيبة ولو ساعة واحدة ، والساعة الواحدة لاتتعرى من حكمة ما ، وما حصل من الحكمة في الساعة حصل في الساعتين حكمتان وفي الساعات حكم ، وما زاد في الوقت إلا زاد في
( 1 ) البقرة : 2 .
( 2 ) المؤمن : 84 .