صلح الحسن ( عليه السلام ) ::: 31 ـ 45
(31)
نصارى نجران ، وأحد الخمسة ( أصحاب الكساء ) ، وأحد الاثني عشر الذين فرض اللّه طاعتهم على العباد ، وهو أحد المطهرين من الرجس في الكتاب ، وأحد الذين جعل اللّه مودتهم أجراً للرسالة ، وجعلهم رسول اللّه أحد الثقلين اللذين لا يضلّ من تمسك بهما. وهو ريحانة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وحبيبه الذي يحبه ويدعو اللّه أن يحب من أحبه.
     وله من المناقب ما يطول بيانه ، ثم لا يحيط به البيان وان طال.
     وبويع بالخلافة بعد وفاة أبيه عليهما السلام ، فقام بالامر ـ على قصر عهده ـ أحسن قيام ، وصالح معاوية في الخامس عشر من شهر جمادى الاولى سنة 41 ـ على أصح الروايات ـ فحفظ الدين ، وحقن دماء المؤمنين ، وجرى في ذلك وفق التعاليم الخاصة التي رواها عن ابيه عن جده صلى اللّه عليهما. فكانت خلافته « الظاهرة » سبعة اشهر واربعة وعشرين يوماً.
     ورجع بعد توقيع الصلح الى المدينة ، فاقام فيها ، وبيته حرمها الثاني لاهلها ولزائريها.
     والحسن من هذين الحرمين ، مشرق الهداية ، ومعقل العلم وموئل المسلمين. ومن حوله الطوائف التي نفرت من كل فرقة لتتفقه فيالدين ولتنذر قومها اذا رجعت اليهم. فكانوا تلامذته وحملة العلم والرواية عنه. وكان بما أتاح اللّه له من العلم ، وبما مكّن له في قلوب المسلمين من المقام الرفيع ، أقدر انسان على توجيه الامة وقيادتها الروحية ، وتصحيح العقيدة ، وتوحيد أهل التوحيد.
     وكان اذا صلى الغداة في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله جلس في مجلسه ، يذكر الله حتى ترتفع الشمس ، ويجلس اليه من يجلس من سادات الناس يحدثهم. قال ابن الصباغ ( الفصول المهمة ص 159 ) : « ويجتمع الناس حوله ، فيتكلم بما يشفي غليل السائلين ويقطع حجج المجادلين ».


(32)
    وكان اذا حج وطاف بالبيت ، يكاد الناس يحطمونه مما يزدحمون للسلام عليه. ( عليه السلام ).
    وفاته :
    وسُقي السم مراراً ـ كما سنأتي على تفصيله عند البحث على الوفاء بشروط الصلح ـ. وأحس بالخطر في المرة الاخيرة ، فقال لاخيه الحسين عليه السلام : « اني مفارقك ولاحق بربي ، وقد سقيت السم ، ورميت بكبدي في الطست ، واني لعارف بمن سقاني السم ومن أين دهيت ، وأنا اخاصمه الى اللّه عز وجل ». ثم قال : « وادفني مع رسول اللّه (ص) فاني أحق به وببيته (1). فان أبوا عليك ، فانشدك اللّه بالقرابة التي قرّب اللّه عز وجل منك ، والرحم الماسة من رسول اللّه ان لا تهريق في امري محجمة من دم ، حتى نلقى رسول اللّه صلى الله عليه وآله فنختصم اليه ، ونخبره بما كان من الناس الينا ».
1 ـ اما كونه احق به ، فلانه ابنه وبضعته ، بل هو بعضه ، ولا احق من الابن بالاب ، ولا من البعض بالكل.
واما كونه احق ببيته ، فلأنه وارثه الشرعي من امه الصديقة الطاهرة عليها السلام الوارثة الوحيدة من ابيها ( صلى اللّه عليه وآله ). وانها لترثه كما ورث سليمان داود. وما من مخصص لعمومات الميراث ..
وكانت صيغة التفضيل هنا تعني المفضولين ابا بكر وعمر فيما استأثرا به من الدفن في حجرة رسول اللّه (ص) بما لابنة كل منهما من الحق في هذه الحجرة. ودل ذلك على رأيهما في صحة ارث الزوجة من العقار. والمسألة لا تزال محل الخلاف بين فقهاء الاسلام الى يوم الناس. وكان لكل من عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر في حجرة رسول اللّه التي دفن فيها ـ بناء على صحة ارثهما كزوجتين ـ سهم واحد من اثنين وسبعين سهماً لانهما ثنتان من تسع. وللتسع كلهن الثمن يتقاسمنه على هذه النسبة. اما سعة الحجرة المقدسة ، فممّا لا نعلمه الآن على التحقيق ، فلتكن واسعة بحيث تكفي لاثنين وسبعين قبراً ، والا فليكن ورثة الصديقة الطاهرة قد أذنوا لابي بكر وعمر بالدفن فيها. والا فماذا غير ذلك. وعلينا ان نعترف للحسن (ع) بانه كان الاحق برسول اللّه وببيته.


(33)
    واوصى اليه باهله وبولده وتركاته وبما كان اوصى به اليه ابوه امير المؤمنين عليه السلام. ودل شيعته على استخلافه للامامة من بعده.
     وتوفي في اليوم السابع من شهر صفر سنة 49 هجري.
     قال ابو الفرج الاصفهاني : « واراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن ابي وقاص فدَس اليهما سماً فماتا منه ».
     ولللدواهي النكر من هذا النوع ، صدماتها التي تهزّ الشعور وتوقظ الالم ، وتجاوبت الاقطار الاسلامية أسى المصيبة الفاجعة ، فكان لها في كل كورة مناحة تنذر بثورة ، وفي كل عقد من السنين ثورة تنذر بانقلاب.
     واللّه سبحانه وتعالى يقول : « وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ».
    مدفنه :
    روى سبط ابن الجوزي بسنده الى ابن سعد عن الواقدي : « انه لما احتضر الحسن قال : ادفنوني عند ابي ـ يعني رسول اللّه (ص) ـ فقامت بنو امية ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وكان والياً على المدينة فمنعوه !!. قال ابن سعد : ومنهم عائشة وقالت : لا يدفن مع رسول اللّه أحد ».
     وروى ابو الفرج الاموي الاصفهاني عن يحيى بن الحسن انه قال : « سمعت علي بن طاهر بن زيد يقول : لما أرادوا دفنه ـ يعني الحسن بن علي ـ ركبت بغلاً واستعونت بني امية ومروان ومن كان هناك منهم ومن حشمهم ، وهو قول القائل : فيوماً على بغل ويوماً على جمل ».
     وذكر المسعودي ركوب عائشة البغلة الشهباء وقيادتها الامويين ليومها الثاني من اهل البيت عليهم السلام. قال : « فأتاها القاسم بن محمد بن ابي


(34)
    بكر فقال : يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الاحمر (1). أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء ؟ فرجعت ».
     واجتمع مع الحسين بن علي خلق من الناس فقالوا له : « دعنا وآل مروان ، فواللّه ما هم عندنا الا كأكلة رأس ». فقال : « ان أخي أوصى ان لا اريق فيه محجمة دم .. ولولا عهد الحسن هذا ، لعلمتم كيف تأخذ سيوف اللّه منهم مأخذها. وقد نقضوا العهد بيننا وبينهم ، وأبطلوا ما اشترطنا عليهم لانفسنا ». ـ يشير بهذا الى شروط الصلح ـ.
     ومضوا بالحسن فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
     قال في الاصابة : « قال الواقدي : حدثنا داود بن سنان حدثنا ثعلبة بن ابي مالك : شهدت الحسن يوم مات ودفن بالبقيع ، فلقد رأيت البقيع ولو طرحت فيه ابرة ما وقعت الا على رأس انسان ».
1 ـ وعلى مثل هذا الوتر من التبكيت المؤدب ما رواه البيهقي في المحاسن والمساوئ ( ج 1 ص 35 ) قال : « وعن الحسن البصري ان الاحنف بن قيس قال لعائشة يوم الجمل : يا ام المؤمنين. هل عهد اليك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذا المسير؟ قالت : اللهم لا. قال : فهل وجدتيه في شيء من كتاب اللّه جل ذكره. قالت : ما نقرأ الا ما تقرأون. قال : فهل رأيت رسول اللّه عليه الصلاة والسلام استعان بشيء من نسائه اذا كان في قلة والمشركون في كثرة. قالت : اللهم لا. قال الاحنف : فاذاً ما هو ذنبنا ؟ ».

(35)


(36)

(37)
    يكفينا الآن ، ونحن بصدد موضوع لا ندري على التحقيق ، مدى تأثره بسوابقه ومقارناته ، ان نرجع ولو قليلاً ـ الى استعراض بعض الاوضاع الاجتماعية التي ثاب اليها المسلمون لاول مرة بعد عهد النبوة ، بما كان للنبوة من اثر عميق في النفوس ، وسلطان قوي على تكوين المجتمع ، ويد صناع في بناء عناصر الحيوية في الاتباع.
    يكفينا ونحن نستوحي الذكريات لوضع الصورة العابرة هنا ، ان نأخذ من كل مناسبة صلتها بموضوعنا ، أو نأخذ بالمناسبات ذات الصلة من دون غيرها ، لنتعرف ـ على ضوء هذا الاسلوب ـ مدى تأثر موضوعنا بماضيه.
     وكان الحدث الاكبر في تاريخ الاسلام هو وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وانقطاع ذلك الاشعاع السماوي الذي كان يفيض على الدنيا كلها بالخير ، فاذا الدنيا كلها مظلمة تستعد للشر. وانقطعت الارض بموت رسول اللّه (ص) عن السماء ، اذ كان الوحي هو بريدها الى الارض واداة صلتها بها. وهل للارض غنى عن السماء ، وفي السماء رزقها ومنها خيرها وحياتها وحيويتها ونورها ودينها. وما كان أشد من هذه الوحشة على الدنيا ، ولا أفدح من هذه الخسارة على المسلمين ، لو انه كان ـ ونعوذ باللّه ـ


(38)
انقطاعاً باتاً وانفصالاً نهائياً. ولكن رسول اللّه (ص) أدرك ما سيمتحن به المؤمنون بعده من عظيم الرزية بانقطاع الوحي من بينهم ، وكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً ، فأخبرهم بان حبلاً واحداً سيبقى متصلاً بينهم وبين السماء. وهل حبل أولى بالتمسك من حبل السماء وقد انقطع الوحي ، قال :
    « اني تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض ، وعترتي اهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما » (1).
     ومن حق البحث الذي بين ايدينا ان يستقرئ في هذه المناسبة موقف المجتمع من عترة النبي (ص) ، او موقف الجماعات التي كانت تدعي لنفسها حق التمثيل للمجتمع ، لينظر فيما خلفوا رسول اللّه في عترته ـ استغفر اللّه ـ بل لينظر فيما يتصل من ذلك بموضوعنا من هذه المناسبة العابرة. واذا كانت العترة عشيرة الرجل ، فعلي أبرز رجالها بعد رسول اللّه ، واذا كانت ذريته ، فالحسن كبير عترة النبي من بعده. وتجيز اللغة اطلاق العترة على الصنفين ـ العشيرة والذرية ـ معاً.
    نعم انه قدّر لهذا المجتمع ، ان ينقسم انقسامته التاريخية التي وقعت فور الفاجعة العظمى بوفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، حين تأول قوم فانساحوا الى تأولاتهم ، وتعبّد آخرون فثبتوا على الصريح من قول نبيهم ، وللنبي تصريحات كثيرة في موضوع الترشيح للخلافة ليس هنا
1 ـ اخرجه الترمذي وهو الحديث 874 من احاديث كنز العمال ( ص 44 ج 1 ) وعلى نسق هذا الحديث احاديث كثيرة اخرى روتها الصحاح والمسانيد ، وجاء في بعضها « اني تارك فيكم خليفتين كتاب اللّه ممدود بين السماء والارض او ما بين السماء والارض وعترتي اهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » ـ ( الامام احمد والطبراني في الكبير ).

(39)
    مكان استعراضها. ولسنا الآن بصدد مناقشة المتأولين أو مساجلة المتعبدين ، لان كل شيء مما نتفق عليه معهم جميعاً ، أو مع فريق واحد منهم ، أو مما نختلف فيه قد تم في حينه على صورته. وليس فيما تتناوله بحوثنا الآن ما يستطيع ان يغير الواقع عن واقعه.
     ولكنا ـ ولنلتمس المعاذير للمتأولين ـ على مخالفتهم لنصوص نبيهم نقول : انهم نظروا الى هذه النيابة عن الوحي التي جعلها رسول اللّه (ص) للكتاب وللعترة من بعده ، في حديثه هذا وفي نظائره الكثيرة من الاحاديث الاخرى ، نظرتهم السياسية التي لا تعني الانكار على رسول اللّه ، ولكنها تهدف ـ قبل كل شيء ـ الى « المصلحة » فيما يرون ، ورأوا ان وجوب اطاعة الاوامر النبوية في الموضوعات السياسية ، منوط بذوي التجارب من الشيوخ المتقدمين بالسن. فان صادقوا على ما أراده النبي فذاك ، والا فليكن ما أرادوا هم.
     وهكذا زويت الخلافة عن العترة. وهكذا صار من الممكن وربما من المستحسن لدى فريق عظيم من مسلمة محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) ، ان يصبح معاوية أيضاً ممن ينازع على خلافة الاسلام ويطلبها لنفسه ، ويحتج عليها بالسن (1) ايضاً ، ويصادق عليها الشيوخ المسنون ايضاً كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وابي هريرة الدوسي. ولم تكن حملة معاوية هذه بما فيها من استخفاف بقدسية الاسلام ، الاولى من نوعها ، ولكنها كانت تمتد بجذورها الى عهد أقدم ، والى تصالح وتعاون أسبق ، ومن طراز أسمى (2).
     ولم يبق مخفياً ان الحجر الاساسي لهذا التدهور غير المنتظر ، كان هو الذي بني هناك في المدينة المنورة ، وقامت عليه سقيفة بني ساعدة بما
1 ـ يلحظ هنا كتاب معاوية الى الحسن عليه السلام شرح النهج ( ج 4 ص 13 ).
2 ـ ويراجع للتأكد تصريح معاوية نفسه فيما رواه المسعودي ( ج 6 ص 78 ـ 79 هامش ابن الاثير ). وبنى على ذلك كثير من شعرائنا القدامى قصائدهم العامرة. وهو ما عناه مهيار الديلمي في لاميته بقوله :
وما الخبيثان ابن هند وابنه بمبدعين في الذي جاءا به وان طغى خطبهما بعد وجل وانما تقفيا تلك السبل
وهو ما عناه قبله استاذه الشريف الرضي رحمه اللّه بقوله :
الا ليس فعل الآخرين وان علا على قبح فعل الاولين بزائد
وهو ما عناه قبلهما الكميت بقوله :
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم فيا اخرا اسدى له الشراول
الى امثال كثيرة اخرى.


(40)
ابرم فيها من حبل جديد هو غير الحبل الممدود ـ عمودياً ـ من السماء الى الارض الذي عناه رسول اللّه (ص) في حديثه الآنف الذكر. ولكنه حبل آخر اريد ليمتد مع التاريخ ـ افقياً ـ.
وتوالت تحت السقيفة أحدا نزعات تفرقت كغصون الـ ثٌ أثارت كوامناً وميولا ـعوسج الغض شائكاً مدخولا (1)
     ووقف صاحب الحق بالخلافة من اخوانه المتأولين ، موقفه المشرف الذي دل بذاته ، وبما حفظ الاسلام من الانهيار ، على انه وحده كان الوسيط بين الناس وحبل السماء. وتلكأ عن بيعتهم بمقدار ما نبه الذهنية الاسلامية الى الحق المغلوب على امره ، واخذ الى البيعة ـ بعد ذلك ـ أخذاً (2). وسأله بعض اصحابه : « كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به ؟ » فقال : « انها كانت أثرة ، شحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم للّه والمعود اليه القيامة. ودع عنك نهباً صيح في حجراته (3) » ..
1 ـ لبولس سلامة.
2 ـ قال معاوية فيما كتبه اليه مع أبي امامة الباهلي :
« وتلكأت في بيعته ـ يعني بيعة ابي بكر ـ حتى حملت اليه قهراً تساق بخزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش !!. » .
3 ـ نهج البلاغة ( ج 1 ص 299 ) ، شرح محمد عبده.


(41)
    لغة تنبئك عما تكظمه في دخيلتها من غيظ ، وعما تحمله في ظاهرتها من تسليم.
     وعشا عن انواره مناوئوه ، وعلى أبصارهم غشاوة الذحول. فغفلوا عنه غير منكرين سبقه وجهاده وقرابته وصهره واخوته وعلمه وعبادته ، وتصريحات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في شأنه ، التي كانوا يستوعبونها يومئذ اكثر مما نستوعبها نحن. ولكنهم نقموا عليه كثرة فضائله هذه ، ونقموا عليه شدته في احقاق الحق ، ونقموا عليه سيفه الذي خلق منهم أعداء موتورين ، منذ كان يصنع الاسلام بهذا السيف في سوح الجهاد المقدس.
     ونقموا عليه سنه لانه كان في العقد الرابع. ولا عجب اذا رأى ذوو الحنكة المسنون ، ان لا يكون الخليفة بعد رسول اللّه مباشرة ، الا وهو في العقد السابع مثلاً.
     وخفي عليهم ان الامامة في الاسلام دين كالنبوة نفسها ، ويجوز فيها ما يجوز في النبوة ، ولا يجوز عليها ما لا يجوز على النبوة في عظمتها. فما شأن الاجتهاد بالسن في مقابل النص على التعيين. وما شأن الملاحظات السياسية في مقابل كلمات اللّه وتصريحات نبيه (ص). وكانت سن علي يوم وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، سن عيسى بن مريم يوم رفعه اللّه عز وجل ، أفيجوز لعيسى ان ينتهي بقصارى نبوته في الارض الى هذه السن ، ولا يجوز لعلي أن يبتدئ خلافته في ثلاث وثلاثين ، وهي السن التي اختارها اللّه لسكان جنانه يوم القيامة! ولو لم تكن خير سنيّ الانسان لما اختارها اللّه للمصطفين من عباده في الجنان.
     ونقموا عليه قرباه « فكرهوا اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد » ولا نعرف كيف انقلبت الفضيلة ـ على هذا المنطق ـ سبباً لنقمة. ولا نفهم كيف كانت « القرابة » بموجتها القصيرة ، وبما هي اقرب الى النبي صلى اللّه عليه وآله حائلاً دون الخلافة ، ثم هي بموجتها الطويلة ، وبما هي


(42)
    أبعد عن النبي ، دليل الخلافة والحجة الوحيدة في ما دلفوا به من حجاج خصومهم.
     وحسبوا انهم أحسنوا صنعاً للاسلام وللمصلحة العامة بفصلهم الخلافة عن بيت النبوة ، وبما فسحوا المجال لبيوتات اخرى ، تتعاون ـ بدورها ـ على غزو المنصب الديني الأعلى ، أبعد ما يكون بطبيعته عن مجالات الغزو والغلبة والاستيلاء بالقوة والعنف.
     وخفي عليهم ما كان يحتاط به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لامته ولعترته ، حين سجل الخلافة في بيته.
     وجاءت الاحداث ـ بعد ذلك ـ فنبهت العقول الواعية الى اخطاء القوم وصواب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله.
     فكانت « عملية الفصل » هذه ، هي مثار الخلافات التاريخية الحمر ، بين عشاق الخلافة في مختلف الاجيال ، ومبعث مآسٍ فظيعة في المسلمين ، ومصدر انعكاسات مزرية في مثالية الاسلام ، كان المسلمون في غنى عنها لو قدّر للخلافة ـ من يومها الاول ـ ان تأخذ طريقها اللاحب الذي لا يجوز فيه اجتهاد ، ولا تمسه سياسة ، ولا يتصرف فيه احد غير اللّه ورسوله.
     « وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى اللّه ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا ».
     وهل كان التناحر والتطاحن المديد العمر المتوارث مع الاجيال فيما بين الاسر البارزة في المسلمين ، الا نتيجة فسح المجال لهذا او ذاك في الطماح الى غزو المقام الرفيع.
     وهل كانت المجازر الفظيعة التي جابهها المسلمون في الفترات المختلفة من تاريخ الاسلام : بين بني هاشم وبني امية : وبين بني الزبير وبني امية : وبين بني العباس وبني امية : وبين بني علي وبني العباس ... الا النتيجة


(43)
    المباشرة لفصم ذلك التقليد الديني الذي احتاط به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، ليكون حائلاً دون امثال هذه المآسي والاحداث المؤسفة في الاسلام.
     وهل كانت « فجائع العترة » الفريدة من نوعها ـ بالقتل والصلب والسبي والتشريد ـ الا اثر الخطأة الاولى ، التي خولفت بها سياسة النبي (ص) فيما اراده لامته ولعترته ، وفيما حفظ به امته وعترته جميعاً ، لو انهم اطاعوه فيما اراد.
     ولكنهم جهلوا مغزى هذه السياسة البعيدة النظر ، فكرهوا اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد ، انصهاراً بسياسة اخرى.
     وكانت هي المعذرة الظاهرة التي لم يجدوا غيرها معذرة يبوحون بها للناس. اما معذرتهم الباطنة ، فلا يعلم بها الا العالم ببواطن الامور وهي على الاكثر لا تعدو الذكريات الدامية في حروب الدعوة الاسلامية ، أو الحسد الذي « يأكل الدين كما تأكل النار الحطب » ـ كما في الحديث الشريف ـ.
     وكان حب الرياسة وشهوة الحكم ، شر أدواء الناس وبالاً على الناس ، وأشدها استفحالاً في طباع الاقوياء من زعماء ومتزعمين.
     وما النبوة ولا الامامة بما هما ـ منصب إلهي ـ من مجالات السياسة بمعناها المعروف ، وكل سياسة في النبوة أو في شيء من ذيولها الادارية ، فهو دين والى الدين. والمرجع الوحيد في كل ذلك ، هو صاحب الدين نفسه ، وكلمته هي الفصل في الموضوع.
     ولكي تتفق معي على مسيس اتصال هذه المناسبة بموضوعنا اتصالاً وشيجاً ، عليك ان تتطلع الى اللغة المتظلمة الناقمة التي ينكشف عنها الحسن بن علي عليهما السلام في هذا الشأن ، بما كتبه الى معاوية ، ابان البيعة له في الكوفة. قال :


(44)
    « فلما توفي ـ يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ تنازعت سلطانه العرب ، فقالت قريش : نحن قبيلته واسرته واولياؤه ، ولا يحل لكم ان تنازعونا سلطان محمد وحقه. فرأت العرب ان القول ما قالت قريش وان الحجة في ذلك لهم على من نازعهم في امر محمد. فأنعمت لهم وسلمت اليهم ، ثم حاججنا (1) نحن قريشاً بمثل ما حاججت به العرب ، فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها. انهم أخذوا هذا الامر دون العرب بالانصاف والاحتجاج ، فلما صرنا اهل بيت محمد واولياءه الى محاجتهم ، وطلب النصف منهم ، باعونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا. فالموعد اللّه وهو الولي النصير.
     « ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا ، وسلطان بيتنا. واذ كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام ، أمسكنا عن منازعتهم ، مخافة على الدين ان يجد المنافقون والاحزاب في ذلك مغمزاً يثلمون به ، أو يكون لهم بذلك سبب الى ما أرادوا من افساده.
     « فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله ، لا بفضل في الدين معروف ، ولا أثر في الاسلام محمود ، وانت ابن حزب من الاحزاب ، وابن أعدى قريش لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، ولكتابه. والله حسيبك فسترد عليه وتعلم لمن عقبى الدار !! » (2).
     وهكذا نجد الحسن عليه السلام ، يعطف ـ بالفاء ـ عجبه من توثب معاوية على تعجبه لتوثب الاولين عليهم في حقهم وسلطان بيتهم. ومن هنا تنبثق مناسبة اتصال قضيته بقضايا الخلائف السابقين ، وتنبثق معها مناسبات اخرى. بعضها للاخوين. وبعضها للابوين. وبعضها للحق العام.
1 ـ وكان من افظع النكايات بقضية اهل البيت عليهم السلام ، ان تختفي كل هاتيك المحاججات في التاريخ. ثم لا نقف منها الا على النتف الشاردة التي اغفلتها الرقابة العدوة عن غير قصد .. وهنا الذكر قول الشاعر المجدد الحاج عبد الحسين الازري :
اقرأ بعصرك ما الاهواء تكتبه ينبئك عما جرى في سالف الحقب
2 ـ ابن ابي الحديد ( ج 4 ص 12 ).


(45)
    وما نحن بالذاكرين شيئاً منها هنا ، لانا لا نريد ان نتصل بهذه البحوث ، في سطورنا هذه ، الا بمقدار ما تتصل هي بالصميم من موضوعنا.
     وعلمنا ان الرشاقة السياسية البارعة التي ربحت الموقف بعد وفاة رسول اللّه (ص) في لحظات ، والتي سماها كبير من اقطابها « بالفلتة » وسماها معاوية « بالابتزاز للحق والمخالفة على الامر (1) » ، كانت بنجاحها الخاطف دليلاً على سبق تصميم في الجماعات التي وليت الحل والعقد هناك. فكان من السهل ان نفهم من هذا التصميم « اتجاهاً خاصاً » نحو العترة من آل محمد (ص) له اثره في حينه ، وله آثاره بعد ذلك.
     فكانوا المغلوبين على امرهم ، والمقصيين ـ عن عمد ـ في سائر التطورات البارزة التي شهدها التاريخ يومئذ (2).
     فلا الذي عهد بالخلافة قدمهم. ولا الذي حصر الخليفة في الثلاثة من الستة انصفهم. ولولا رجوع الاختيار الى الشعب نفسه مباشرة ، بعد حادثة الدار ، لما كان للعترة نصيب من هذا الامر على مختلف الادوار.
1 ـ تجد ذلك صريحاً فيما كتبه معاوية لمحمد بن ابي بكر. قال : « كان ابوك وفاروقه اول من ابتزه ـ يعني علياً عليه السلام ـ حقه وخالفه على امره. على ذلك اتفقا واتسقا ، ثم انهما دعواه الى بيعتهما فابطأ عنهما وتلكأ عليهما ، فهما به الهموم وارادوا به العظيم. ثم انه بايع لهما وسلم لهما. واقاما لا يشركانه في امرهما ، ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضهما اللّه .. ـ ثم اردف قائلاً ـ : فان يك ما نحن فيه صواباً ، فابوك استبد به ونحن شركاؤه ، ولولا ما فعل ابوك من قبل ، ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلمنا اليه ، ولكنا رأينا اباك فعل ذلك به من قبلنا واخذنا بمثله » .. اه المسعودي على هامش ابن الاثير ( ج 6 ص 78 ـ 79 ).
2 ـ ونجد في كلمات امير المؤمنين (ع) شواهد كثيرة على ذلك. قال : « فواللّه ما زلت مدفوعاً عن حقي مستأثراً علي منذ قبض اللّه نبيه حتى يوم الناس هذا ». وقال : اللهم اني استعديك على قريش ومن اعانهم ، فانهم قطعوا رحمي وصغروا عظيم منزلتي واجمعوا على منازعتي امراً هو لي ..
صلح الحسن ( عليه السلام ) ::: فهرس